البحث العلمي هو نافذة البشرية الوحيدة إلى التقدم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي والفكري، بل أن كل الثورات العلمية والصناعية والتكنولوجية والمعلوماتية ما هي إلا ثمرة من ثمرات التراكم المعرفي والعلمي القائم على أسس تطوير منهجية البحث العلمي، وما عدا ذلك فأن حياتنا لا تعدو إلا أن تكون طقوس من التنجيم والخرافة والسحر والشعوذة والاجتهاد العبثي، يعاد فيها إنتاج التخلف وتوليده على نطاق واسع في كل مفاصل الحياة العامة والخاصة، حيث يتم فيه تعطيل قيمة العقل الإنساني، الذي لا سلطة تعلو عليه، في البحث عن الحلول العلمية لمختلف مشكلات الحياة، وعندها يتوقف الزمن، حيث لا نشعر بقيمة التقدم وجدواه وتبقى حياتنا تكرارا مبتذلا لأسلافنا، وفي أحسن الصور يكون وجودنا محاكاة مشوهة لما ينجزه الآخرين دون القدرة على استنبات العلم والتقدم التقني والاجتماعي في البيئة الوطنية !!!.

أن البحث العلمي كآلية هو العملية الفكرية المنظمة التي يقوم فيها الباحث إن كان فردا أو مؤسسة بحثية أو جامعية من اجل تقصي الحقائق بشأن مسألة أو مشكلة معينة تسمى (موضوع البحث)، بأتباع طريقة علمية منظمة تسمى (منهج البحث) بغية الوصول إلى حلول ملائمة للعلاج أو إلى نتائج صالحة للتعميم على المشاكل المماثلة تسمى (نتائج البحث). فالبحث العلمي هو الطريقة الوحيدة للمعرفة حول العالم بكل تنوعاته وغناه، ولفهم الحقائق الواقعية بعبارات القوانين والمبادئ العامة. والبحث العلمي كمنهج يطال كل مفاصل الحياة بدون استثناء، الروحية منها والمادية، ولا توجد فرصة للخيار بين البحث العلمي أو عدمه، فالمراوحة في الخيار هي نوع من الباطل، وعدم الأخذ بالمنهج العلمي يعني اختيار التخلف كطريقة للبقاء والعيش، وهو ما يرفضه علنا وحياء حتى أكثر دعاة ورموز الأمم تخلفا، فأما الحياة أو الموت !!!.

ومن هنا نستطيع القول بما لا خلاف عليه بين من يلتمسوا تشخيص الحاضر ويبنوا المستقبل أن البحث العلمي هو الطريقة لمعرفة وحصر مشاكل المجتمع، وتحديد درجاتها من الأهمية، وأولويات وطرق التعامل معها، وهو السبيل الوحيد لحل تلك المشاكل بما ينسجم مع إمكانيات المجتمع وقدراته وطموحاته؛ وهو الطريق للحفاظ على القدرة التنافسية للمجتمع في عالم متحرك ومتطور بسرعة فائقة؛ وهو الطريق لتشخيص وتلبية حاجات المجتمع المستمرة والمتزايدة في كافة مجالات الحياة، عن طريق تطوير طرق الإنتاج والأداء وأدواته وخاماته ووسائله في مختلف مجالات الحياة في، في الزراعة والصناعة والخدمات وحسن استخدام الثروات الطبيعية وغيرها، بما يؤدي إلى تحقيق الكفاية أو يقترب منها ويضع السياسات الحكيمة للموائمة بين تلك الحاجات وبين الإنتاج والاستيراد، ويحقق معدلات مرتفعة من التشغيل للفئات الاجتماعية المختلفة حسب المؤهلات والكفاءات المهنية والعلمية المتاحة، مما يؤدي بدوره إلى نوع من الانسجام والتوائم الاجتماعي !!!.

