ملفات - عاشوراء

ثقافة القطيع.. جهل وخذلان

عاشوراء السنة الثالثة عشرة (18-19)

الكثرة لا تعني الحقيقة أبدًا، وأن انتشار خبر ما أو رأي أو موقف كالنار في الهشيم لا يعني أنه صحيح أبدًا، فالحق والباطل، والصح والخطأ، والنافع والضار، لا علاقة لها بالكثرة والقلة، وإنما بالجوهر والمحتوى الذي يقبله أو لا يقبله العقل والمنطق والتاريخ والحاضر والواقع. كذلك فإن تكرار الخبر...

- أوَ يُصلّي علي بن أبي طالب؟! فما الذي أخذه إلى محراب الصلاة ليُقتل فيه؟!

- لم يجد الحسن بن علي في نفسه القدرة على إدارة الدولة، فتنازل عن السلطة لمعاوية!

- الحسين بن علي قُتل بسيف جده!

هذه الطريقة من التضليل التي تعتمد مقولة: "اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس"، هي التي تُنتج ما يُطلق عليه "ثقافة القطيع"، فتنسى الأمة أو تتناسى الحقائق التي حدّثها بها رسول الله (ص) عندما قال:

- علي مع الحق والحق مع علي.

- الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا.

- الحسن والحسين ريحانتاي من الدنيا.

- الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.

ومن بين ما تعنيه "ثقافة القطيع" أن الأغلبية تقفو أثر أي كلام أو خطاب أو نبأ أو معلومة من دون تثبت أو تمحيص أو تعقل أو تدقيق، أو حتى من دون العودة إلى أهل الذكر للاستئناس برأيهم، والله تعالى يقول:

(وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا).

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ).

(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).

(وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا).

"ثقافة القطيع" تتجاهل كل هذا، فتلغي عقلها وإرادتها في التفكير الحر، لتودي بصاحبها إلى الهلاك!

وهي تحدد خيارات المرء بخيار واحد فقط، هو الذي يتحكم فيه الخطاب الشعبوي "خطاب التعبئة"، الذي يصب عادة في خدمة "المترفين" في القرية: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا).

والله تعالى، الذي خلق الخلق وفضّله على العالمين بالعقل والجوارح التي يميز بها بين الحق والباطل، والمعقول واللامعقول، من أجل أن لا يكون إمّعة يتبع بلا بصيرة، ويصدق بلا تثبت، ويقفو الأثر من دون معرفة.

يقول أمير المؤمنين (ع) يصف الإنسان الذي خلقه الله تعالى، وليس الإنسان الذي يرضى لنفسه أن يكون إمّعة: (ثُمَّ نَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ فَمَثُلَتْ إِنْسَانًا ذَا أَذْهَانٍ يُجِيلُهَا، وَفِكَرٍ يَتَصَرَّفُ بِهَا، وَجَوَارِحَ يَخْتَدِمُهَا، وَأَدَوَاتٍ يُقَلِّبُهَا، وَمَعْرِفَةٍ يَفْرُقُ بِهَا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ).

أما الذين قبلوا أن يكونوا جزءًا من "ثقافة القطيع" فمبناهم: (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ).

وفي كربلاء سعى الحسين السبط (ع) إلى أن يساعد العبيد الذين تجاهلوا كل الحقائق خوفًا أو تخاذلًا أو طمعًا، فحكمتهم "ثقافة القطيع"، وجاؤوا يتهافتون لقتله (ع)، سعى لتنبيههم وتذكيرهم وتوعيتهم، على الأقل من أجل أن لا يقولوا: نسينا أو غفلنا أو لم نكن ندري! وتلك هي (الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ۖ).

فذكّرهم بنفسه وبمنزلته عند رسول الله (ص)، وذكّرهم بالأمويين وتاريخهم المعادي للإسلام، وذكّرهم بالكتب التي بعثوها له (ع)، والتي خاطبوه فيها بقولهم: "أن أقدم، قد أينعت الثمار، واخضر الجناب، وإنما تقدم على جنود لك مجندة".

فلقد خطبهم (ع) قائلًا: (أيها الناس، اسمعوا قولي ولا تعجلوا، حتى أعظكم بما يحق لكم عليّ، وحتى أعذر إليكم، فإن أعطيتموني النصف كنتم بذلك سعداء، وإن لم تعطوني النصف من أنفسكم، فأجمعوا رأيكم، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة، ثم اقضوا إليّ ولا تُنظرون، إن وليي الله الذي نزّل الكتاب، وهو يتولى الصالحين.

