هناك اهتمام كبير بمؤسسات التعاليم العالي والبحث العلمي من قبل العديد من دول العالم المتقدمة او المتطلعة للحصول على التكنلوجيا المتقدمة لغرض تطوير الامكانات الصناعية والتكنلوجية والعمل باستراتيجية تنموية وفق لإمكاناتها ولتنويع اقتصادها وتطوير الصناعة فيها ورفع مستوى المجتمع الثقافي.

ومما لا شك فيه ان الادارة لمؤسسات التعليم لها دور عظيم في نجاح المؤسسة وتطويرها والقيام بدورها التكاملي مع باقي مؤسسات البلد. لذا يجب ان تهتم الدولة بمستوى التعليم العالي وتخصيص نسبة كبيرة من ميزانية الدولة له وتحسن ادارته. كما يجب ان تكون هناك عناية كبيرة في اختيار ادارات شجاعة وكفوءة ومخلصة ونزيهة بعيدا عن التحاصص الحزبي والطائفي والعرقي.

فان سوء اختيار الادارة سيؤدي حتما الى مشاكل كبيرة منها التبديد غير الرشيد بالأموال والطاقات وتراجع كبير في مستوى التعليم.

ان عملية الاصلاح لمؤسسات التعليم العالي ترتكز الى عدة ركائز اهمها: اعادة النظر بالقوانين والتعليمات الخاصة بالتعليم العالي وتعديلها بما ينسجم مع معطيات العصر واحتياجات وامكانات البلد المادية والبشرية، واصلاح الهيكل التنظيمي والاداري للمؤسسات التعليمية، وتطوير ومتابعة الهيئة التدريسية وحثها باستمرار لرفع امكانياتها العلمية والثقافية والتعليمية، وتفهم الطلبة وظروفهم وواقعهم الاجتماعي والتعامل الايجابي بمرونة مع ما تفرضه البيئة الاجتماعية والمؤسسات الدينية والثقافة المجتمعية والقبائلية والمناطقية والاعراف وما ترسمه من ملامح التعامل والتعاطي الثقافي والعلمي والتربوي في البلاد لتكوين قيم ثقافية ومجتمعية متماسكة وصالحة.

ان عدم الاهتمام باختيار الادارات لمؤسسات الدولة العراقية ومنها التعليم العالي بشكل صحيح ادى الى وصول من لا يتمتع بالأمانة والمصداقية والقدرة والكفاءة الى اعلى المناصب في الدولة. حيث يلاحظ تمسكهم الكبير بمواقعهم دون الاهتمام لمصلحة المجتمع وتطوير الخدمات والمخرجات بشكل جدي. كما عملوا على تسخير امكانات المؤسسة التعليمة لمصلحتهم الشخصية والعمل على حصولهم على اعلى المكاسب دون الاهتمام لضعف ما يقدمونه للتعليم العالي والمجتمع. يمكن تلخيص اهم مشاكل وسوء الادارة في مؤسسات التعليم العالي العراقي لما بعد سقوط الصنم في النقاط التالية:

1. ان اغلب الادارات عاجزة عن اجراء تغييرات ايجابية فيها رؤى اصلاحية وتطويرية لأنها تنظر الى ان دورها ومسؤوليتها محددة فقط بتسيير الامور الادارية ونيل المكاسب وعدم الاهتمام بالشأن العلمي والتربوي وتطويرهما. او الالتزام الشكلي والتوثيق الورقي الكاذب غير الصحيح.

2. عدم وجود مواصفات واضحة ومحددة لاختيار القيادات بأمانة وشفافية.

3. اعتماد المحسوبية والعلاقات والمصالح الشخصية في اختيار ادارات التعليم والذي نتج عنه وصول شخصيات غير كفوءة موالية لمن رشحها ودعم وصولها للمنصب دون الاهتمام بالصالح العام.

4. عملت الادارات دوما على اعتماد دكتاتورية فرض القرار بوجود ضعف مؤسساتي كبير في لجان القرار والمجالس (الاقسام والكليات والجامعات) اتجاه المسؤول. حيث ان هذه اللجان او المجالس تعمل باتخاذ القرارات بما يرضي المسؤول غالبا وتخضع لقرار المسؤول ولا تمتلك الشجاعة الجماعية لتتحمل مسؤولية اتخاذا قرار سليم مخالف لرؤية المسؤول. لذا يجب ان تكون هناك تشريعات مناسبة بهذا الخصوص وان يحسن اختيار هذه المجالس واللجان لكي تأخذ دورها القيادي الجماعي المتضامن بعيدا عن المجاملة وعدم الاهتمام ولكي تكون داعمة للإصلاح والعمل الجاد الايجابي وليست مسيرة بلا ارادة لقرارات المسؤول.

