حالة من التناقض والانقلاب والتشتت والازدواجية التي مرّ بها السيد السوداني، وكأننا أمام شخصيتين سياسية لا شخص واحد، وكأنه يسير ويقرر بمفرده دون مستشارين أو مجلس وزراء، فهو يسير بلا بوصلة ولا تخطيط ولا خارطة طريق، ونسجل عليه في تلك المرحلة الحرجة مجموعة من السلبيات والارتباك السياسي والاداري والأمني...

يتمتع السيد محمد شياع السوداني، رئيس الوزراء العراقي، المنتهية ولايته، بمقبولية شعبية لا بأس بها، في المرحلة السابقة، لما حققه من انجازات واضحة وظاهرة للعيان على الساحة السياسية والامنية والاقتصادية والخدمية للبلد، مما شكل حالة من التعاطف والرضا الشعبي على تلك الحكومة التي ترأسها منذ 2022.

 حيث تم طرح أسمه كمرشح لرئاسة الوزراء في ذلك الوقت من قبل الإطار التنسيقي، بعد حالة الانسداد السياسي التي عاشها العراق في تلك المرحلة المضطربة والمتشنجة والحساسة داخلياً وخارجياً، فنجح في تشكيل كابينته الوزارية وعمل على ضبط الإيقاع السياسي والاجتماعي وإحداث نوع من التوازنات السياسية ومحاولته لزرع الثقة في المواطن العراقي من جديد، بعد أن فقد الثقة بالكامل، من جراء عمل الطبقة السياسية والاحزاب الحاكمة، التي قدمت مصلحتها الحزبية على كل مصلحة وطنية.

 فعمل السيد السوداني على رسم سياسة تتناسب والظروف الحساسة التي عاناها البلد، وعمل على إقامة علاقات سياسية جيدة محلياً وعربياً وعالمياً، وأنقذ البلد من أزمات ومخاطر كادت تودي به الى كارثة فادحة. 

من خلال إدارة ملف التوظيف والتعيينات للخريجين وأصحاب الشهادات، الى معالجة صعود سعر الدولار في الأسواق وضبط الحالة الاقتصادية والأمنية في البلد ومحاولة خلق خطاب وطني موحد بعيداً عن الطائفية والتطرف والكراهية، إلى التعامل الدبلوماسي والسياسي مع القضية الفلسطينية والحرب الإسرائيلية الإيرانية، الى مد جسور العلاقات العربية والعالمية. 

وهذا النجاح النسبي الكبير في إدارة السيد السوداني جعل المواطن يعيد حساباته الوطنية ويشعر بالرضا النسبي لتلك الحكومة، التي سارت على خطى جيدة، لا تخلوا من نقد وعثرات وسلبيات، ولكن استطاعت على علاّتها أن تعبر المرحلة الى بر الأمان، وهذا ما يحسب للسيد السوداني في إدارته لدفة الحكم وحسن ضبطه للإيقاع، وهذا ما حفز ودفع المواطن العراقي للخروج للانتخابات بقوة وحماس بتاريخ 11/11/2025، والتي أثمرت التصويت للسيد السوداني وائتلاف التنمية والإعمار الذي يتزعمه، الذي نال المرتبة الأولى على مستوى العراق، وقد حصد 45 مقعداً نيابياً من تلك الأصوات، من بين الأحزاب والكيانات الأخرى.

 وقد طرح السوداني نفسه مرشحاً للولاية الثانية، وهذا ما زاد من إقبال المواطنين على التصويت له شخصياً، والاطمئنان على سلامة المسيرة السياسية في العراق للأعوام القادمة، كاستحقاق وطني في العملية الانتخابية، ولكن مما يؤسف له هو ضرب هذه الاستحقاقات والنتائج عرض الحائط من قبل الأحزاب والتنسيقات والتجمعات الحزبية فيما بينهم، فالعملية السياسية في العراق لا تدار بصورة ديموقراطية، بل بصورة تكتلات وزعامات تتربع على قيادة الأمور وسدة الحكم في البلاد، وهي مقسمة بصورة طائفية معروفة جداً.

 كما عملت هذه الكيانات مؤخراً على تشويه صورة السيد السوداني سياسياً من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والفضائيات وعرض لملفات فساد وأوراق ضغط كبيرة لإسقاط صورته أمام الشعب، ومحاولة سحب البساط من تحته، دون اللجوء الى البرلمان وعرض تلك الملفات قانونياً من خلال المسائلة والمحاسبة، وهذا ما تعمل عليه الأحزاب وجيوشها الإلكترونية والإعلامية في كل فترة انتخابات جديدة تمر بالبلد. مما قلل حظوظ السوداني وأربك وضعه ومستقبله السياسي، فقد عملت هذه الملفات على تصفية الحسابات الحزبية فيما بينها، ليس من منطلق وطني بل من منطلق انتقامي حزبي ضيق تتعامل به الاحزاب والتيارات في كل عملية انتخابية يقدم عليها البلد. 