أما بعد يا أهل الكوفة، انسبوني من أنا، ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، فانظروا هل يصلح لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟! ألست ابن بنت نبيكم، وابن وصيه، وابن عمه، وأول المؤمنين بالله، والمصدق لرسوله بما جاء من عند ربه؟! فإني الحسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله (ص). أوَ ليس جدي رسول الله، وأبي علي بن أبي طالب، وأمي فاطمة الزهراء؟! أوَ ليس حمزة سيد الشهداء عم أبي؟! أوَ ليس جعفر الطيار في الجنة بجناحين عمي؟! أوَ لم يبلغكم ما قال رسول الله لي ولأخي: هذان سيدا شباب أهل الجنة؟!

فإن صدقتموني بما أقول، وهو الحق، فوالله ما تعمدت الكذب منذ علمت أن الله يمقت عليه أهله، وإن كذبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري وأبا سعيد الخدري وسهل بن سعد الساعدي وزيد بن أرقم وأنس بن مالك، يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله لي ولأخي، أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟!

يا قوم، فإن كنتم في شك من ذلك، أفتشكون أني ابن بنت نبيكم؟ فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم.

ويحكم، أتطلبوني بقتيل منكم قتلته، أو مال استملكته، أو بقصاص من جراح؟!)

وواصل الحسين السبط (ع) خطابه لتحطيم "ثقافة القطيع" في نفوسهم، لتحرير عقولهم من عبوديتها، مضيفًا (ع): (ألا وإن هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلوا حرام الله، وحرّموا حلاله، وأنا أحق بهذا الأمر، أحق من غيّر).

لقد أسقط الإمام شرعية السلطة ومشروعية الحاكم عندما لا يلتزم بمعاييرها، ويخرج عن التزاماتها، ويفشل في تحقيق أهدافها.

وأضاف (ع): (تبًا لكم أيتها الجماعة وترحًا، أحين استصرختمونا والهين فأصرخناكم موجفين، سللتم علينا سيفًا لنا في أيمانكم، وحششتم علينا نارًا قدحناها على عدونا وعدوكم، فأصبحتم إلبًا لأعدائكم على أوليائكم، ويدًا عليهم لأعدائكم، بغير عدل أفشوه فيكم، ولا أمل أصبح لكم فيهم، إلا الحرام من الدنيا أنالوكم، وخسيس عيش طمعتم فيه، من غير حدث كان منا، ولا رأي تفيل لكم، فهلا لكم الويلات، إذ كرهتمونا تركتمونا، والسيف مشيم، والجأش طامن، والرأي لما يُستحصف، ولكن أسرعتم إليها كطيرة الدبا، وتهافتم عليها كتهافت الفراش، ثم نقضتموها، فسحقًا لكم يا عبيد الأمة، وشذاذ الأحزاب، ونبذة الكتاب، ومحرّفي الكلم، ونفثة الشيطان، وعصبة الآثام، ومطفئي السنن، وقتلة أولاد الأنبياء، ومبيدي عترة الأوصياء، وملحقي العهّار بالنسب، ومؤذي المؤمنين، وصراخ أئمة المستهزئين، الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ، لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ، أنتم ابن حرب وأشياعه تعضدون، وعنّا تخاذلون).

وأعاد الإمام إلى الأذهان، في هذا الجزء، حالات الانقلاب التي تخلق أرضيتها ثقافة القطيع!

وأضاف (ع): (أجل، والله، غدر فيكم قديم، وشجت عليه أصولكم، وتأزرت عليه فروعكم، وثبتت عليه قلوبكم، وغشيت صدوركم، فكنتم أخبث ثمر، شجى للناظر، وأُكلة للغاصب، ألا لعنة الله على الناكثين الذين ينقضون الأيمان بعد توكيدها، وقد جعلتم الله عليكم كفيلًا، فأنتم، والله، هم).

وكان (ع) قد برر حرمة مبايعة الطاغية يزيد من قبل، بقوله للذي لعنه رسول الله (ص) وهو في صلب أبيه، مروان بن الحكم: (فإنّا أهل بيت رسول الله، الحق فينا ينطق على ألسنتنا، وقد سمعت جدي رسول الله (ص) يقول: الخلافة محرمة على آل أبي سفيان، الطلقاء وأبناء الطلقاء، فإذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنه، فوالله لقد رآه أهل المدينة على منبر جدي، فلم يفعلوا ما أُمروا به، فابتلاهم الله بابنه يزيد، زاده الله في النار عذابًا).

