إنسانيات - تعليم

شيل وشمر

أكثر ما‮ ‬يزعجني‮ ‬تلك الاستعراضات التي‮ ‬تجري‮ ‬في‮ ‬مناقشات الرسائل والأطاريح الجامعية التي‮ ‬تقلل من شأن الطلبة كالاستهزاء بجهدهم عبر عبارات جارحة عند مطالبتهم برفع هذا الجزء او ذاك من البحث‮، ‬واعتراضي‮ ‬ليس على مطالبة الطلبة باختصار ما كتبوه او حذفه واستبداله بمضامين أكثر أهمية‮، ‬بل على الطريقة التي‮ ‬يتبعها بعض الأساتذة‮، ‬كقولهم‮: ‬هذا الجزء‮ (‬شيل وشمر‮)‬،‮ ‬او ارميه‮ (‬في‮ ‬الزبالة‮)، ‬متناسين ان البحث جرى تحت اشراف زميل لهم‮، ‬وان الطالب لا‮ ‬يخطو أية خطوة الا بتوجيه من مشرفه الذي‮ ‬رافقه لسنوات عدة‮، ‬وان الأفكار الواردة في‮ ‬البحث أجازها المشرف ان لم‮ ‬يكن قد تبناها‮.

‬والمشكلة الكبرى التي‮ ‬تضع الطالب في‮ ‬حيرة من أمره عندما‮ ‬يطالبه أحد المناقشين برفع هذا الفصل او ذاك المبحث‮، ‬بينما مناقش آخر‮ ‬يثني‮ ‬على هذه الأجزاء ويراها ضرورية ولا‮ ‬يمكن للبحث أن‮ ‬يستقيم من دونها‮، ‬وتشتد حيرته أكثر عند مباشرته بالتعديلات‮، ‬وكيف‮ ‬يوفق بين وجهات نظر متناقضة‮، ‬لاسيما وانه بحاجة الى توقيعهم على استمارة اقرار اللجنة التي‮ ‬ترتبط بمدى تنفيذه لتعديل كل منهم‮، ‬ماذا‮ ‬يرفع وماذا‮ ‬يبقي‮‬؟‮.

‬بالتأكيد ليس هناك عمل متكامل‮، ‬وان التعديلات التي‮ ‬تبديها لجان المناقشة تأتي‮ ‬لترصين الجهد العلمي‮ ‬المبذول من الطالب وتعزيزه‮، ‬وان اختلاف وجهات النظر بالأعمال البحثية أمر طبيعي‮، ‬لكن التطرف فيها‮ ‬غير مقبول‮. ‬

ومع ذلك نقر باختلاف وجهات النظر ازاء الاطروحات التي‮ ‬يتبناها الطلبة‮، ‬ولكني‮ ‬أستغرب أشد الاستغراب تباين وجهات النظر بالقواعد والاجراءات المنهجية‮، ‬فهي‮ ‬ثابتة ومتفق عليها من خبراء المناهج العلمية‮، ‬ولا مجال للاختلاف بشأنها اذا كانت ثقافتنا ومعرفتنا بها كافية‮، ‬لا‮ ‬يمكنني‮ ‬تفسير تباين وجهات النظر بما هو منهجي‮، ‬الا بتباين ثقافة الأساتذة بالمنهج العلمي‮ ‬وقواعده واشتراطاته‮، ‬وعدم الالمام الكافي‮ ‬بها من بعضهم‮، ‬وهذا‮ ‬يفترض بالأستاذ تجنب مناقشة الطلبة بما لا‮ ‬يعرف اذا كان حريصا ومتحليا بالمعايير المهنية‮، ‬وأن تقتصر مناقشته على ما هو واثق من معرفته بها‮، ‬وبخلاف ذلك ستقل قيمته العلمية بنظر زملائه‮، ‬فضلا عن تعليم الطلبة أشياء مغلوطة تؤسس لخراب علمي‮ ‬لا نتمنى له الحدوث‮، ‬ناهيك عن ان بعض الطلبة الأذكياء‮ ‬يعرفون بعض الأخطاء التي‮ ‬يقع بها الأساتذة الا ان اخلاقهم الرفيعة وتحسبهم من التأثير على درجة المناقشة او انحراف مسار المناقشة‮ ‬يمنعهم من الرد عليها‮. ‬

‮ ‬ان الموضوعية وتقمص حالة الطلبة مسألتان مهمتان‮، ‬فمن‮ ‬غير المنطقي‮ ‬محاسبتهم على امور ليست من مسؤوليتهم،‮ ‬روى لي‮ ‬صديق ان درجة أحد الطلبة انخفضت بسبب عدم قناعة عضو في‮ ‬لجنة مناقشة بعنوان أطروحة دكتوراه‮، ‬مع ان الطالب‮ ‬غير مسؤول تماما عن العنوان الذي‮ ‬جرت مناقشته في‮ ‬محاضرات‮ (‬السمنر‮)، ‬ثم في‮ ‬اللجنة العلمية للقسم الذي‮ ‬يدرس فيه الطالب،‮ ‬وجرى التداول به وتعديله في‮ ‬اللجنة العلمية المركزية للكلية‮، ‬وصدر به أمر اداري‮، ‬بمعنى انه مر بمجموعة من المراحل وتأمل فيه العديد من الأساتذة المكلفين‮، ‬وبالتالي‮ ‬فان الصيغة النهائية له تتحملها اللجان المذكورة‮، ‬وان الطالب‮ ‬غير مسؤول عما ورد فيه من أخطاء‮، ‬اذا كان العنوان‮ ‬ينطوي‮ ‬على أخطاء بالأصل‮.

‬فقدرات الطالب المنهجية في‮ ‬بدايات عمله البحثي‮ ‬فقيرة ولا تؤهله لملاحظة تلك الأخطاء‮، ‬وان ثقته بعلمية اساتذته عالية‮، ‬لذا‮ ‬ينطلق الى التنفيذ مباشرة‮، ‬وبهذا الصدد‮ ‬يشير أساتذة المناهج العلمية الأكفاء الى ان تراجعا منهجيا واضحا لدى العديد من الأساتذة‮، ‬وان ما‮ ‬يجعلك تغلي‮ ‬عندما‮ ‬يبدي‮ ‬بعضهم وبثقة مطلقة بالنفس ملاحظات خاطئة‮، ‬وان هذه الملاحظات ستؤثر على درجة الطالب‮، ‬ومعها لا تتحقق العدالة بين الطلبة‮، ‬أتمنى على هؤلاء الأساتذة تطوير أنفسهم وتمتين ثقافتهم المنهجية‮، ‬لأن من شأن اهمالها اتاحة الفرصة لآخرين أن‮ ‬يعيدوا عليهم العبارة التي‮ ‬سبق أن تفوهوا بها‮ (‬شيل وشمر‮).‬

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

8