ملفات - شهر رمضان

رفض النصيحة والغرور الاعمى

أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ السَّنةُ الثَّالِثَةُ عشَرَة (٤)

الحريصُ على استقامتهِ يزدادُ انتباهاً لكُلِّ نصيحةٍ أَو تحذيرٍ، أَمَّا اللامبالي الذي لا يُعيرُ أَهميَّةً لمسيرتهِ فلا تنفعُ معهُ مليُونَ نصيحةٍ وتحذيرٍ والمرضُ هُنا هوَ مرضُ الشَّكِّ الذي يبني الحواجزَ الإِسمنتيَّةَ العِملاقةَ بينَ صاحبِ الشكِّ والنَّصيحةِ والتَّحذيرِ!. إِذا أَخذتَ بالنُّصحِ وأَعَرتَ التَّحذيرَ اهتِماماً فستُحسِنُ لنفسِكَ أَوَّلاً...

{فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَـٰكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ}.

 نواصِلُ هُنا الحديث عن طبيعةِ الذينَ لا يحِبُّونَ النُّصحَ ولا يأخذُونَ بالتَّحذيراتِ!.

 وقبلَ ذلكَ يلزمَنا توكيدُ مُلاحظتَينِ اثنَتَينِ؛

 * إِنَّ القَبول بالنُّصحِ والتحذيرِ أَو الرَّفضِ أَمرٌ يعُودُ إِليكَ أَنتَ، فأَنتَ الذي ستربح أُو تخسر بقرارِ القَبول والرَّفضِ {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ} وقولُهُ تعالى {مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا}.

 إِذا أَخذتَ بالنُّصحِ وأَعَرتَ التَّحذيرَ اهتِماماً فستُحسِنُ لنفسِكَ أَوَّلاً قبلَ أَن تُحسِنَ لنفسِكَ كما يقُولُ تعالى {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}.

 هذهِ القاعِدةُ الذَّهبيَّة تكفي دافِعاً ذاتيّاً لقبُولِ النُّصحِ والتَّحذيرِ وتركِ الأَنفَةِ والعَنادِ والتكبُّرِ جانباً، ولو أَنَّنا نتعاملُ معَ النُّصحِ بهذهِ الطريقةِ لما زعَلنا من ناصحٍ ولما تمرَّدنا على مَن يُحَذِّرنا.

 * جُلُّ النَّاسِ الذينَ يتعامَلونَ مع النَّصيحةِ والتَّحذيرِ بشكٍّ وريبةٍ هُم الذينَ يتصوَّرونَ أَنَّ النَّاصِحَ يهدِف إِلى إِشغالهِم عن أَهدافهِم أَو حرفِهِم عن طريقهِم الذي يسلكُوه {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ}.

 فالشكُّ عندهُم هوَ الحاكِمُ في طريقةِ تعامُلهِم مع النَّصيحةِ والتَّحذيرِ!.

 وإِذا كانُوا جماعةً يقودُها الشكُّ فإِنَّ الآيةَ الكريمةَ التَّاليةَ تشرحُ مَوفِفهُم بشكلٍ جميلٍ ورائعٍ.

 يقُولُ تعالى {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُوا ۚ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ}.

 وأَكثرُ من هذا، فالحريصُ على استقامتهِ يزدادُ انتباهاً لكُلِّ نصيحةٍ أَو تحذيرٍ، أَمَّا اللامبالي الذي لا يُعيرُ أَهميَّةً لمسيرتهِ فلا تنفعُ معهُ مليُونَ نصيحةٍ وتحذيرٍ!.

 يقُولُ تعالى {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ* وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ}.

 والمرضُ هُنا هوَ مرضُ الشَّكِّ الذي يبني الحواجزَ الإِسمنتيَّةَ العِملاقةَ بينَ صاحبِ الشكِّ والنَّصيحةِ والتَّحذيرِ!.

 نعودُ لصُلبِ الأَجوبةِ؛

 ٢/ الذي يعتمدُ على نفسهِ فيرفُض الإِصغاءَ إِلَّا إِلى صدى صَوتهِ ورأيهِ وذلكَ غرُوراً وتكبُّراً فيظنُّ بأَنَّهُ يفهمُ في كُلِّ شيءٍ فما الدَّاعي، إِذن، لأَن يُصغي لنصائحِ الآخرينَ وتحذيراتهِم؟!.

 على العكسِ من ذلكَ يقولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) في خُطبةٍ لهُ (ع) بعدَ لَيلة الهَرير {واقْبَلُوا النَّصِيحَةَ مِمَّنْ أَهْدَاهَا إِلَيْكُمْ واعْقِلُوهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ}.

 وقَالَ (ع) لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وقَدْ سَمِعَه يُرَاجِعُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ كَلَاماً؛ {دَعْهُ يَا عَمَّارُ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنَ الدِّينِ إِلَّا مَا قَارَبَهُ مِنَ الدُّنْيَا وعَلَى عَمْدٍ لَبَسَ عَلَى نَفْسِه لِيَجْعَلَ الشُّبُهَاتِ عَاذِراً لِسَقَطَاتِه}.

 وهوَ من أَخطرِ الأَمراضِ التي يُبتلى بها المرءُ فيحولُ بينهُ وبينَ الإِصغاءِ للنَّصيحةِ والأَخذِ بالحذَرِ! عندما يجتزِءُ المعرِفةَ ويُحيطُ نفسهُ بالشُّبُهاتِ للهربِ من المسؤُوليَّة!.

 والشُّبهةُ، كما يصِفُها أَميرُ المُؤمنينَ (ع) بقَولهِ {وإِنَّمَا سُمِّيَتِ الشُّبْهَةُ شُبْهَةً لأَنَّهَا تُشْبِهُ الْحَقَّ} ويُضيفُ يرسِمُ خارِطةَ الطَّريق للنَّجاةِ منها {فَأَمَّا أَوْلِيَاءُ اللَّه فَضِيَاؤُهُمْ فِيهَا الْيَقِينُ ودَلِيلُهُمْ سَمْتُ الْهُدَى، وأَمَّا أَعْدَاءُ اللَّه فَدُعَاؤُهُمْ فِيهَا الضَّلَالُ ودَلِيلُهُمُ الْعَمَى فَمَا يَنْجُو مِنَ الْمَوْتِ مَنْ خَافَهُ ولَا يُعْطَى الْبَقَاءَ مَنْ أَحَبَّهُ}.

هذهِ الشُّبهةُ هي التي تزرعُ الشكَّ في النَّفسِ فيحولُ بينَ صاحبِها وبينَ النَّصيحةَ أُو التَّحذيرِ!.

 ولا ننسى هنا ما للشَّيطانِ في دَورٍ في تزيينِ الشُّبهةِ والشَّكِّ في النَّفسِ.

 يقُولُ تعالى {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ۚ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.

 هذا النَّوع من النَّاسِ يرفضُ النَّصيحةَ مازالت لا تنسجِم معَ هواهُ ورغباتهُ وميُولهُ، ولا يُصغِ للتَّحذيرِ مازالَ يُعَرقِلُ خُططهُ التي يقُودهُ هواهُ، وتلكَ هي المُشكِلةُ!.

 يقُولُ تعالى {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ}.

اضف تعليق