إنسانيات - تعليم

جماعة الفاينل

صدقوني ولست مبالغا، انما هي الحقيقة كما رأيتها بعيني وسمعتها بأذني، بأنها لا تركز حتى على كتابة اسمها في الورقة الامتحانية، وان كتبت لا تستطيع ان تفك رموز كتابتها التي هي أقرب للكتابة المسمارية منها الى كتابة طالبة لم يبق على تخرجها من الجامعة سوى أشهر، وتصبح من أدعياء الكفاءة الذين يتعذر عليك الا الاستجابة لما تفرضه شهاداتهم من حقوق، او ستقف في الصف الأول للمتظاهرين المطالبين بالتعيين، هذه الطالبة الأنيقة التي تجيد ترتيب شكلها وتنسيق ألوان ملابسها.

مرة تكتب الحرف الأخير من اسمها بالألف المقصورة وتارة بالتاء المربوطة وثالثة بالهاء الآخرية، والذي لا يصدقني يمكنني تزويده بالأدلة القاطعة، فاجأتني ذات يوم بالسؤال: (متى امتحان الفاينل؟) والفاينل باللغة الانكليزية يعني (النهائي)، تتباهي بالكلمة الانكليزية، مع ان أغلب وقتها تقضيه في النادي الطلابي الذي يطلق عليه حاليا (كافتيريا) برغم ان التسميتين تختلفان في الدلالة من منظور ثقافتنا السائدة.

فالجامعة عندها مكان للتعارف وقضاء الوقت وليس للتحصيل العلمي، لكنها بالمحصلة تنجح، ان لم يكن ذلك في درجات المساعدة التي تمنحها الجامعة لتغيير الحال او في الدورين الثاني والثالث، او بغيرها من الطرق التي تعرفون.

جماعة الفاينل يشكلون أكثر من نصف طلبة الجامعة، كيف وصل الى هذا المستوى من لا يجيد التعبير او لا يعرف الاملاء ولا يتوافر خطه على الحدود الدنيا من القبول؟، ومع ذلك لم أسمع برسوب طالب نتيجة ضعف تحصيله العلمي، بل جميعهم ينجحون والاستثناء من ذلك الرسوب بالغياب، بينما الذين يستحقون النجاح الحقيقي لا تتجاوز نسبتهم (5 بالمئة) والذي ينكر ذلك يجافي الواقع او منافق يرسم صورة براقة لعمل فاشل أمام المسؤولين، ومع ذلك يتحدثون عن جودة المخرجات.

الدولة تنفق أموالا طائلة في التعليمين الأولي والجامعي، لكن جل هذه الاموال تهدر على جماعة الفاينل، فتوفير فرص التعليم الجامعي للجميع، لا يعني قبول غير المؤهلين، بل التعليم لمن يستحق، فبعض الطلبة يتخرج من الجامعة كما دخلها أول مرة، وغدا عملنا كمن يحفر في البحر.

ان الأعداد الهائلة لجماعة الفاينل يعني انشغالنا بالكم على حساب النوع، وحرمان النوع من الحصول على قدر كاف من الاهتمام التعليمي، والخلل في جوهره يكمن في نوعية الطلبة، وما تفرضه هذه الاعداد من خلل في المنظومة التعليمية. وفي النهاية نزرع وهم المعرفة في عقول الآلاف منهم، وهذه جريمة كبيرة هم أول ضحاياها، اذ تقود الى التعالي على العمل بمهن معينة بسبب شهاداتهم، بما يضيف لجيش العاطلين جيوشا أخرى.

السؤال الذي يشغلني كيف ستتعامل الحكومات مع هذه الاعداد المهولة من خريجي الجامعات الحكومية والأهلية؟، بالتأكيد انها ليست قادرة على تعيينهم، ومثال ذلك أصحاب الشهادات العليا، فكيف بها مع مئات الآلاف من حملة البكالوريوس كل عام؟، ولن ينفعها القول: انها توفر فرص تعليمية لأغراض التنوير وغير مسؤولة عن التوظيف، فما يهم الأهالي هو الحصول على وظيفة، اما التنوير فلا يشغلهم، بدلالة قبول خريجي الجامعة بالتعيين على شهادة الاعدادية.

أرجو ألا نغمض أعيننا عن قنبلة كبيرة ستنفجر لاحقا، ولن تصمد الحكومات أمام شظاياها مهما امتلكت من سواتر، وان تعيينهم سيزيد من ترهل القطاع العام المترهل بالأصل، بمعنى اضافة ملايين اخرى لـ ( 11) مليون ممن يتقاضون رواتب من الدولة، هذا الواقع للأسف لم يناقش، مع ان الجميع يرى مظاهره، لذا اقترح كخطوة أولى للإصلاح أن يكون معدل دخول الجامعة حكومية كانت ام أهلية لا يقل عن (75 بالمئة) والمعاهد (70 بالمئة) وتطبق النسبة الثانية على خريجي الدراسة المتوسطة أيضا، والاقرار بوجود نسبة رسوب للأدنى مستوى، وليست نسبة نجاح وهمية نتباهى بها كذبا، وبعكسه سيقع المجتمع فريسة لجماعة الفاينل الذين يتطلعون للحصول على شهادات عليا من خارج البلاد.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق