دعت رئيسة لجنة التعليم النيابية غيداء كمبش إلى "تشكيل مجلس اعلى للتربية والتعليم لوضع خطط انية ومتوسطة وبعيدة المدى يسن له قانون تضمن لقراراته الديمومة بعيدا عن التغيرات والتجاذبات السياسية"، وقد سرني ذلك كثيرا، وهذه هي فكرتي في الاصل، ولا ادري ان كانت السيدة غيداء اخذت الفكرة مني، ام هو مجرد توارد افكار. فقد دعوات مرات عديدة الى تشكيل المجلس الاعلى، او اللجنة الدائمة للتربية، وارسلت رسالة بهذا الشأن الى رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي لكنه لم يرد عليها. كما دعوت رئيس الوزراء الجديد مصطفى الكاظمي الى الامر نفسه.

وقد شرحت في مقالات سابقة تصوري لهذا المجلس وطريقة تشكيله وآلية عمله، والاهم من ذلك ضرورة تشكيله، ولست ادري ان كانت غيداء تحمل نفس الافكار ام لا، لكن يكفي اننا متفقان على ضرورة تشكيل المجلس.

تنطلق فكرتي من حقيقة ان المواطن العراقي يمضي ١٢ سنة في عهدة وزارة التربية، فهو يدخل المدرسة طفلا ويخرج منها شابا يحق له التصويت في الانتخابات. وكانت هذه هي نقطة البدء في فكرتي، ومحورها ان يتخرج الطالب وهو مؤهل لممارسة سلوك انتخابي بطريقة حضارية حديثة، وانطلاقا من هذا كررت عدة مرات ان هدف المدرسة هو تخريج مواطنين فعالين يكونون اللبنات الاولى في بناء المجتمع المتحضر والدولة الحضارية الحديثة.

ومن اجل تحقيق ذلك يجب ان تحرص المدرسة على بناء شخصية الطالب وتنشئته على القيم الحضارية والمعارف الحديثة التي تجعل منه ابن عصره ومؤهل لان يدخل الدورة الانتاجية للمجتمع.

وهذا يتطلب اعداد منهج يواكب الطفل ١٢ سنة، هي سنوات الدراسة الابتدائية والمتوسطة والاعدادية ، ويتضمن المنهج المقررات التدريسية والنشاطات الصفية واللاصفية التي تتكفل بصنع المواطن الصالح في دولة حضارية حديثة.

وتكون مهمة المجلس الاعلى للتربية اعداد هذا المنهج التربوي والتعليمي والاشراف على تنفيذه من خلال الادوات التي توفرها وزارة التربية. ولا يتعارض هذا مع دور وزير التربية الذي سوف يتكفل بالجوانب المادية والتقنية، كالمباني المدرسية، وتأثيثها، وتوفير الاجهزة التعليمية اللازمة وطباعة الكتب وغير ذلك، اي ما يقابل ال hardware في العملية التربوية، فيما يتولى المجلس الدائم للتربية ال software منها، على سبيل التشبيه وتقريب الفكرة.

وهذا يتضمن المفردات العلمية والتربوية التي يقرر المجلس ضرورة توفرها في شخصية الطالب، ويتم توزيع هذه المفردات على مدى ١٢ سنة، وتدخل في مختلف المقررات الدراسية. وهذا كله يمثل النظام التربوي الحضاري الحديث.

ويتشكل المجلس من عدد من الخبراء التربويين على اسس مهنية وتربوية وليست سياسية ولا محاصصاتية، على ان تستمر العضوية في المجلس ١٢ سنة. وليس من الضروري ان يتقاضى اعضاء المجلس رواتب لقاء عضويتهم في المجلس. اما الكادر الوظيفي للمجلس فيتم تنسيبهم من موظفي وزارة التربية، وعليه فلن يكلف المجلسُ الدولةَ اعباءً مالية اضافية. ويكون المجلس برئاسة رئيس الوزراء لانه سوف يضم في عضويته وزير التربية ايضا.

وبامكان مصطفى الكاظمي تشكيل المجلس الان، لكي يباشر عمله فورا، على ان يتم البدء بتطبيق النظام التربوي الجديد اعتبارا من العام الدراسي ٢٠٢٠-٢٠٢١ ولكل المراحل الدراسية في ان واحد. وتستمر الخطة التربوية لمدة ١٢ سنة، متداخلة. ولك ان تتصور حالة الجيل الجديد الذي سوف يتخرج بعد ١٢ سنة من التربية الحضارية الحديثة.

وفي حقيقة الامر، فان هذه الفكرة تمثل جوهر عملية التغيير الحضاري للمجتمع العراقي وبناء القاعدة التحتية لقيام الدولة الحضارية الحديثة بأسسها الخمسة وهي المواطنة والديمقراطية والقانون والمؤسسات والعلم الحديث.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

9