والذي نلاحظه في شخصية السيد السوداني، ولاحظه الجميع، قبل وبعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة 2025، وخاصة في الاشهر الثلاثة الأخيرة، (حكومة تصريف الأعمال)، هو حالة من التناقض والانقلاب والتشتت والازدواجية التي مرّ بها السيد السوداني، وكأننا أمام شخصيتين سياسية لا شخص واحد، وكأنه يسير ويقرر بمفرده دون مستشارين أو مجلس وزراء، فهو يسير بلا بوصلة ولا تخطيط ولا خارطة طريق، ونسجل عليه في تلك المرحلة الحرجة مجموعة من السلبيات والارتباك السياسي والاداري والأمني والاجتماعي والاعلامي، والتراجع الكبير في مستوى الإداء، ونوجز ذلك بما يأتي: 

1ـ من الناحية السياسية، عاش السيد السوداني حالة من الذهول والصدمة والصدام بينه وبين الاحزاب السياسية التي استهدفته، والتي سجلت عليه مؤشرات وملفات خطيرة في الموازنة والإداء الاداري والسياسي في الحكم. هذا من جهة، ومن جهة أخرى سعى لمناورة سياسية كبيرة وخطيرة جداً، لا أدري هل حسب لها حسابها التكتيكي أم لا، ألا وهي تنازله من الترشح للولاية الثانية لرئاسة الوزراء كمرشح عن ائتلاف الأعمار والتنمية الى السيد نوري المالكي، الذي رشح نفسه لرئاسة الوزراء من قبل ائتلاف دولة القانون، الذي ترأس الحكم لدورتين انتخابيتين سابقة منذ عام 2006 حتى عام 2014، وكان في حسابات السوادني أن ما أقدم عليه في تنازله هذا هو محاولة تكتيكية ناجحة من قبله، وهذا ما فاجأ به الأوساط الشعبية والسياسية في اتخاذه لهكذا قرار، وكأن السوداني أراد بهذا القرار التكتيكي سحب البساط من تحت المالكي، وحرق أوراقه مبكراً ليكون السوداني المرشح الأوحد من بين المرشحين، بعد قراءته للحدث بأن المالكي أقل حظاً منه بين الناس والمرجعية والطبقة السياسية، حتى داخل الإطار التنسيقي نفسه، الذي يجمع الرئيسين.

 ولا ندري هل هذا التكتيك السياسي للسيد السوداني يحسب له أم عليه، فمن زاوية يراه البعض شعوراً وطنياً بنكران الذات وعدم استئثاره بالحكم وإيصال البلد إلى حالة من الانسداد السياسي في ظل الوضع العراقي والدولي الحرج. ومن زاوية أخرى يرى البعض إنها خيانة سياسية أقدم عليها السيد السوداني من خلال تنازله عن استحقاقه السياسي وتضييعه للأصوات الانتخابية التي أدلاها الشعب ومنح ثقته له، وهذا ما شكّل حالة من الاحباط النفسي الشعبي في ذلك التصرف الذي يخلو من أي مراجعة سياسية أو استشارية للحزب وجماهيره، فضلاً عن الاحباط الانتخابي الكبير الذي جعل من العملية السياسية الديموقراطية في العراق مجرد صندوق اقتراع ليس إلا. 

2ـ أما من الناحية الإدارية، فقد كانت تحركات السيد السوداني في ظل إدارة حكومة تصريف الأعمال متشتتة وخجولة جداً مما أربكت الوضع الاجتماعي والاقتصادي وخلقت جملة من الأزمات داخل البلد، وكأنه يريد تصفية حسابات وليس تصريفها، فقد عقد في غضون ثلاثة أشهر العديد من جلسات مجلس الوزراء ومناقشة جملة كبيرة من القرارات التي لا تصب في مصلحة المواطن، والمسألة الكبرى التي توجه لها المجلس الوزاري هي محاولة سد العجز المالي الذي يمر به البلد، دون دراسة أو استشارة أو تخطيط من خلال تقليل النفقات وتعظيم ايرادات الدولة وخفض رواتب الموظفين وزيادة الضرائب على المواطن وصعود أسعار المواد الغذائية وتقليلها في الحصة التموينية التي تعين المواطن في عيشه وظروفه الصعبة، وفرض سياسات تقشفية، وإيقاف تعيين وتوظيف الخريجيين، بسبب ما تعانيه البلاد من قلة الميزانية وعجزها المالي وعظم حجم الاستقراض الخارجي من الأموال، وهبوط أسعار النفط والأزمات الكبرى التي يشهدها العالم أجمع.