والبحث العلمي ضرورة ملحة لنظام الحكم ومؤسساته ووزاراته وكل أجهزة المجتمع ومؤسساته ومنظماته، حيث لا يمكن التخطيط واستقراء المستقبل بدون بحث علمي، ولا يمكن أيضا بدونه القيام بعمليات التنفيذ والمتابعة والتطوير وحل المشكلات الطارئة؛ والبحث العلمي أيضا شرطا أساسيا على المستوى الفردي، حيث يحتاج الفرد من اجل حياة موفقة أن يفكر في كل خطواته وتحركاته من إقدام وإحجام، وان يجمع لها البيانات اللازمة ويحسب الخسارة والربح المترتب على ذلك وتأثيره المستقبلي؛ كما أن البحث العلمي بمعناه الواسع يمتد ليشمل جمع المعلومات وتوظيفها في جميع أنشطة الحياة العلمية والعملية، ويمتد ليشمل الأفراد والجماعات والمجتمع، فإذا ما ارتبطت بخطوات محكمة منظمة ومتسلسلة لجمع المعلومات وتحليلها والتأكد من صحتها بغرض الإجابة على سؤال معين أو تفسير علاقة ما أو حل مشكلة ما، كان ذلك يعرف بالبحث العلمي، أنه سلوك المجتمعات المتمدنة والمتحضرة ووسيلتها لحل مشاكلها والتغلب على أزماتها. وعدا ذلك يصبح كل شيء عشوائي، مما يزيد من فرص الفشل والإحباط والتخبط في إيجاد حلول للازمات. أن غياب البحث العلمي في بلادنا هو مصدر أساسي في التخلف والفوضى التي تضرب كل مرافق الحياة، مما يسبب في ضياع الوقت وإهدار المال وشيوع الفساد بمختلف مظاهره، ويشكل فرصا مواتية لشيوع الخرافة بكل ألوانها، السياسة والدينية وانتشار الجهل والغباء في تفسير ما يجري على ارض الواقع وفقا للمنطق المعكوس في وضع العربة أمام الحصان !!!!!.

وفي ضوء تلك الاعتبارات لا نستغرب من الصراع الذي يجري اليوم في العالم من اجل حيازة المعرفة العلمية لتحسين ظروف العيش والارتقاء بها ومن اجل صناعة الحياة وتحقيق التطور والنهوض، بل أن الكثير من دول العالم وفي مقدمتها أمريكا تسعى بطموحاتها المشروعة وغير المشروعة عبر الاستحواذ على المعرفة لقيادة العالم، لأن ذلك يشكل المدخل لامتلاك كل شيء، من تكنولوجيا و سلاح متطور إلى إنتاج نوعي في مختلف المجالات الحياتية، وهذا الجهد بطبيعته جهدا منظما لا يمكن أن يجري في الفراغ، حيث ينبغي توفير الحرية والدعم والأموال وبناء المنشآت والمعامل والأدوات، وتأهيل الكوادر البشرية، وخلق الحوافز المادية والمعنوية، التي تجعل من الإنتاج الفكري عملا يستحق المعاناة والجهد المتواصل. بل أن الكثير من الدول المتطورة تعلن عن طموحاتها في تصدر عالم المعلومة الرصينة، ولا نستغرب من المؤسسة الوطنية للعلوم في أمريكا تحدد لنفسها الأهداف الثلاثة الآتية:

ـ النهوض بالاكتشافات والنشر المتكامل وتوظيف المعلومات الجديدة في خدمة المجتمع.

ـ تحقيق التمايز في العلوم والرياضيات والهندسة وتدريس التكنولوجيا في جميع المستويات التعليمية.

ـ تمكين الولايات المتحدة من التمسك بقيادة العالم في جميع مجالات العلوم والرياضيات والهندسة.

أن أسباب تخلف البحث العلمي وتدهوره هو جزء من تخلف الحياة العامة الذي يعكسها تخلف البنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية والذي ينعكس بدوره على تخلف المنظومة التربوية والتعليمية والتي يرتبط بها العلم والبحث العلمي والقناعة به كمنهج للحياة وحل المشكلات. وتتضح ابرز أسباب ملامح ضعف البحث العلمي وكفاءته فيما يأتي:

ـ حالة الفقر العامة في اغلب المجتمعات العربية، فالفقر بطبيعته التي تجبر الإنسان على التفكير بلقمة العيش فقط، فهي تحصره في ضيق الأفق والتقليل من مساحات الإبداع والحد من استثمار القدرات العقلية.

ـ هيمنة الفكر السياسي والفكر المتعصب في الحياة العامة والذي يرفض جميع أشكال التطور والتقدم العلمي والتكنولوجي والمعلوماتي، ويتشبث في الماضي لإيجاد الحلول لمشكلات الحاضر، ويرفض ممارسة النقد والنقد الذاتي لفكره وممارساته، فيعتبر ما عنده صالح لكل الأزمان والأمكنة، وبالتالي يشل قدرة العقل على التواصل مع معطيات الحضارة العالمية.

ـ الاستبداد السياسي المتمثل بفقدان حرية الرأي وغياب الديمقراطية في كل مفاصل الحياة، ابتداء من السلوكيات الفردية والمؤسساتية صعودا إلى قمة النظم السياسية، التي تحاصر الحريات الفردية اللازمة لتطوير شخصية الفرد وعطائه، وتحول الكيان الاجتماعي إلى كتلة هامدة عديمة التمايز والفاعلية، تجيشها متى ما تشاء وتخرسها عند الحاجة وتساوي أفرادها هلاكا، حيث أن التمايز الفعال بين الأفراد في القابليات والقدرات هو احد حقائق الوجود الإنساني وصيرورته.

ـ ويرتبط بالعوامل المذكورة أعلاه غياب ثقافة أهمية البحث العلمي والاكتشافات العلمية والرغبة في الإبداع والاختراع في الوعي والتفاعل الاجتماعيين، وبالتالي يغيب التفكير والتشجيع والدعم عن المسار البحثي والعلمي وعن العلماء والباحثين والمكتشفين في المجتمع، وترتبط جذور ذلك أصلا في غياب القيمة البحثية في مناهج التعليم بمراحله المختلفة والقائمة أصلا على الحفظ والتلقين والاستذكار التقليدي، وهذا النظام التعليمي التلقيني لا يحتاج إلى كفاءات عالية ولا إلى مستلزمات تقيم متطور لقياس مهارات الطلاب في الفهم والتفكير وحل المشكلات، إلى جانب كونه نظام يدفع إلى الكسل والاتكالية والخمول العقلي، ولا يستثير في الطالب فكرا أو تساؤلا بل يقتل فيه ملكة التفكير، وتنتفي في هكذا نظم تعليمية القدرة على صناعة الباحثين في الخطط التعليمية عبر التراكم المعرفي في مراحل التعليم المختلفة.

ـ ضئالة الموارد المالية المخصصة للبحث العلمي وللباحثين في الجامعات وفي الدول العربية بصورة عامة بسبب من غياب إستراتيجية واضحة في هذا المجال وتخلف النظرة إلى الإنفاق باعتباره إهدارا واستهلاكا للأموال غير مجدي، وليست استثمارا طويل الأمد يأتي أضعاف ما ينفق عليه، وقد أوردنا في بداية البحث ما يعكس الضعف في هذا المجال قياسا بالمعايير الدولية.

ـ الفساد الإداري والمالي وضعف معايير الكفاءة والأهلية المهنية والعلمية في انتفاء الكادر القيادي لمؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي، واللجوء إلى معايير الحزبية والمذهبية والطائفية والموالاة في انتقاء الكوادر الإدارية، وغالبا ما تكون هذه القيادات بعيدة كل البعد عن مفهوم الاستقلالية والنزاهة، بل هي أطراف أساسية في صراعات مصلحيه ضيقة مع غيرها، بل هي أطراف في الفساد بمختلف مظاهره، مما يحرم هذه المؤسسات من الاستقرار والنزاهة والحيادية التي هي شروط لازمة للارتقاء بالعلم والبحث العلمي. ويرتبط بذلك ويرافقه سياسات أبعاد الكوادر العلمية عن مواقعها العلمية والبحثية من خلال التهجير ألقسري والإحالة على التقاعد وانتهاء بالتصفيات الجسدية ومسلسل الاغتيالات للكوادر في مختلف التخصصات العلمية.