ومن علامات المجتمع الذي تحكمه "ثقافة القطيع" أن واحدًا فقط يكفي أن ينبح بخبر كاذب، أو رأي، أو مقطع ملفق أو مفبرك، لينبح القطيع بعده. وفي اللغة العربية أن معنى "معاوية" هو أن كلبةً أنثى عوت فاستعوت، فسُميت "معاوية".

وإذا أردت أنت أن لا تكون جزءًا من ثقافة القطيع، فتنجو بنفسك من هذه الظاهرة الخطيرة التي أنتجت في مجتمعنا مرض النفاق والتردي الأخلاقي وازدواج الشخصية وانقلاب الحقائق واختلاط المفاهيم وضياع بوصلة الاتجاهات وحالة (عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)، يلزمك فهم ما يلي:

1- الكثرة لا تعني الحقيقة أبدًا، وأن انتشار خبر ما أو رأي أو موقف كالنار في الهشيم لا يعني أنه صحيح أبدًا، فالحق والباطل، والصح والخطأ، والنافع والضار، لا علاقة لها بالكثرة والقلة، وإنما بالجوهر والمحتوى الذي يقبله أو لا يقبله العقل والمنطق والتاريخ والحاضر والواقع.

كذلك فإن تكرار الخبر لصناعة رأي عام محكوم بثقافة القطيع لا يعني صحته أو دقته أبدًا!

2- لا عليك بالآخرين صدقوا أم لم يصدقوا، كانوا قطيعًا أم لم يكونوا، المهم أن تكون أنتَ أنتَ، أن تتصالح مع نفسك وترضي ضميرك، ولا عليك بالآخرين. فإذا اقتنعت بشيء ما، فلا تفكر بعرض قناعاتك على الآخرين، فقد يشككونك بها لتكون جزءًا من القطيع، فالأغلبية لا تريدك أن تشذ عنهم فتتميز فتفضحهم، وحجتهم لإقناعك: "أن الشاردة للذئب!".

3- لا تكتفِ بالنظر والاستماع، وإنما فكّر وتدبّر وتمعّن في كل شيء تسمعه أو تقرؤه أو تراه. وإذا لم يسعفك الوقت فاضربه عرض الحائط ما لم تتثبت، على الأقل احترم عقلك، فـ (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ)، فلا تملأ عقلك بمخلفات الآخرين كما لا تحب أن تملأ معدتك بالطعام الفاسد!

يصف أمير المؤمنين (ع) أنواع الخبر بقوله: (إِنَّ فِي أَيْدِي النَّاسِ حَقًّا وَبَاطِلًا، وَصِدْقًا وَكَذِبًا، وَنَاسِخًا وَمَنْسُوخًا، وَعَامًّا وَخَاصًّا، وَمُحْكَمًا وَمُتَشَابِهًا، وَحِفْظًا وَوَهْمًا)، وعليك أن تتخيل حجم المسؤولية التي تقع على عواتقنا لنغربل، فنطرح ونجمع ونرفض ونقبل!

يقول (ع): (اعْقِلُوا الْخَبَرَ إِذَا سَمِعْتُمُوه عَقْلَ رِعَايَةٍ، لَا عَقْلَ رِوَايَةٍ، فَإِنَّ رُوَاةَ الْعِلْمِ كَثِيرٌ، وَرُعَاتَهُ قَلِيلٌ).

4- لا تحدث بكل ما تقرؤه، ولا تروّج لكل ما تراه، ولا تنشر كل ما تسمعه، فقد يكون ضارًا أو ليس في محله، وأمير المؤمنين (ع) يقول: (لَا تَتَكَلَّمْ بِكُلِّ مَا تَعْلَمُ، فَكَفَى بِذَلِكَ جَهْلًا).

إن الثرثرة دليل جهل المرء، فالعاقل لا يدلي برأي، ولا ينقل خبرًا، ولا يتحدث بحديث إلا بالنافع وبالدليل والمنطق وبما يمكن أن يستوعبه العقل؛ ولذلك قيل: "حدث المرء بما لا يُعقل، فإن صدّقك فلا عقل له".

العاقل لا يفتح فاه إلا إذا كان واثقًا مما سيقوله أو يدلي به.

يصف أمير المؤمنين (ع) أخًا له بالقول: (وكان أكثر دهره صامتًا، فإن قال بذّ القائلين، ونقع غليل السائلين).

اضف تعليق