هناك ارتفاع ملحوظ في الأجور والضرائب المفروضة على المواطنين. هذا الواقع يؤدي بشكل مباشر إلى زيادة الضغط الاقتصادي على الأفراد، لا سيما في ظل الثبات النسبي أو التغيير الطفيف في الدخل الذي لا يكفي لمجاراة الزيادة المستمرة في التضخم وارتفاع تكلفة المعيشة. تراجع قدرة المواطن على الوصول إلى السلع والخدمات...

ناقش مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات، في جلسة حوارية عقدت في ملتقى النبأ الاسبوعي موضوعا تحت عنوان «مشروعية نقل العبء المالي إلى المواطن»، بوصفه واحدًا من الموضوعات الحساسة التي تمس العلاقة بين الدولة والمواطن في العراق. وبحضور عدد من الأساتذة ومدراء المراكز البحثية والأكاديميين المختصين والمثقفين والإعلاميين.

وتناولت الورقة التي قدّمها الأستاذ الدكتور علاء إبراهيم الحسيني، اتجاهاً متزايداً لدى الدولة العراقية نحو تحميل المواطن أعباء مالية إضافية عبر الضرائب والرسوم والأجور والغرامات، في وقت يفترض فيه أن تكون الدولة ضامنة للحياة الكريمة والرعاية الصحية والحماية الاجتماعية والخدمات الأساسية. وتبرز أهمية هذا النقاش من كونه يكشف التناقض بين الالتزامات الدستورية التي تجعل الدولة مسؤولة عن حماية الفئات الهشة وتوفير الخدمات العامة، وبين السياسات المالية الواقعية التي تنقل جزءاً متزايداً من كلفة الأزمات وسوء الإدارة إلى كاهل المواطن. ومن هنا يطرح الموضوع إشكالية مركزية تتعلق بحدود مشروعية هذه السياسات، ومدى عدالتها، وقدرتها على تحقيق التوازن بين حاجة الدولة إلى تعزيز إيراداتها، وحق المواطن في ألا يتحول إلى الحلقة الأضعف في مواجهة العجز المالي والفساد وضعف الخدمات.

وجاء في الورقة:

من الواضح أن الدولة العراقية في الآونة الأخيرة، وعلى أقل تقدير تسعى بشكل ملحوظ لنقل العبء المالي إلى كاهل المواطن بطرق وأساليب شتى. بداية ماذا نقصد بالمفردات التي يتضمنها العنوان "مشروعية نقل العبء المالي".

العبء المالي ينشأ من الأعباء العامة، وهي تلك الأعباء التي يتحملها المواطن في كل دولة مقابل الاستفادة من الامتيازات والخدمات التي توفرها الدولة. على سبيل المثال، الدولة تضمن للمواطنين حقوقًا معينة مثل الجنسية، والتي تعتبر امتيازًا يمكّنهم من الحصول على وثائق رسمية تساعدهم في السفر أو العمل أو السكن. بالإضافة إلى ذلك، تقدم الدولة خدمات متنوعة مثل التعليم، الرعاية الصحية، وغيرها من الخدمات الحيوية.

هذه الخدمات العامة تأتي مع ضرورة مقابلتها بما يُعرف بالواجبات العامة أو الأعباء العامة التي يتحملها المواطنون. بمعنى آخر، هناك علاقة تبادلية بين الامتيازات والخدمات التي تقدمها الدولة، وبين الالتزامات التي تقع على عاتق الأفراد، مثل الضرائب أو الالتزام بالقوانين. ومن المفترض أن تكون هذه الالتزامات مُنظمة بمبدأ المساواة بين المواطنين.

على سبيل المثال، التجنيد الإلزامي، إذا تم تطبيقه في دولة معينة، يُعتبر عبئًا عامًا لأنه يعتمد على مساواة جميع المواطنين أمام هذا الالتزام. والأمر نفسه ينطبق على الضرائب وسائر المصاريف العامة الأخرى. ومع ذلك، فإن تحقيق العدالة في توزيع هذا العبء العام يتطلب نظرة أوسع وشمولية ترتبط بنظام تمويل الخدمات العامة وآليات توزيع التكاليف.

الخدمات العامة تتطلب تمويلًا كبيرًا لضمان استمراريتها وتقديمها بالكفاءة المطلوبة. فمثلاً، الخدمات الصحية والتعليمية تحتاج إلى مصادر مالية مستدامة. لكن طريقة تمويل هذه الخدمات تعتمد على فلسفة الدولة ونظامها الاقتصادي. فالدولة قد تكون رأسمالية، شيوعية، اجتماعية ذات توجهات تُراعي التوازن الاجتماعي، أو حتى تتبع مفهوم الاقتصاد الإسلامي، وقد تجمع أحيانًا بين هذه الاتجاهات المختلفة.

في الدول الغربية، نجد أن الضرائب تُعتبر المصدر الأساسي لتمويل موازنات الدولة، بما في ذلك الإنفاق على الخدمات العامة. وتُعد الضرائب من الأعباء المشتركة المفروضة على الجميع، ولكنها تخضع لمجموعة من القواعد والمبادئ الدستورية مثل مبدأ المساواة، التكافؤ، السنوية، والمصدر، وغيرها من المبادئ التي تنظم عملية فرض الضرائب وتوزيع أعبائها بشكل عادل.

بالنظر إلى الحالة العراقية في ظل دستور 2005، نلاحظ أن التعامل مع الأعباء العامة لا يبدو واضحًا أو محدد الهوية بشكل كامل. لم يتبنَ العراق نموذجًا رأسماليًا حرًا بشكل يسمح بتفسير فرض الضرائب بصورة تصاعدية أو استهداف أنشطة معينة بنوع من الضرائب دون أخرى. كذلك لم يعتمد سياسات تفرض رسومًا واضحة مقابل الخدمات التي تقدمها الدولة تماشيًا مع هذه الفلسفة. هذا الغموض يعكس عدم وجود رؤية اقتصادية متماسكة وشاملة تُحدد كيفية تمويل الخدمات بشكل عادل ومنهجي.

عند مراجعة المادتين 29 و30 من الدستور، نلاحظ التأكيد على الدور الأساسي للدولة في ضمان الحماية الاجتماعية والرعاية الصحية للمواطنين. ينص الدستور تحديدًا على ضرورة توفير هذه الضمانات لفئات معينة تشمل النساء، الأطفال، كبار السن، المشردين، والعاطلين عن العمل وغيرها من الفئات المجتمعية المحتاجة. هذا التوجه يعكس التزام الدولة بتحمل الأعباء المالية المتعلقة بتقديم هذه الخدمات، ففكرة الضمان تعني أن الدولة هي الطرف الضامن والمسؤول عن تأمين هذه الحقوق. أما إذا أُريد تحميل المواطن هذه الأعباء، لأخذ بمبدأ التأمين القائم على العلاقة التعاقدية التي يتعين فيها على المتعاقد تحمّل التكاليف بالكامل وفق شروط العقد.

وفيما يخص المادة 30 من الدستور، فهي تتحدث عن التزام الدولة بتوفير حياة حرة كريمة للمواطنين. كما تشير المادة 28 إلى أن الضرائب والرسوم لا تُفرض أو تُجمع إلا بقانون. وبعد ذلك، يُذكر إعفاء محدودي الدخل من الضرائب والرسوم بما يضمن لهم حياة كريمة.

لكنْ في الواقع الحالي، نجد تناقضًا بين هذا الالتزام الدستوري واتجاه الدولة نحو رفع الأجور وزيادة الضرائب والرسوم بشكل ملحوظ. يبدو أن السياسات الاقتصادية تركز على مصدرين رئيسيين للإيرادات: الأول هو العائدات النفطية التي تشكل حوالي 98% من دخل الدولة، والثاني هو الدخول الشخصية للأفراد، حيث يُلاحظ أن الموظفين غالبًا ما يتحملون الجزء الأكبر من هذه الأعباء عبر الضرائب التصاعدية وغيرها من الرسوم. حتى الضرائب المفروضة على الشركات، كضرائب شركات الاتصالات، تنتقل غالبًا إلى المستهلك النهائي عبر رفع الأسعار أو زيادة تكلفة الخدمات.

أما عن نظام "الإسكودا"، الذي أطلقته وزارة المالية في بداية عام 2023 وتم اعتماده بشكل أوسع في عام 2025 ليصبح قيد التطبيق الكامل في أوائل 2026، فإنه يُعتبر نظامًا اقتصاديًا جيدًا. هذا النظام الذي تبنته الأمم المتحدة أثبت فعاليته في تقليل التهرب الضريبي والحد من الفساد المالي والإداري. ومع ذلك، فإن آثاره السلبية تظهر بوضوح على المواطنين الذين يتحملون في نهاية المطاف التبعات من خلال زيادة تكاليف المعيشة وارتفاع أسعار السلع والخدمات.

إضافة إلى ذلك، فإن القانون المتعلق بالتعريفات الجمركية الصادر عام 2010 حدد نسبة تتراوح بين 5% و20% لبعض السلع، مع إمكانية تجاوز هذا الحد بموجب قرارات مجلس الوزراء، وهو ما حدث بالفعل مع بعض المنتجات. هذه السياسة أدت أيضاً إلى زيادة العبء المالي على المواطن نتيجة لارتفاع الأسعار.

في الآونة الأخيرة، أصبح من الملحوظ أن الحكومة العراقية تتجه إلى زيادة أسعار الخدمات العامة المقدمة للمواطنين، سواء بشكل مباشر أو من خلال مشاريع القوانين التي يتم تقديمها ومناقشتها. فقد تم طرح مشروع قانون في عام 2021، وتم التأكيد عليه لاحقًا في عام 2024، قبل قراءته بشكل أولي في يناير 2025. يهدف هذا القانون تحديدًا إلى تعزيز إيرادات الوزارات المركزية وغيرها من الجهات الرسمية، حيث يمنح الوزارات صلاحيات لفرض رسوم وأجور جديدة على الخدمات التي تقدّمها، بالإضافة إلى تعديل أسعار الضرائب.

هذا التوجه ليس جديدًا، بل هو امتداد لقوانين موازنات سابقة، مثل قانون الموازنة رقم 13 لعام 2021 والقانون رقم 23 لعام 2023. هذه القوانين خوّلت الوزارات والوزراء بزيادة رسوم الخدمات وفرض ضرائب إضافية على المواطنين. وقد استغلت العديد من الوزارات هذا التفويض بشكل فعّال، خاصة في ظل المادة 19 من قانون الموازنة الثلاثية الأخير، الذي انتهى تطبيقه حديثًا، والذي يتيح للوزراء فرض رسوم وأجور جديدة أو مراجعة الضرائب استنادًا إلى قانون ضريبة الدخل رقم 113 لعام 1981.

نتيجةً لهذه السياسات المتكررة والمستمرة، نجد أن هناك ارتفاعًا ملحوظًا في الأجور والضرائب المفروضة على المواطنين. هذا الواقع يؤدي بشكل مباشر إلى زيادة الضغط الاقتصادي على الأفراد، لا سيما في ظل الثبات النسبي أو التغيير الطفيف في الدخل الذي لا يكفي لمجاراة الزيادة المستمرة في التضخم وارتفاع تكلفة المعيشة. المحصلة النهائية لهذا الوضع هي تراجع قدرة المواطن العراقي على الوصول إلى السلع والخدمات الأساسية بجودة مقبولة، إن لم يكن تعذّر الحصول عليها في بعض الأحيان. وهذا يؤثر بشكل خاص على شرائح المجتمع الأكثر هشاشة مثل الأرامل، الأيتام، كبار السن، ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة.

لا شك أن فرض الضرائب والرسوم يشكّل أداة اقتصادية فعالة يمكن للحكومة من خلالها تعزيز الإيرادات العامة ودعم الموازنات والمشاريع الاستثمارية. كما يمكن أن تلعب دورًا في تقليل الضغوط التضخمية إذا استُخدمت بحكمة. لكن في الوقت نفسه، لهذا التوجه تأثيرات سلبية واضحة على الأفراد والمجتمع ككل، إذ إن العبء الاقتصادي الناجم عن هذه الضرائب والزيادات غالبًا ما يتجاوز القدرة الشرائية للفئات الأكثر تضررًا. هذا الانعكاس السلبي يؤدي إلى انخفاض حصة المواطنين من السلع والخدمات التي تعتبر جزءًا أساسيًا من الناتج المحلي والوضع الاقتصادي العام.

أمام كل تلك التحديات، بدأ الخبراء والمتخصصون في إثارة تساؤلات مشروعة حول جدوى استمرار هذه السياسات المالية وزيادة أعبائها على المواطنين. فإلى أي مدى يمكن لهذه السياسة أن تستمر؟ وهل الفوائد الاقتصادية المرجوة منها تفوق الأضرار الاجتماعية الناتجة عنها؟ يتساءل البعض أيضًا عن مدى التوازن المطلوب بين حاجة الدولة لتعزيز إيراداتها وسعيها لتخفيف الأعباء الاقتصادية عن المواطنين.

من الواضح أن المضي قدمًا بسياسات غير مدروسة قد يفضي إلى آثار سلبية على المواطن العراقي والأسر العراقية بشكل عام. التاريخ يحمل بين طياته تجارب مشابهة يجب الوقوف عندها لتجنب تكرار الأخطاء. على سبيل المثال، شهدت البلاد واقعة معروفة بجريمة القرن، حيث تم التلاعب بعوائد الأمانات الضريبية، مما أتاح لبعض الأفراد والجماعات السيطرة على ما يقارب 2.5 مليار دولار. هذا الاستغلال نشأ نتيجة ضعف التنظيم القانوني الذي يحكم كيفية جمع هذه الأموال، التعامل معها، وتقييدها كإيرادات نهائية لخزينة الدولة، أو تخصيصها لبعض الدوائر والمؤسسات التي تستفيد من إيرادات محددة تنتهي في صناديق خاصة.

مثل هذه الثغرات القانونية أفسحت المجال واسعًا لانتشار الفساد وتمكين الفاسدين من الوصول إلى الأموال العامة. الأمر ازداد سوءًا مع تطبيق قانون رقم 2 لسنة 2025، الذي أتاح عبر التعديل الثاني لقانون العفو العام، إطلاق سراح الفاسدين شرط إبرام تسويات تستند إلى قانون تحصيل الديون الحكومية رقم 56 لسنة 1977. هذا الإجراء لم يكن سوى حافزًا للمزيد من الفساد، حيث سمح لكبار الفاسدين بالإفلات من العقاب والعودة لاستنزاف موارد البلد.

المفارقة المؤلمة تتجلى في زيادة الرسوم والأجور مقابل تدني مستوى الخدمات العامة التي يفترض أن تشهد تحسنًا عند رفع هذه التكاليف. إلا أن الواقع يعكس معادلة عكسية في كثير من الوزارات، فكلما ارتفعت الرسوم، انخفضت جودة الخدمات. على سبيل المثال المؤسسات الصحية والبلدية التي يفرض بعضها رسومًا لا تتناسب مطلقًا مع جودة ونوعية الخدمات التي تقدمها للناس. هذا الخلل الواضح يؤكد الحاجة الماسة إلى مراجعات جذرية لهذه السياسات من أجل تحقيق عدالة أكبر وشفافية تضمن حقوق المواطنين وتحمي موارد الدولة.

توسعت محاولات استهداف الأموال والقدرة الاقتصادية للمواطن لتتجاوز مفهوم الضرائب والرسوم، لتمتد إلى آليات أخرى مثل الغرامات والمصادرات. هذه السياسة باتت إحدى الوسائل التي تعتمدها الدولة بشكل متزايد لتعزيز إيراداتها، حيث لا تكتفي فقط بمعاقبة المخالفات، بل تسعى أيضًا لتحميل المواطن عبءًا ماليًا إضافيًا كان من المفترض أن تتحمله الدولة.

من الأمثلة البارزة على ذلك: قانون المرور رقم 8 لسنة 2019، وبالتحديد المادتين 25 و26، اللتين تمنحان ضباط المرور صلاحيات تُقارب صلاحيات قضاة الجنح. يتيح هذا النص فرض غرامات قد تصل إلى 200 ألف دينار أو أكثر، بل يمكن أن تتضاعف بشكل كبير. وقد سمعنا عبر وسائل الإعلام عن حالات أشخاص بسطاء وصلت غراماتهم إلى ملايين الدنانير، وهي أرقام صادمة تنبع في كثير من الأحيان من عدم وضوح الآليات وظلم بعض الطرق التي تُحتسب بها المخالفات. في كربلاء تحديدًا، أُثير هذا الموضوع مؤخرًا بشكل لافت للانتباه.

أما المصادرات فهي الأخرى تُعدّ من الأدوات المتكررة، وخصوصًا في إطار قوانين مثل قانون الصحة العامة رقم 89 لسنة 1981 في مادته 96، وقانون إدارة البلديات رقم 165 وغيرها. تتيح هذه القوانين للدولة حجز ممتلكات الأفراد بموجب قرارات إدارية صادرة عن مدراء الدوائر، دون الحاجة إلى تدخل قضائي، مما يشكل مفارقة قانونية مثيرة للجدل تتناقض مع أسس العدالة.

أمام كل ما سبق، يبرز تساؤل جاد عن دور الدولة: هل تغيّرت وظيفتها الأساسية من جهة داعمة للمواطن، لتعكس صورة شريك له في موارده الاقتصادية، أو حتى جهة منافسة في السعي لاستحصال هذه الموارد بأي وسيلة ممكنة؟ يبدو أن الدولة تسعى جاهدة لنقل عبء تقديم الخدمات الأساسية المفترض أن يكون ضمن مسؤوليتها الدستورية إلى كاهل المواطن.

وفي هذا السياق، نشير إلى قانون الضمان الاجتماعي رقم 20 لسنة 2022، الذي كان يؤمل أن يمثل خطوة نحو تأمين حقوق الفئات الأقل دخلاً. وعلى الرغم من تطبيق بعض بنوده، فإنه لم يتم تفعيله بشكل كامل حتى الآن. كما أن تحول المستشفيات الحكومية إلى أنظمة محاسبية شبيهة بتلك التي تعتمدها المستشفيات الخاصة لم يكن سوى خطوة تعزز الأعباء المالية على الفئات الأكثر هشاشة وفقراً. ورغم تقارير وزارة التخطيط التي تشير إلى انخفاض نسبة الفقر في العراق من 17% إلى 12% في ظل الحكومة الحالية، إلا أن غياب الإحصاءات المستقلة يجعل من الصعب التأكد من دقة هذه الأرقام. فالإحصاءات الرسمية غالبًا ما تكون انعكاسًا لرؤية الحكومة وتوجهاتها أكثر من كونها تعبيرًا دقيقًا عن الواقع.

يُلاحظ أيضًا أن الحكومات العراقية المتعاقبة ترفع شعارات برّاقة عند توليها مسؤولية الحكم، تتحدث عن تخفيف الأعباء عن المواطن وتحقيق العدالة الاجتماعية. ولكن مع قرب انتهاء عمرها السياسي، نجد سياسات مغايرة تمامًا، تتمثل عادةً في زيادة الضرائب والرسوم والأجور. قبل الانتخابات تكون الوعود زاهية وجذابة، وبعد الانتخابات تظهر الوجه الحقيقي للحكومة وقراراتها غير المعلنة سابقًا، والتي غالبًا ما تكون على حساب المواطن واحتياجاته الأساسية.

كما نلاحظ أن البرلمان العراقي لم يلتفت للإشكاليات المتعلقة بفرض الرسوم والضرائب على المواطنين بشكل عادل. فقد مرّر جميع قوانين الموازنات التي تضمنت فقرات غير منصفة بحق المواطن، مثل المادة 19 التي تتيح للوزراء والمحافظين فرض رسوم أو زيادتها على الخدمات المقدمة للمواطنين. وعلى الرغم من أهمية وجود توازن بين نوع الخدمة المقدمة والرسم أو الأجر المفروض عليها، إلا أن الواقع يشير إلى قصور كبير في تحقيق هذا التوازن.

إذا ما نظرنا إلى الجانب القانوني لهذه الإشكالية، فإن علاقة المواطن مع المؤسسات العامة تأخذ صورتين: إما علاقة تنظيمية كما هو الحال مع الوزارات ذات الطابع السيادي مثل الداخلية والخارجية، والتي بموجب القانون يجب أن تكون مجانية لأنها تقدم خدمات تتعلق بحماية المواطن وتوثيق حقوقه الأساسية، أو علاقة تعاقدية مع مرافق اقتصادية أو صناعية تخضع لمبدأ المقابل المادي. في الحالة الأولى، فإن إدخال الضرائب أو الرسوم العالية للحصول على وثائق ثبوتية أو حقوق أساسية مثل السكن والسفر يمثل عبئًا على المواطنين.

أما فيما يتعلق بالعلاقة التعاقدية، فمن المفترض بموجب هذا النوع من العلاقة أن تُقدَّم الخدمات مقابل تكلفة معقولة. ولكن ينبغي التأكيد على عدم المغالاة في فرض الرسوم على السلع والخدمات، لا سيما الأساسية منها، حيث أن سياسة دعم المواد الأساسية تعدّ ركيزة في أي نظام اقتصادي يسعى للحفاظ على حياة كريمة للمواطنين. وتشير التجارب الدولية، حتى في الدول الرأسمالية، إلى ضرورة دعم هذه السلع حفاظًا على مستوى المعيشة.

العراق يقدم دعمًا لبعض السلع الأساسية مثل المشتقات النفطية والدقيق، وهو أمر لا يمكن إنكاره. ومع ذلك، فإن مستوى الدعم الحالي لا يكفي لتحقيق الحياة الكريمة للمواطن العراقي بالمقارنة مع دول أخرى ذات إمكانيات اقتصادية أقل من العراق. ورغم أن بعض تلك الدول تعاني من أزمات اقتصادية واجتماعية مختلفة، إلا أنها تتميز بتقديمها دعماً أكبر لمواطنيها لضمان استقرار حياتهم العامة.

بناءً على ذلك، يمكن القول إن الحكومة بذلت جهودا في هذا المضمار، لكنها تظل بحاجة إلى تعزيز وتوجيه أكثر دقة لخدمة احتياجات المواطنين بشكل أفضل. كما يجب العمل على تحسين الخدمات المقدمة بشكل يعكس العدالة بين التكاليف الفعلية ومستوى المعيشة المطلوب تحقيقه.

لمزيد من النقاش نطرح السؤالين الآتيين:

السؤال الأول/ لماذا يتم نقل الأعباء العامة إلى كاهل المواطن دائما وهل أضحى الأخير هو الحلقة الأضعف؟

السؤال الثاني/ كيف تقرأ المركز القانوني للمواطن في برامج الحكومات العراقية المتعاقبة وبرامج الأحزاب الحاكمة السياسية مقارنة بالحالة الواقعية؟

المداخلات

- الدكتور خالد العرداوي؛ مدير مركز الفرات للدراسات والتنمية الإستراتيجية:

إن الحكومات اليوم تختلف عن بعضها البعض بناءً على ثلاثة معايير رئيسية: الكفاءة، الأمانة، والرؤية الاستراتيجية. هذه المعايير أصبحت المقياس الحقيقي لنجاح أي حكومة، حتى أن وفرة الموارد الطبيعية لا تعد العامل الأهم إذا غابت هذه الأسس. يمكننا أن نرى أمثلة على دول ذات موارد محدودة، لكنها حققت تطورًا اقتصاديًا كبيرًا بفضل التزامها بهذه القيم، مثل سنغافورة. اليوم، المواطن السنغافوري يتمتع بمستوى دخل عالٍ جدًا مقارنة بدول أخرى.

في المقابل، إذا كانت الحكومة تفتقر إلى الكفاءة والأمانة، فإن أي خطط استراتيجية لإدارة الموارد العامة أو تعزيز التنمية تكون معرضة للفشل. أخذ العراق كمثال، نجد الكثير من الاستراتيجيات التي وُضعت بعد عام 2003 انتهى بها المطاف على الرفوف دون أن تطبق بفعالية. وعندما يغيب عنصر الكفاءة والأمانة، حتى البلدان ذات الموارد الوفيرة قد تجد نفسها غير قادرة على تحقيق تقدم ملموس. غالبًا ما تُدار الموارد بطرق لا تخدم المصلحة العامة، بل تذهب لخدمة النخب ذات النفوذ، مما يؤدي إلى غياب العدالة الاجتماعية وزيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء.

على مر التاريخ، عندما تواجه الحكومات أزمات اقتصادية أو عجزًا في موازناتها العامة، تلجأ في كثير من الأحيان إلى فرض المزيد من الضرائب والرسوم على المواطنين لسد العجز المالي. فهذا النهج يعكس الإدارة غير الحكيمة للموارد العامة في العراق، على سبيل المثال، أظهرت الحكومة صعوبة في إدارة الموارد المالية خلال الدورتين السابقتين وأصبح من الواضح أن رفع الضرائب على المواطنين كان نتيجة لذلك. ومع ذلك، تبقى الخزينة فقيرة وتستمر الديون بالتصاعد، مما يجعل المواطن دومًا هو الضحية.

بالنسبة للسؤال عن البرامج الحكومية والشعارات السياسية، فالجميع يرفع شعار "خدمة المواطن" باعتباره الهدف الأسمى. لكن الحكم لا يتم بناءً على الأهداف المكتوبة على الورق فحسب، بل وفق ما يتحقق فعليًا على أرض الواقع. الشرعية الحقيقية تأتي من الشعب الذي بات يدرك دوره الأساسي في تقويم أداء الحكومات وبرامجها واستراتيجياتها. ومع ذلك، وفي ظل الواقع الحالي، نجد أن الصراع السياسي غالبًا ما يتجه نحو تحقيق مصالح أخرى بعيدة عن خدمة المواطن. في النهاية، يبقى المواطن الحلقة الأضعف ويكون الأكثر تأثرًا بسياسات الحكومات الخاطئة وخياراتها غير المدروسة.

في ظل هذه الظروف، تظل الاستراتيجيات معرضة للفشل إذا لم تعتمد على أسس قوية من الكفاءة والأمانة ورؤية تهدف أولاً وأخيرًا إلى خدمة الشعب. ومن هنا تبرز أهمية محاسبة الحكومات وجعلها تتحمل مسؤوليتها تجاه مواطنيها، لضمان تحقيق العدالة الاجتماعية والنهوض بالمجتمع بشكل مستدام.

- الدكتور خالد الأسدي؛ باحث في مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث:

الحكومة تواجه أزمة حقيقية في وضع الأشخاص المناسبين في الأماكن المناسبة. هذه الإشكالية تنشط ضمن مساحة حرجة تتشابك فيها فلسفة الدولة الريعية مع مفاهيم الإصلاح الاقتصادي والواقع الطبقي. يبدو أن جذور المشكلة تعود إلى الأزمة الفلسفية التي يعاني منها العقد الاجتماعي في الدولة الريعية، حيث تعتمد هذه الدولة إما على تقديم الريع مقابل الولاء والصمت، أو تقديم الخدمات والوظائف مقابل التنازل عن المطالب الضريبية.

ثانياً، قد تكمن المشكلة أيضًا في مدى توافق القانون الدستوري مع العلاقة الجدلية بين النص والواقع. هذه الإشكالية تحديدًا يعاني منها العراق منذ عام 2003 وحتى الآن. فبينما ينص الدستور بشكل صريح على أن الدولة تضمن للمواطن حياة كريمة، إلا أن المواطن يجد نفسه مثقلاً بالمزيد من الأعباء التي تعكس غياب هذا الضمان عمليًا.

ثالثاً، التناقض الاقتصادي والإصلاح في بيئة مشلولة هو تحدٍّ قائم. فكل حكومة تأتي بهدف الإصلاح، لكن في ظل دولة شبه معطلة، يصبح ذلك أمراً شبه مستحيل. البيئة المشلولة لا يمكن إصلاحها إلا من خلال إعادة هيكلة شاملة لنظامها ومنظومتها.

أما على الصعيد الاجتماعي والأمني، فالتعمق في الفجوات الطبقية يؤدي إلى تفكك الروابط المجتمعية وتولد حالة من الاغتراب والمقاومة السلبية. عندما يشعر المواطن أن الدولة تؤدي دور الجابي بدل دور الراعي، يتكون لديه شعور قوي بالاغتراب الوطني.

لذلك، على العراق أن يبدأ بإعلاء سيادة القانون عبر محاكمة أول فاسد يعتدي على أموال الدولة، ثم العمل على تطهير النظام بشكل يضمن تحقيق العدالة. من المهم التوجه نحو تحويل الدولة الريعية إلى دولة استثمارية، مما يضعها على طريق الاستقرار الحقيقي والنمو المستدام. 

- الشيخ مرتضى معاش:

يبدو أن المشكلة الأساسية تكمن في مفهوم الدولة ذاته، حيث أن الدولة التي يُفترض أن تكون وسيلة لحماية الإنسان وتوفير الأمن، غالبًا ما تتحول لتصبح هي مصدر المشكلة التي تهدد أمانه وحياته وحتى معيشتَه. هذه المفارقة تُبرز الحاجة إلى دراسة مكثفة حول جذور فكرة الدولة، والكيفية التي يمكن بها أن تصبح سرطانًا مؤذيًا في المجتمعات.

يتجلّى هذا الواقع في أن الدولة تُشكّل أجهزة أمنية مثلًا لحماية أفرادها، لكن مع مرور الوقت تتحوّل هذه الأجهزة نفسها إلى أدوات لنهب المواطن وابتزازه. هذا الوضع يخلق حالة من اللاجدوى داخل تنظيم الدولة نفسها، مما يستدعي التفكير في حلول بديلة تتجاوز إطار الدولة التقليدي؛ لأن المشكلة باتت متأصّلة فيها.

أما عن التحليل الجذري لهذه الإشكالية، فهو يتمثّل في وجود طبقتين داخل المجتمع: الطبقة المرتبطة بالدولة التي تحصل على امتيازات خاصة ورواتب ودعم لتمكين الدولة وتعزيز مركزها، والطبقة الأخرى التي تضم غالبية الناس الذين يعيشون على هامش الحياة. هذه المعادلة تجعل الدولة تسير نحو تضخم مستمر، إذ تسعى للحصول على الشرعية من خلال زيادة أعداد المستفيدين الذين تعتمد عليهم لدعمها، بينما تزداد ضغوطها المالية على الجميع.

تكشف النظرة التاريخية عمق هذه المشكلة، حيث كانت المجتمعات تقوم على طبقتين أساسيتين: طبقة الحكام والأغنياء الأرستقراطيين، وطبقة العبيد. وعلى الرغم من تغير التسميات والآليات، إلا أن هذه العبودية بأشكالها المختلفة ما زالت مستمرة حتى اليوم.

لذلك، هناك حاجة ملحّة لتغيير جذري في طريقة التفكير حول تشكيل الدولة. لا يجب أن تقوم الدولة على أساس سياسي فقط، بل يجب أن يكون الأساس أخلاقيًا. فالسياسة، بوصفها مبنية على المصالح المتغيّرة، تُفضي عادةً إلى فساد وقمع للحريات وزيادة مستمرة في الأعباء المالية. بينما الأخلاق، القائمة على القيم الثابتة، تُشكّل قاعدة أكثر استدامة لبناء دولة صحيحة.

على هذا الأساس، ينبغي أن تتّبع الدولة نهجًا أخلاقيًا ثابتًا، بعيدًا عن الواقعية المفرطة أو البراغماتية والمصالح المؤقتة والتحالفات العابرة. فعندما تُبنى دولة على قيم أخلاقية راسخة، تصبح أكثر قدرة على تحقيق العدالة والاستقرار.

- حامد الجبوري؛ باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية:

هناك تجربتان بارزتان يمكن تسليط الضوء عليهما: تجربة فنزويلا وتجربة النرويج. فنزويلا، على الرغم من امتلاكها لأكبر احتياطي نفطي في العالم، تعاني من وضع مأساوي وتُعتبر من بين أسوأ الدول عالميًا من حيث الأداء الاقتصادي والاجتماعي. وعلى النقيض، نجد النرويج التي تمتلك احتياطيات نفطية أقل مقارنة بفنزويلا، لكنها تتصدر بشكل مستمر مختلف المؤشرات الدولية في مجالات التنمية والرفاهية. هذا التباين الكبير بين الدولتين يعكس مفارقة لافتة: دولة تملك موارداً نفطية هائلة، لكنها تعاني من أوضاع متدهورة، مقابل دولة أقل ثراءً بالموارد ولكنها تحقق مستويات متقدمة في التطور.

يمكن تفسير جزء من أسباب تفوق النرويج بمفهوم "المؤسساتية"، وهو الإطار الذي ينظم استغلال وإدارة الموارد بطريقة تحقق المنفعة العامة. المؤسساتية في النرويج تمثل عاملاً حاسمًا لضبط استخدام الموارد وضمان توجيهها نحو مصلحة المجتمع. في المقابل، تعاني فنزويلا من غياب مؤسسات قوية وفعالة، مما أدى إلى فشل كبير في توجيه الموارد لصالح الشعب.

من وجهة نظري، المؤسساتية تُعد عنصراً أساسياً قادراً على ضبط استخدام الموارد وتوجيهها بكفاءة. لكن جدير بالذكر أن المؤسسات الفعّالة لا تنشأ من فراغ؛ فهي تعتمد على خلفيات اجتماعية واقتصادية وثقافة مجتمع تدعم بناء مؤسسات قوية تعزز من أهداف الدولة تجاه مواطنيها.

في العراق، نواجه تحديات مشابهة، حيث يُلاحظ نقص واضح في المؤسساتية. هذا النقص ينعكس في التناقض بين الارتفاع المستمر لموازنات الدولة وبين التدهور الواضح في مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.

أما النقطة الأخرى التي يجب تناولها فهي تتعلق بالنظام الاقتصادي نفسه. فعلى الرغم من أن الدستور يشير إلى ضرورة تبني اقتصاد السوق، إلا أن الواقع يعكس ضعف قدرة الدولة على التحكم الفعّال في الاقتصاد. إضافة إلى ذلك، هناك عامل إداري يفاقم هذه المشكلة، وهو انتشار الفساد. الفساد يشبه ثقبًا أسود يستهلك الموارد بشكل مستمر؛ وكلما اتسعت رقعته، زادت الحاجة إلى موارد إضافية لتغذية هذا النظام المختل.

الحل هنا يكمن في تقليل دور الدولة، لأن تضخم دورها يوفر بيئة خصبة لنمو الفساد. تقلص دور الدولة يمكن أن يحد بشكل كبير من الاعتماد الزائد على الموارد، مما يؤدي بدوره إلى تقليل فرص الفساد وخلق إدارة أكثر كفاءة لموارد الدولة. لذلك، نحن بحاجة إلى إعادة التفكير في النهج الاقتصادي الحالي للدولة وصياغة رؤية سليمة ومستدامة تعزز الأداء المؤسسي وتخفض الفساد، مما سينعكس إيجابيًا على رفاهية الشعب وإدارة شؤون الدولة بشكل عام.

- علي حسين عبيد؛ كاتب في شبكة النبأ المعلوماتية:

جذور المشكلة في هذا الموضوع ترتكز على جانبين رئيسيين: الأول هو سوء إدارة المال العام، والثاني هو إساءة استخدامه.

فيما يتعلق بالنقطة الأولى، يبدو أن كلما ارتفعت إيراداتنا وزادت المخصصات المالية بما نسميه "الميزانيات الانفجارية"، نجد أنفسنا للأسف نتجه نحو المزيد من الفقر بدلًا من تحقيق الرفاهية أو تحسين الأوضاع الاقتصادية.

- حيدر الأجودي؛ باحث في مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية:

المواطن العراقي بطبيعته لا يمانع المشاركة في تحمل الأعباء العامة للدولة، لكنه يتساءل باستمرار: لماذا أكون دائمًا أول من يدفع وآخر من يستفيد؟ هذا السؤال الجوهري يعكس التحدي القائم بين المواطن والدولة. غالبًا ما تجد الدولة نفسها تلجأ إلى المواطن لأنه الحلقة الأسهل من حيث فرض الضرائب وزيادة الأسعار والرسوم والغرامات، بدلاً من التركيز على الإصلاحات الحقيقية التي تشمل ضبط المنافذ الحدودية، تقليل الإنفاق العام الحكومي، وترشيد نفقات الوزارات. الإصلاح الحقيقي يكمن في معالجة هذه الجوانب بشكل جذري.

في أوقات الاستقرار، تنادي الدولة بشراكة المواطن في بناء الوطن وتقدمه، ولكن في الأزمات يبدو وكأن هذه الشراكة تقتصر على تحمل الأعباء المالية فقط. مع ذلك، الدستور العراقي ينص بوضوح على أن المواطن هو مصدر السلطات ويضمن له حقوقًا أساسية كالحياة الكريمة والتعليم والرعاية الصحية. المشكلة الحقيقية لا تكمن في ضعف المواطن، وإنما في ضعف المؤسسات التي فشلت في محاسبة المسؤولين عن سوء الإدارة ومكافحة الفساد وضبط الإنفاق العام. كل هذا يجعل المواطن الهدف الأسهل لتحمل التكاليف وليس الأضعف.

على صعيد آخر، دائمًا ما تكون وعود الدولة حاضرة في الخطابات الحكومية، حيث تعد المواطنين بتوفير فرص العمل والحياة الكريمة وتحسين التعليم والرعاية الصحية. ولكن حتى الآن، تبدو هذه مجرد شعارات بعيدة عن التطبيق العملي. نحن اليوم مع بداية عهد حكومي جديد وننتظر النتائج الفعلية، آملين أن تتحول هذه الحكومة إلى نموذج للعمل الجاد والتنفيذ الفعلي للوعود، بدلًا من أن تكتفي بالشعارات دون التطبيق الجاد.

- باسم الزيدي؛ باحث في مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث:

المواطن العراقي، كما يُستدل من العنوان، يجد نفسه دائمًا الضحية في المعادلة السياسية والاقتصادية. هذه المرة أيضًا، هو ضحية بين "الشرعية" و"المشروعية". في بداية الأمر، تتعامل الدولة مع المواطن باعتباره شريكًا سياسيًا يتمتع بمركز قانوني فقط عندما يتعلق الأمر بالانتخابات، حيث تسعى لكسب الشرعية من خلاله. ولكن فور حصول الدولة على الشرعية الشعبية، تتحول العلاقة سريعًا إلى المشروعية القسرية، إذ يتوقف التعامل مع المواطن كشريك اقتصادي يُساهم في صياغة السياسات المالية العامة، ويصبح مجرد ممول غير مباشر لنفقات السلطة وأدواتها.

الأزمة الأخرى تكمن في طبيعة الدولة الريعية في العراق، حيث تعتمد بشكل أساسي على النفط كمصدر رئيسي للتمويل. ومع الطبيعية المتقلبة لأسعار النفط، تلجأ السلطات إلى سد الفجوة المالية الناتجة عن انخفاض الأسعار عبر فرض الضرائب على المواطنين بدلًا من البحث عن حلول مالية مستدامة. وهنا يبرز الخلل في العقد الاجتماعي المالي بين المواطن والدولة، حيث تُفرض الضرائب والرسوم على المواطن مقابل خدمات عامة من المفترض أن تكون ذات جودة عالية. لكن ما يحدث هو أن المواطن يدفع هذه الضرائب دون الحصول على خدمات كافية أو مناسبة، ما يدفعه للبحث عن بدائل في القطاع الخاص لخدمات أساسية مثل الكهرباء، الرعاية الصحية، والتعليم.

أما فيما يتعلق بالضرائب المفروضة على المواطنين، فإن المشكلة تكمن في عدم وجود عدالة في توزيعها بين أصحاب الدخول المرتفعة والمنخفضة، إذ تُفرض الضرائب بشكل متساوٍ على الجميع بغض النظر عن قدراتهم المالية. وهذا الأمر يضعف القدرة الشرائية للفئات ذات الدخل المحدود، التي تتحمل العبء الأكبر مقارنةً بالفئات الأكثر رفاهية.

جانب آخر يفاقم معاناة المواطن هو ارتباطه بهيكلية الفساد العميقة والمتجذرة في القطاع العام. هذا القطاع يُعد الأكثر هدرًا للمال العام من الناحية الاقتصادية، لكن بدلاً من معالجة هذه الهيكلية الفاسدة بأساليب اقتصادية متينة، يتحمل المواطن النتيجة النهائية عبر أعباء الضرائب لتعويض الخسائر الناجمة عن هذا الهدر.

في المحصلة، استمرار هذا النهج والتراكم الممنهج للمشاكل الاقتصادية والسياسية، إلى جانب غياب إصلاحات جوهرية تعالج جذور الخلل، يؤدي في النهاية إلى تفاقم أزمات المواطن وتحميله أعباءً تفوق طاقته، مما يجعله دائمًا الضحية الأولى والأخيرة.

- حسين علي حسين عبيد؛ باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية:

أولا: أصبح المواطن حقًا الحلقة الأضعف في هذه المعادلة نتيجة لمجموعة أسباب متراكمة. السبب الأول يعود إلى الطبيعة الريعية للاقتصاد، حيث تعتمد أغلب الإيرادات على النفط. في حال حدوث اضطراب في أسعار النفط وانخفاضها، تلجأ الحكومة إلى تغطية عجز الموازنة من خلال المواطن، ما يزيد من العبء عليه.

السبب الثاني يتمثل في التضخم التشغيلي وضعف الإنتاج. الجزء الأكبر من الموازنة يتم تخصيصه للرواتب والتشغيل والدعم السياسي والإداري، بينما لا يتم إعطاء القطاعات الإنتاجية، الزراعية والصناعية أهمية كافية في الموازنة. وهذا يُخرج الأمور عن توازنها، وعندما يحدث عجز مالي، يكون حله على حساب المواطن.

أما السبب الثالث فإنه يرتبط بضعف الإدارة المالية وغياب التخطيط طويل الأجل. معظم المشاكل في العراق تُعالج بحلول مؤقتة بدلاً من إيجاد حلول جذرية ومستدامة. إذا استمر هذا النهج، فلن يكون هناك تغيير ملموس قادر على تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بشكل دائم.

السبب الأخير هو سهولة فرض الرسوم مقارنة بمحاسبة الفاسدين. في الواقع، آلية القضاء العراقي تواجه تحديات كبيرة تجعل من فرض الرسوم على المواطن الخيار الأسهل بالمقارنة مع اتخاذ الإجراءات اللازمة ضد الفساد.

وثانيا، توجد تحديات عديدة يتحملها المواطن على عاتقه نتيجة سياسات الدولة. أحد هذه النقاط هو أن المواطن يُصوَّر في الخطاب السياسي كمحور اهتمام، لكن على أرض الواقع يصبح مجرد أداة تمويل للدولة. الأحزاب السياسية تتحدث عن المواطن كشريك في بناء الدولة، ولكن الحقيقة هي أن الدولة تُبنى من خلال استغلال المواطن وليس بمشاركته الفعلية.

المشكلة الثانية هي ضعف مفهوم دولة الرعاية الاجتماعية؛ فبدلاً من أن تكون الدولة دولة مؤسسات وتعمل لخدمة مواطنيها، أصبحت تركز على جمع الأموال بواسطة المواطن.

النقطة الأخرى تتجلى في غياب العدالة في توزيع الأعباء؛ فالضرائب تُفرض بنسبة واحدة على الجميع، لكن ليس كل مواطن قادرًا على تحملها بنفس الدرجة. أصحاب الدخول المحدودة يعانون أكثر مقارنةً بمن يمتلكون دخولًا مرتفعة.

على الصعيد الأهم، المشكلة الأكبر تكمن في أن الحكومة رسخت مفهومًا خاطئًا عند المواطن، حيث تحول من صاحب حق إلى طالب خدمة. أصبح العراقي يعتقد أن أي خدمة بسيطة تقدمها الدولة تعتبر امتيازًا له، في حين أنها في الأساس جزءٌ من حقوقه كمواطن. هذا الخلل في التوعية والفهم يؤثر بشكل كبير على النظرة العامة للعلاقة بين الحكومة والمواطنين ويعيق تحقيق تطور فعلي مبني على العدالة والحق.

- محمد علي جواد تقي؛ كاتب في شبكة النبأ المعلوماتية:

ما أراه بوضوح هو غياب فهم صحيح للاقتصاد لدى الحكومة أو النظام السياسي، وحتى هذا يشمل غياب فهم دقيق للسياسات العامة. نعم، لدينا خبراء اقتصاديين، ولكن القرارات ليست في أيديهم، وهذا الفهم الخاطئ هو ما أدى إلى اختزال العلاقة بين المواطن والحكومة في قضايا مثل الضرائب والرسوم فقط.