ـ الآثار الضارة للمركزية الإدارية الشديدة في التعليم وغياب إستراتيجية إدارية ـ علمية معاصرة، حيث ساهمت الإدارة المتخلفة وعلى مر عقود في غياب تصور علمي دقيق وشامل للعمل البحثي، انتفت فيه عمليات التناسق والتناغم والتخطيط لمكونات العملية البحثية ومقوماتها الأساسية ( الباحثين، التمويل، التطورات العلمية والتقنية، الأولويات البحثية بما يخدم احتياجات المجتمع وتطوره، المعامل والأجهزة والمعدات العلمية وغيرها )، وبين المراكز البحثية المختلفة، وبين البحث واحتياجات التنمية الاقتصادية والاجتماعية لمختلف البحوث.

ـ أن غياب إستراتيجية شاملة للبحث العلمي في كل بلد عربي تتضح آثاره جليا في ما يسمى بالفوضى البحثية، والتي تتضح أبرز معالمها في العمل البحثي الفردي لأغراض فردية وذاتية بحتة، سواء لأغراض الترقية العلمية فقط أو للحصول على المال في أمكنة النشر، وعدم وجود فرق بحثية تتكامل بين أفرادها، وهو سمة مهمة من سمات تطور وارتقاء البحوث في عالمنا المعاصر، وعدم التنسيق بين المراكز البحثية المنتشرة في البلد الواحد، وانفصال البحوث عن المشكلات الاجتماعية واحتياجات المجتمع، مما أدى بدوره إلى تكرار واجترار البحوث السابقة، فهي لا تخدم في معظمها قطاعات صناعية أو زراعية ولا تواكب حاجات المجتمع في ميادينه الناشئة الحديثة كتقنية المعلومات والتكنولوجيا المتطورة، وكان ذلك سببا في إنتاج كم هائل من المجلات والدوريات ذات الموضوعات المتكررة في البلد الواحد بل وفي القسم و الكلية والجامعة الواحدة في البلد المعني، واغلب هذه الدوريات غير معروف عالميا ولا يضيف قيمة علمية للبحوث العالمية !!!.

ـ عدم وضوح فكرة أن الجامعات هي جزء من آليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وبالتالي يجب أن تكون بحوثها على تماس مع مشكلات المجتمع بمختلف قطاعاته، وبسبب غياب الرؤى في هذا المجال نرى أن اغلب بحوث الماجستير والدكتوراه تستهدف تهيئة وتدريب الكادر على طرائق ومنهجية البحث العلمي، وهي بهذا بعيدة كل البعد عن المساهمة في البحث عن الحلول للمشكلات الاجتماعية المختلفة، وبسبب من ذلك تأتي اغلب الأبحاث سواء الأساسية منها أو التطبيقية تكرارا لسابقتها، إن لم يكن تكرارا مملا فهو تكرارا بحلية شكلية ترضي المشرف عليها، وقد تبدو لصاحبها أصيلة وهي بعيدة كل البعد عن الأصالة.

ـ لا يشكل البحث العلمي إلا قدرا هامشيا أو ضئيلا من عمل الأستاذ الجامعي فهو مغرق بالساعات التدريسية مما يشغل جل وقته في التهيئة للمحاضرات النظرية أو أعمال المختبر التقليدية، كما أن الكثير منهم تضعف علاقاته بالبحث العلمي بعد حصولهم على الدكتوراه أو بعد نيل درجة الأستاذية أو الأستاذ مساعد أو أستاذ مشارك، وينصب اهتمامهم في الإشراف على الأبحاث فقط أو أعمال روتينية إدارية كإدارة قسم أو كلية أو جامعة، رغم أن دور الأستاذ يجب أن يكون مستمرا في إنتاج أفضل البحوث المفيدة سواء للمجتمع أم للعملية التعليمية في أروقة الجامعات.

ـ ضعف البنية التحتية للأبحاث النظرية والتطبيقية من مختبرات وأجهزة ومكتبات علمية، فالمختبرات وأجهزتها وصيانتها ونقص المواد الأساسية لها بمختلف التخصصات ونقص الكادر الفني ذات الصلة بذلك هو سمة بارزة لأغلب ما تعانيه الجامعات العربية وتشكو منه، إلى جانب ضعف قاعدة المعلومات الحديثة، سواء من مطبوعات ودوريات علمية عالمية أو غياب المكتبات الرقمية أو الالكترونية وقواعد البيانات البحثية وغبرها من أدوات التعليم الالكتروني للتواصل مع العالم البحثي.

ولا نستغرب من كل هذا ولتلك الأسباب حصرا عدم تبوء الجامعات العربية لمكانتها العلمية بين الجامعات العالمية رغم الجهود المبذولة من قبل مختلف الجامعات العربية، فالطموح لتبوء مكانة لائقة في وسط الجامعات العالمية شيء ويبقى طموح مجرد، وفهم أسباب التخلف العلمي والقدرة على تجاوزه شيء آخر !!!!.

أن الحديث عن إصلاح أوضاع البحث العلمي والنهوض به يبقى حديثا لأغراض المتعة المعرفية والعقلية، ما لم يكون متزامنا وقائما على خلفية التحديث السياسي والإداري والاقتصادي والاجتماعي والفكري للمنظومة الرسمية السائدة، فلا يعقل أي باحث من أن إصلاح المنظومة التربوية والتعليمية وإصلاح الجامعات وما يرتبط بها من وظائف، كالتدريس والبحث العلمي وخدمة المجتمع المحلي، أو اصلاح المراكز البحثية المنتشرة خارج الجامعات، أن يتم هذا كله في وسط إدارة عامة بيروقراطية متخلفة فاسدة شديدة المركزية، وفي ظل نظام سياسي لا يؤمن بالحريات الديمقراطية وحرية البحث والتنقيب عن الحقيقة، أو في ظل مجتمع تسوده الأمية والفقر والجهل والتطرف، وبالتالي فأن النضال والجهود لإصلاح أوضاع العلم والبحث العلمي هي جهود مكثفة ومتزامنة مع جهود أخرى على أكثر من صعيد، وأن أفضل المقترحات في الإصلاح، وخاصة تلك التي تستجيب وتنسجم مع معايير الجودة العالمية في الإصلاح لا ترى النور وتبقى حبر على ورق أو أمنيات مستحيلة التحقيق في أذهان مصمميها ما لم تجري في إطار عملية اصلاح شامل للمنظومة الاجتماعية، ولعل ابرز المقترحات للنهوض بعملية البحث العلمي هي:

ـ ضرورة العمل على ربط الأبحاث العلمية بمشاكل المجتمع وقطاعاته المختلفة، الصناعية والزراعية والخدمية، الخاصة منها والحكومية، من خلال المسوح الشاملة لهذه المشكلات وضرورات الحاجة الملحة لحلها بما يخدم برامج التطوير والتنمية الشاملة، ويلعب التنسيق هنا بين مراكز الأبحاث في الجامعة وخارجها دورا مهما في هذا المجال للتركيز على الأبحاث النوعية ومنع تكرار البحوث ذات المشكلات المتشابهة، مما يجب الإهدار في الإنفاق والجهد ومضيعة الوقت.

ـ العمل الجدي على توعية قيادات القطاع الخاص بأهمية البحث العلمي وضرورته لحلول المشكلات المختلفة، مما يسهم برفع الكفاءة الإنتاجية لهذه القطاعات، ويؤدي أيضا بدوره إلى زيادة مساهمة هذا القطاع في تمويل عمليات البحث العلمي، وليست فقط الاعتماد على الحكومة كمصدر وحيد للتمويل، أسوة بما يحصل في بلاد العالم المتقدم.

ـ استحداث ميزانية خاصة للبحث العلمي سواء في إطار وزارات أو إدارات التعليم العالي والبحث العلمي أم خارجه، وتقرير نسب معقولة من الإنفاق المالي قياسا إلى الناتج الإجمالي، والى الموازنة العامة المخصصة لقضايا التربية والتعليم العالي، وهو ما معمول به في البلاد المتطورة.

ـ التطوير المستمر لبرامج تفرغ أعضاء هيئة التدريس وتخصيص ساعات معينة لإنتاج البحوث العلمية كجزء من النصاب التدريسي للأستاذ.