5. عدم قدرة اغلب الادارات على تشخيص الكثير المعوقات والمشاكل الفعلية.

6. اغلب الادارات لا تحترم مكاسب ومنجزات وتطويرات الادارات السابقة وذلك ناجم عن عدم وجود رؤية منهجية واستراتيجية مثبتة وموثقة كخطة عمل محترمة. لذا فان اي ادارة جديدة لا تعمل على استكمال ما انجزته الادارات السابقة وغالبا ما تعمل على فرض تغيير يمحو ويلغي كل الانجازات السابقة والبدا برؤية جديدة واستراتيجة جديدة اي ان كل الرؤى محكومة بقرارات آنية وتتغير مع تغير الادارة او تتغير مع تغير الادارات العليا وهذا بالتأكيد يؤدي لخسائر كبيرة لعدم وجود ادارة مؤسساتية جماعية قوية وصالحة تنظر نظرة استراتيجية وواقعية.

7. النظرة للمنصب كمكسب مادي ومعنوي فقط وعدم الاهتمام بالبناء والتطوير لترك أثر ايجابي في خدمة المؤسسة التعليمية والنهوض بها.

8. تتجنب الادارات المبادرات العملية التي تحتاج الى جهود كبيرة ومثابرة ومتابعة وممكن ان تعمل على تطوير وتسهيل العمل. لان هكذا مبادرات غالبا ما يرافقها مشاكل متعبة، لذا فان اغلب الاداريين يعتمدوا الاسلوب السلبي باحترام كسل وكلاسيكية الموظفين العاملين معهم وعدم القيام بهكذا اعمال تطويرية وتنظيمية شجاعة. حيث ان الموظفين يعتبروا ان اي شيء جديد خارج اطار ما تعودوا على عمله وكانه تجاوزا على حقوقهم وخصوصا ونحن في عصر ديمقراطي انتقالي غير واضح المعالم وصعوبة التمييز بين الحق الديمقراطي والفوضى.

9. عدم وجود فهم لدور الاداري وعدم وضوح الصلاحيات والمسؤوليات حيث هناك جهل كبير في الحقوق والواجبات وحدود المسؤوليات واغلب العاملين جاهلين بحقوقهم وواجباتهم وما تفرضه عليهم القوانين والتعليمات حيث يتم التعاطي بالكثير من الامور بشكل اجتهادي لا يستند الى اي تعليمات وضوابط قانونية صحيحة وهذا ما يؤسس لشيوع ثقافة الفوضى واللانظام وعدم احترام القيم المؤسساتية.

اذن يتوجب العمل لتطوير الهيكل التنظيمي للمؤسسات الاكاديمية وإكسابها ما يكفي من المرونة لتتجاوز الازمات والاشكاليات ولتتوافق في عملها مع الاهداف المرجوة. بالتأكيد فان نجاح مؤسسات التعاليم العالي لا يكون محصورا بحسن اختيار الادارة فقط، لكن الاداري الجيد له دور كبير في خلق فرص النجاح بأصعب الظروف لامتلاكه الشجاعة وروح المبادرة والرؤية الاصلاحية الايجابية.

ان نمو الحراك الشعبي الكبير للإصلاح خلال العامين السابقين ادى الى ظهور رفض مجتمعي كبير لما موجود وتطلع لإصلاح كل مؤسسات البلد في الاعوام القليلة القادمة بالضغط على الحكومة لغرض الاسراع بالإصلاح. بالتأكيد اي اصلاح يجب ان يستند الى النزاهة والتكنوقراط وهذا مؤشر الى وجوب الرجوع الى مؤسسة التعاليم العالي لغرض المساهمة في وضع سياسة واستراتيجية تنموية للنهوض بالبلد وعلى مختلف الاصعدة. وهناك طموح كبير في ان يكون الغد افضل بالتعاضد والتآزر ووقف السوء ودحر الارهاب والوقوف على ارضية قوية لبناء صحيح يستند الى الامانة والعلمية والقيم الاخلاقية والتربوية الصالحة التي لا تخرج عن قيم ومعتقدات المجتمع ولكن تصوبها بالاتجاه الصحيح الموحد لغرض انجاح عملية التنمية وتطوير البلد وتوفير فرص العمل وتحسين الخدمات والارتقاء بالمستوى الثقافي الاقتصادي والاجتماعي للإنسان العراقي.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0