 وكأن المواطن هو السبب الرئيس لتلك الأزمات وليس الحكومات المتعاقبة والطبقة السياسية التي تدير دفة الحكم في البلاد. اضافة الى كذب الوعود التي قطعها السيد السوداني في محاسبة الفاسدين وتقليل رواتب او مخصصات المسؤولين في الدولة، فهذا كله كان خطابا انتخابيا وقتيا زال بانتهاء الانتخابات، وبقي حبرا على ورق، وبقي المواطن في مهب عواصف الحكومة. 

3ـ أما من الناحية الأمنية، فقد تعثر السيد السوداني وحكومته في إدارة وقيادة الملف الأمني الحالي، وخاصة بعد موافقة الحكومة العراقية على استقبال وادخال مجموعة من السجناء والمحكومين الارهابيين الذين تلطخت ايديهم بدماء الشعب، من السجون السورية، ، في الوقت الذي يقف فيه أبناء جيشنا الباسل على الحدود في تلك الظروف العصيبة والبرد القارس لحماية البلد من مخاطر الارهاب وإذا بالارهاب والمجرمين يدخل بيتنا مرحبّاً به دون عذر أو تبرير أو موقف حكومي رافض، وكأن العراق مسؤول عن هؤلاء المجرمين وحمايتهم، ويدفع البلد ملايين الدولارات كنفقات إطعام وحماية ومستلزمات عن هؤلاء الارهابيين الذين تخلت عنهم دولهم عن استلامهم واسقطت الجنسية عنهم وتخلت عن محاكمتهم في بلدانهم. فضلاً عن المخاوف من هروبهم أو إعادة سيناريوهات قديمة تعيد البلد الى الوراء.

4ـ أما من الناحية الإعلامية، فلا توجد مصداقية إعلامية من قبل الحكومة في تغطية الأخبار ونقل المعلومات وإصدار بعض القرارات، حيث تتضارب المعلومة ونقلها، حتى من قبل السيد الناطق الرسمي باسم الحكومة، الذي يخرج علينا من على شاشات التلفاز والمواقع الالكترونية لينقل لنا خبراً ثم نجد تكذيبه من قبل آخرين أو في الجريدة الرسمية. فضلاً عن عدم مواجهة السيد السوداني في تكذيب أو مواجهة ما يقال بحقه من قبل مختلف الجهات ممن يخرج عليه من ملفات إدانة أو تقصير أو تهم فساد، مما يعني أن السكوت يحمل من بعض جوانبه مصداقية مدّعي الخبر ومن جاء به. فهذا الأمر له مخطره ويقلل من مصداقية الحكومة والمؤسسات وتعامل المواطن معها وطريقة تعاطيه مع المعلومة، وكيفية استغلال الخصوم في تغطية الاحداث، وترويج الاخبار وطريقة فهمها وتفسيرها.

5ـ وأما من الناحية الاجتماعية والشعبية، فقد توسعت دائرة الاعتراضات والتظاهرات على حكومة تصريف الاعمال بقيادة السيد السوداني، وما جرّته أعلاه من الأسباب والأحداث على البلاد والعباد من أزمات ومخاطر وجدل ومماحكات ، خلال فترة زمنية وجيزة تنذر البلد بمخاطر اجتماعية كبيرة لا سمح الله، من إعادة للخطاب والاصطفاف الطائفي أو تراجع الخطاب السياسي وعملية إدارة الحكم أو بث خطاب الفتنة الأهلية والاصطفافات الخارجية التي نلمسه من قبل البعض في خطابات سياسية مؤثرة تجذب المواطن نحوها، في الوقت الذي تبذل فيه الدولة والتجمعات الفكرية والدينية والثقافية والعشائرية والتربوية الجهود الكبرى لملمة الوضع، وحماية البلد، والتثقيف على أهمية السلم المجتمعي وتكاتف الشعب بأجمعه لنبذ خطابات العنف والتطرف والكراهية. 

فالحكومة اليوم أحوج ما تكون الى كسب المواطن لجنبها بدلاً من إبعاده عنها والتظاهر ضدها، فالوضع الحالي يحتاج لخطاب سياسي وإجتماعي وثقافي موحد، يؤمن بقيمة المواطن وحماية الوطن من الكوارث والأزمات، من خلال تغليب المصلحة الوطنية على كل مصلحة أخرى. وهذا ما نسعى للتحذير منه في هذا المقام والمقال.

اضف تعليق