ـ التشديد والصرامة في نظام الترقيات العلمية للكادر التدريسي، من مدرس مساعد إلى مدرس ثم أستاذ مساعد إلى أستاذ واعتماد الإنتاج العلمي ودورهم البحثي وقدراتهم التدريسية الفعلية من ضمن المؤشرات الرئيسية لذلك، بعيدا عن العلاقات الشخصية والمحاباة والشللية، مما يسهم في إنتاج كادر يحترم نفسه ومهنته.

ـ إقامة شبكات وطنية للمعلومات تربط بين الجامعات ومعاهد البحوث وبعض المؤسسات المعنية الأخرى وأهمها التجارية والصناعية والإفادة من تجارب الجامعات الرصينة في العالم في مجال إنشاء الشبكات الفعلية والافتراضية للبحث والتطوير وشبكات بين الباحثين واستحداث برامج للدراسات العليا موجهة نحو الأبحاث التطبيقية الهادفة إلى خدمة أغراض التنمية الاقتصادية والاجتماعية والمعلوماتية.

ـ ضرورة تطوير النشر الالكتروني ونشره على نطاق واسع وتشجيعه لمزاياه المختلفة من سهولة ورخص وتوفره في كل مكان، وشيوعه على نطاق جغرافي واسع يتجاوز محدودية النشر الورقي، ثم ضرورة إنشاء موقع الكتروني لكل مركز بحثي، أو قسم من أقسام الكليات في الجامعات المختلفة، وتطويره وتحديثه بأخر المعلومات المتاحة.

ـ تشجيع إنشاء جمعيات علمية وطنية وفق المقاييس العالمية لترويج البحث العلمي والتعاون مع الجمعيات العلمية والأجنبية، ويرتبط بذلك ويعززه حث الأستاذ على الانتماء لعضوية الجمعيات العلمية ومراكز البحوث الأجنبية ونشر البحوث لدى دورياتها العلمية وتحفيز الأساتذة على المنافسة في البحث العلمي ونشر البحوث المميزة.

ـ الحاجة الملحة لتطوير البنية التحتية للبحث العلمي، وخاصة البحوث التطبيقية لتوفير أجهزتها الضرورية وطاقمها الفني اللازم للصيانة والدعم لإجراء الأبحاث، فالجهاز العتيق البالي يأتي بنتائج مشكوك فيها، وعدم توفر المواد الأساسية للأبحاث هو الآخر يعرقل انجاز المهمة البحثية.

ـ خضوع الأستاذ للتدريب المستمر عن طريق دورات تدريب القيادات والتعاون بين الجامعات وتحتسب شهادة الكفاءة لإغراض الترقية العلمية وتطوير أساليب البحث العلمي. ويساعد التدريب على الرقابة العلمية على الأستاذ وخاصة إدخاله المعرفة الجديدة في أبحاثه ويعينه على التقويم الذاتي لانجازاته.

ـ العمل الجدي والمسئول لتخطيط البعثات العلمية إلى الخارج، وتحويلها من امتياز شخصي إلى الدارس للنقاهة والاستجمام بسبب من انتمائه المذهبي والسياسي والقبلي، إلى رحلة علمية حقا للبحث والاستكشاف، وهنا يجب اختيار المشكلات التي يحتاج المجتمع فعلا حلولا لها، وليست البعثة لإغراض دراسة التاريخ الإسلامي والعربي في جامعات الدول الأوربية والعالمية( فشر البلية ما يضحك)، أنه مضيعة للوقت والجهد والمال، ولكي يعود الدارس بمزيد من المدخرات في العملة الصعبة.

تلك هي إشارات بسيطة لواقع البحث العلمي وسبل تطويره، وتبقى الحلول الجذرية ومدايات الأخذ بها والقناعة بتحويلها إلى خطوات إجرائية رهين بمدى انهيار المنظومة السياسية التقليدية القائمة على الخرافة والقمع والاجتهاد المؤذي، فأما العلم أو الجهالة إلى حين. لقد خضت في الكثير من التفاصيل في هذا الموضوع الحيوي في مناسبات علمية وبحثية مختلفة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

8