من المعروف أن العديد من دول العالم تطبق نظام الرسوم مقابل الخدمات، حتى في الدول النامية. لكن في العراق، هذا المفهوم غير موجود بشكل حقيقي. السبب يكمن في غياب النظرة الاقتصادية السليمة. فالنظرية الاقتصادية تعتمد على ثلاث ركائز رئيسية: رأس المال، والإنتاج، والاستهلاك. بدلاً من أن تكون الدولة جهة إنتاج وتعزز إنتاجية الشعب ليصبح عنصرًا فعّالًا في التنمية والتقدم التكنولوجي، نجد الدولة تعتمد على شراء الولاءات وتوفير الوظائف الوهمية.

في هذا السياق، الحكومة تراقب المجتمع لكنها تفشل في إدارة الأموال بشكل عقلاني، حيث يتم إنفاق الموارد المالية بشكل غير محدود وغير مدروس، مما يفاقم الوضع الاقتصادي بدلاً من معالجته.

- احمد جويد؛ مدير مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات:

قضية الضرائب كانت دائمًا محل جدل في الحكومات المتعاقبة بعد عام 2003. عندما تقرر الحكومة فرض الضرائب، فهي تفعل ذلك على مضض وليس بدافع الاهتمام بالمواطن، بل كجزء من لعبة انتخابية. على سبيل المثال، في حكومة إياد علاوي الأولى، رأينا كيف أقدمت على إعطاء "عيدية" قدرها 100 ألف دينار في أحد الأعياد، وهو ما أكسب الحكومة شعبية وشكّل دعمًا كبيرًا لها في الانتخابات التالية، مما جعل علاوي منافسًا قويًا. نفس السياسة اتبعها نوري المالكي لاحقًا عبر تحسين سلم الرواتب وزيادة مخصصات الدولة.

ذلك كان ممكنًا في ظل عدد موظفين محدود وميزانيات ضخمة كانت تُوصف حينها بـ"الانفجارية". هذه السياسات اعتمدت بشكل أساسي على إرضاء الشعب من خلال تقديم الأموال دون فرض أعباء كبيرة مثل الضرائب. لكن مع الحكومة الأخيرة، اضطرت إلى اتخاذ مسار مختلف بسبب الأوضاع المالية الصعبة والموارد المحدودة، مما دفعها إلى رفع الضرائب حتى على الموظفين لسد جزء من العجز المالي الذي تفاقم نتيجة التوظيف العشوائي وسوء إدارة الموارد.

في السياق نفسه، إذا كانت هناك جهود حقيقية للحد من الفساد وتشجيع القطاع الخاص وتطويره بشكل مستمر، لكانت هناك خيارات أكثر حكمة لفرض الضرائب. يمكن للدولة أن تختار فرضها على الشركات الكبرى مثل شركات الاتصالات التي تدين للدولة بمبالغ ضخمة من الأموال، بدلاً من استهداف الفئات ذات الدخل المحدود.

الجميع يشعر بأن الضرائب زادت مؤخرًا في كافة القطاعات. هذا قد لا يؤثر على الأثرياء كثيرًا، لكنه أرهق فعليًا أصحاب الدخل المحدود الذين يعانون من ضعف الخدمات الحكومية بالرغم من أنهم يدفعون ضرائب مقابلها. أضف إلى ذلك سوء الخدمات العامة في العديد من المجالات، ما يجعل هذا العبء أكثر قسوة.

لحل هذه الأزمة المزمنة، يجب أن يتم التركيز على تنويع مصادر دخل الدولة بعيدًا عن الاعتماد المفرط على النفط. يمكن تحقيق ذلك عبر تشجيع الاستثمار في القطاع الخاص والصناعات المختلفة وتنمية موارد البلاد الهائلة بفعالية. ولو تم إحكام السيطرة على قضايا الفساد وضبط المنافذ الحدودية والموانئ وغيرها من القطاعات الحساسة، لما اضطرت الحكومة أصلاً إلى فرض مزيد من الضرائب أو الرسوم.

- عدنان الصالحي؛ مدير مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية:

منذ عام 2003 وحتى الآن، تبرز إحدى أهم المشكلات التي تواجه الحكومات المتعاقبة في العراق وهي غياب استراتيجية واضحة لبناء الدولة. كل حكومة جديدة تأتي لتتهم سابقتها بهدر الأموال والتقصير في أداء الواجبات، مما يجعلها تبدأ من الصفر بدلاً من البناء على ما تحقق في المرحلة السابقة. هذا النهج أدى إلى دخول البلاد في دوامة لا تنتهي من التخبط وغياب التخطيط المستدام. يبدو أن التركيز ينصب بشكل أكبر على بناء السلطة الشخصية والحزبية بدلاً من التركيز على بناء مؤسسات الدولة.

من وجهة نظري، هناك من يرى أن قوة الدولة وتطوير قدراتها يشكلان تهديداً لمصالحه، مما يزيد المشكلة تعقيداً. والسؤال الأهم هنا: كيف يمكننا بناء دولة حقيقية؟ هذا تحدٍ يجب أن يكون مسؤولية الأغلبية، لأن مستقبل البلاد يعتمد عليه.

الضغوط الخارجية التي تتعرض لها الحكومات والانقسامات الداخلية أدت إلى تشكيل حكومات متسرعة وغير متجانسة، تضم شخصيات لا تلبي تطلعات العامة. المسؤولية الإدارية وفق الدستور تقع على رئيس الوزراء الذي يُشرف على مجلس الوزراء ليضمن سير الأمور، حيث يُفترض أن تعتمد القرارات على التصويت المشترك وخطط مدروسة تشمل الجوانب الاقتصادية، السياسية والعسكرية. لكن حتى الآن، يبدو أن غياب التنسيق وانعدام التخطيط الإستراتيجي أضعفا هذه العملية.

البلد ما زال يفتقر إلى وجود "حكومة ظل" أو جهات رقابية فعالة تكون قادرة على محاسبة الأداء الحكومي ومتابعة تنفيذ التزاماتها. منظمات المجتمع المدني والأحزاب المعارضة لم تنجح بعد في ممارسة هذا الدور بشكل ملموس، بينما الجهات التي انسحبت من العملية السياسية لم تشكل تكتلاً قوياً يرصد ويقاوم السياسات الحكومية السلبية.

المعارضة هنا ليست بالضرورة ساعية إلى إسقاط الدولة، بل يجب أن تكون داعمة لبنائها والمساهمة في تحسين أدائها من خلال الرقابة. وجود جهات مراقبة مستدامة من منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية ومراكز الأبحاث يمكن أن يخلق ضغطاً إيجابياً على الحكومات لتعزيز أدائها وتنفيذ برامجها بجدية. إذا استمرت الأمور على حالها، دون أي رقابة مؤثرة، ستظل العملية التخطيطية والاستراتيجية للدولة تعاني من الضعف، وبرأيي سيؤدي التآكل الداخلي والتراجع المستمر مع مرور الوقت إلى حدوث انهيار.

- صادق الطائي، باحث وكاتب:

هناك حكومات جاهلة أو غير مؤهلة فكرياً، قادت بعض الدول، من خلال قراراتها، إلى ضياع وفناء وفشل.

مثلاً: المواطن الفقير، ليس من العدالة أن يدفع زيادات أسعار البترول والغاز التي تساهم في صنع الكهرباء للخدمات، في الوقت الذي تساهم دول أخرى في ارتفاع الأسعار وتعذيب الفقراء.

المطلوب أن تعطي الحكومة من الاحتياطي الخاص لحل المشكلة، لا أن تترك كمعاناة تؤثر في تعميق الفقر.

هناك فكرة جيدة أن يعملوا بها، وهي أن يكون هناك صندوق احتياط لمثل هذه المشاكل: فيضانات، موجات من الأمراض والأوبئة، زلازل، وغيرها؛ تقوم الدولة من خلاله بإصلاح الأمور دون فرض رسوم وأتاوات على الشعب.

البعض يقول إن هذا موجود ومعلن، ولكن أخذ رسوم من الناس يعتبر سرقة واضحة وهروباً من المواجهة الحقيقية للأحداث. وكما قيل: إنها حكومات جاهلة.

الاستنتاجات والتوصيات

 1. الاستنتاج: تحوّل المواطن إلى الحلقة الأسهل في معالجة العجز المالي. فالدولة العراقية تتجه بصورة متكررة إلى تحميل المواطن أعباء العجز المالي عبر الضرائب والرسوم والأجور والغرامات، بدلاً من معالجة جذور الخلل في الإدارة المالية والفساد وضبط الموارد العامة.

التوصية: ينبغي اعتماد سياسة مالية عادلة تمنع تحويل المواطن إلى مصدر تعويض دائم للعجز، وذلك من خلال ضبط الهدر، ومكافحة الفساد، وترشيد الإنفاق الحكومي، وتفعيل الموارد غير النفطية قبل فرض أي أعباء جديدة على المواطنين.

2. الاستنتاج: غياب الرؤية الاقتصادية المتماسكة للدولة. فالعراق لا يتبنى نموذجاً اقتصادياً واضحاً؛ فلا هو دولة رعاية اجتماعية مكتملة، ولا دولة سوق منضبطة، ولا نظام اقتصادي يوازن بصورة عادلة بين حقوق المواطن وواجباته المالية.

التوصية: ضرورة صياغة رؤية اقتصادية وطنية واضحة تحدد طبيعة العلاقة المالية بين الدولة والمواطن، وتبيّن حدود الضرائب والرسوم، وضمانات العدالة الاجتماعية، وآليات تمويل الخدمات العامة دون الإضرار بالفئات محدودة الدخل.

3. الاستنتاج: وجود تناقض بين الالتزامات الدستورية والسياسات المالية الواقعية، فالدستور العراقي يؤكد ضمان الدولة للحياة الكريمة والرعاية الصحية والحماية الاجتماعية، لكن السياسات المالية المتبعة تذهب عملياً نحو زيادة الأعباء على المواطن، بما يضعف هذه الضمانات الدستورية.

التوصية: ينبغي مراجعة جميع القوانين والقرارات المالية والضريبية في ضوء المواد الدستورية المتعلقة بالحياة الكريمة والضمان الاجتماعي، وعدم تمرير أي رسوم أو ضرائب تمس الفئات الهشة إلا بعد دراسة أثرها الاجتماعي والاقتصادي.

 4. الاستنتاج: ضعف العدالة في توزيع الأعباء العامة، فالضرائب والرسوم غالباً ما تُفرض بصورة تؤثر في أصحاب الدخل المحدود أكثر من غيرهم، كما أن الضرائب المفروضة على الشركات تنتقل في النهاية إلى المستهلك عبر ارتفاع الأسعار.

التوصية: اعتماد نظام ضريبي تصاعدي عادل يراعي مستويات الدخل والقدرة الشرائية، مع منع تحميل المستهلك النهائي آثار الضرائب المفروضة على الشركات الكبرى، وخاصة في القطاعات الحيوية مثل الاتصالات والطاقة والخدمات الأساسية.

5. الاستنتاج: ارتفاع الرسوم لا يقابله تحسن في جودة الخدمات، فالدولة ترفع أجور الخدمات والرسوم في قطاعات متعددة، لكن المواطن لا يلمس تحسناً موازياً في جودة الخدمات الصحية والبلدية والتعليمية وغيرها، مما يخلق فجوة بين ما يدفعه المواطن وما يحصل عليه.

التوصية: ربط أي زيادة في الرسوم أو الأجور بتحسين فعلي ومقاس في جودة الخدمة، ووضع معايير شفافة لتقييم الأداء، مع إلزام المؤسسات العامة بالإفصاح عن أوجه صرف الإيرادات المتحصلة من المواطنين.

6. الاستنتاج: تفاقم أثر الدولة الريعية على علاقة المواطن بالدولة، فاعتماد العراق شبه الكامل على النفط جعل الدولة، عند تراجع الإيرادات أو اضطراب الأسعار، تلجأ إلى المواطن لسد الفجوة المالية، بدلاً من بناء اقتصاد إنتاجي متنوع.

التوصية: الإسراع في تنويع مصادر الدخل الوطني عبر دعم الزراعة والصناعة والقطاع الخاص والاستثمار المنتج، وتقليل الاعتماد على النفط، بما يخفف الحاجة إلى فرض أعباء مالية متكررة على المواطنين عند كل أزمة مالية.

7. الاستنتاج: الفساد وسوء الإدارة يضاعفان العبء على المواطن، حيث أن جزءاً كبيراً من المشكلة لا يعود إلى نقص الموارد فقط، بل إلى سوء إدارة المال العام، وإساءة استخدامه، ووجود ثغرات قانونية تسمح بالفساد والإفلات من العقاب.

التوصية: تعزيز منظومة مكافحة الفساد من خلال محاسبة كبار الفاسدين، وسد الثغرات القانونية، ومنع التسويات التي تشجع على الإفلات من العقاب، وتفعيل الرقابة القضائية والبرلمانية والمجتمعية على المال العام.

8. الاستنتاج: ضعف المؤسسات والرقابة يؤدي إلى استمرار السياسات غير المنصفة، فالبرلمان والحكومات المتعاقبة مررت قوانين وموازنات سمحت بزيادة الرسوم والضرائب دون رقابة كافية أو تقييم عادل لأثرها على المواطن.

التوصية: تفعيل الرقابة البرلمانية والمؤسسية على قرارات فرض الرسوم والضرائب، ومنع منح الوزارات والمحافظين صلاحيات مفتوحة لزيادة الأعباء المالية دون ضوابط قانونية واضحة ودراسات أثر مسبقة.

 9. الاستنتاج: تآكل الثقة بين المواطن والدولة، حيث أن المواطن يشعر بأنه شريك فقط وقت الانتخابات، لكنه يتحول بعد ذلك إلى ممول للسلطة، في ظل ضعف الخدمات وغياب المشاركة الحقيقية في صياغة السياسات العامة.

التوصية: إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة عبر إشراك المواطنين والخبراء ومراكز الأبحاث في مناقشة السياسات المالية، واعتماد الشفافية في القرارات الاقتصادية، وتحويل المواطن من مجرد دافع رسوم إلى شريك في القرار والمساءلة.

10. الاستنتاج: الحاجة إلى صندوق احتياطي لمواجهة الأزمات دون إثقال الفقراء، مثل وجود صندوق احتياط لمواجهة الأزمات مثل الفيضانات والأوبئة والزلازل وارتفاع أسعار الطاقة، بحيث لا تُترك كلفة الأزمات لتُحمَّل مباشرة على المواطنين، خصوصاً الفقراء.

التوصية: إنشاء أو تفعيل صندوق وطني شفاف للطوارئ والأزمات يمول من الفوائض النفطية والموارد السيادية، ويُدار برقابة مستقلة، ويُخصص لمعالجة آثار الكوارث والأزمات وارتفاع الأسعار دون فرض رسوم وأتاوات إضافية على المواطنين.

.........................................

مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2026

هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...

http://ademrights.org

ademrights@gmail.com

https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق