بقلم: جان بيساني فيري

باريس ــ من مسألة هواوي إلى خلاف أوكوس وما بعده، ينشأ واقع جديد يزعزع أركان الاقتصاد العالمي: استيلاء السياسة الجغرافية، العدائي عادة، على الاقتصاد الدولي. ربما تكون هذه العملية في بدايتها، ويكمن التحدي الآن في تعلم كيفية التعايش معها.

بطبيعة الحال، لم يكن الاقتصاد والسياسة الجغرافية مجالين منفصلين تماما قَـط. تولى أهل الاقتصاد تصميم النظام الاقتصادي الليبرالي بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن على أساس خطة رئيسية وضعها خبراء في استراتيجيات السياسة الخارجية. كان صناع السياسات في الولايات المتحدة بعد الحرب يعرفون ماذا يريدون: ما أسماه تقرير صادر عن مجلس الأمن القومي عام 1950 "بيئة عالمية يعيش فيها النظام الأميركي ويزدهر". من منظورهم، كان ازدهار العالم الحر هو القناة (الناجحة في نهاية المطاف) الكفيلة باحتواء وربما هزيمة الشيوعية السوفييتية، وكان النظام الليبرالي هو القناة الناقلة لذلك الازدهار.

ولكن برغم أن الهدف النهائي كان جيوسياسيا، فقد تشكلت العلاقات الاقتصادية الدولية لمدة سبعين عاما وفقا لقواعد من ابتكارها. في بعض الأحيان، تسببت السياسة الجغرافية في انحراف قرارات ملموسة: من منظور الولايات المتحدة، لم يكن توفير المساعدة المالية من قِـبَـل صندوق النقد الدولي للمكسيك مساويا قَـط لتقديمها إلى إندونيسيا. غير أن المبادئ التي تحكم التجارة أو سياسة أسعار الصرف كانت اقتصادية بحتة.

وضعت نهاية الحرب الباردة أهل الاقتصاد على القمة مؤقتا. ولثلاثة عقود من الزمن بعد ذلك، تصور وزراء المالية والقائمون على البنوك المركزية أنهم يديرون العالم. وكما أشار جيك سوليفان (مستشار الأمن القومي للرئيس الأميركي جو بايدن حاليا) وجينيفر هاريس في عام 2020، فقد أحيلت إدارة العولمة إلى "مجتمع صغير من الخبراء". مرة أخرى، كان هناك هدف جيوسياسي أساسي: فبذات الطريقة التي ساهم بها الانفتاح الاقتصادي في انهيار الاتحاد السوفييتي، كان من المتوقع أن يُـفضي إلى تقارب الصين مع النموذج الغربي. لكن بالنسبة للبقية، ظل التدخل محدودا.

أدى صعود الصين وتنافسها المتزايد القوة مع الولايات المتحدة إلى إنهاء هذه الحقبة. فمع فشل التقارب من خلال التكامل الاقتصادي، عادت السياسة الجغرافية إلى الصدارة. ويؤكد تركيز بايدن على التحدي الصيني والقرار الذي اتخذه بعدم تفكيك القيود التجارية التي فرضها سلفه دونالد ترمب، أن الولايات المتحدة دخلت حقبة جديدة حيث تسلمت السياسة الخارجية الأمر من الاقتصاد.

في الصين لم تنشأ الحاجة إلى مثل هذا الاستحواذ. فعلى الرغم من تشدق قادة البلاد بشكل روتيني بالتعددية، تؤكد تقاليدها التاريخية وفلسفتها في الحكم على السيطرة السياسية على العلاقات الاقتصادية المحلية والخارجية بشكل خاص. تجسد مبادرة الحزام والطريق العابرة للحدود الوطنية هذا النموذج: كما وثقت آنا جيلبيرن وباحثون مشاركون من جامعة جورج تاون مؤخرا، فإن عقود القروض الصينية لتمويل مشاريع البنية الأساسية في البلدان النامية مبهمة، وتنطوي على شروط سياسية، وتستبعد صراحة إعادة هيكلة الديون من خلال إجراءات متعددة الأطراف.

وحتى في أوروبا، حيث كان الإيمان بأولوية الاقتصاد أشد رسوخا، بدأت الأمور تتغير. في عام 2018، أعلن المحرض الشعبوي الأميركي ستيف بانون بازدراء: "إن القلب النابض لمشروع العولمة موجود في بروكسل". كان هذا صحيحا في حقيقة الأمر: ذلك أن أسبقية القواعد العامة لتقدير الدولة جزء من حمض أوروبا النووي. لكن الاتحاد الأوروبي أيضا يفيق الآن على الواقع الجديد. في عام 2019، تحدثت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بالفعل عن قيادة "مفوضية جيوسياسية".

السؤال هو ماذا يعني حقا هذا التركيز الجيوسياسي المتجدد. يتصور معظم خبراء السياسة الخارجية العلاقات الدولية على أنها لعبة قوة. وتفترض نماذجهم الضمنية غالبا أن مكاسب دولة ما هي خسارة لدولة أخرى. من ناحية أخرى، يبدي أهل الاقتصاد قدرا أكبر من الاهتمام بتعزيز المكاسب التي تجلبها المعاملات عبر الحدود أو العمل المشترك على جميع الأطراف. ويتصور مفهومهم المعياري للعلاقات الاقتصادية الدولية قوى فاعلة مستقلة تدخل طواعية في ترتيبات مفيدة لجميع الأطراف.

في مقال نُـشِـر عام 2019، حدد سوليفان وكيرت كامبل (الذي يتولى الآن إدارة السياسة الخارجية في التعامل مع آسيا في مجلس الأمن القومي التابع لبايدن) المعالم العريضة لخطة لتنظيم "المنافسة دون إحداث كارثة" بين الولايات المتحدة والصين. جمع مخطط الأخوين بين التبادل التجاري الشامل مع الصين، وتشكيل ناد لديمقراطيات السوق العميقة التكامل (على أن يكون الوصول إليها مشروطا بالمواءمة الاقتصادية)، وتسلسل السياسات حيث تكون المنافسة مع الصين الخيار الفرضي، على أن يكون التعاون مشروطا بسلوك الصين الجيد. كما رفضا أي ربط بين التنازلات الأميركية والتعاون في إدارة المشاعات العالمية مثل المناخ.

إنها ستراتيجية واضحة، لكن إدارة بايدن لم توضح بعد ما إذا كانت تعتزم ملاحقتها. الواقع أن الـمِـحَـن الاقتصادية التي تعيشها الطبقة المتوسطة في الولايات المتحدة، وما ينتج عنها من إحجام محلي دائم عن فتح التجارة، تتعارض مع الأهداف الجيوسياسية وتجعل من الصعب قراءة نوايا أميركا. ربما كانت الـغَـلَـبة لأنماط السياسة الخارجية على أهل الاقتصاد، لكن السياسة المحلية تسود على كل شيء، وصفاء الذهن ليس هو ما يوجه العمل.

من ناحية أخرى، سجلت الصين رفضها القاطع لاستبعاد التعاون المناخي من المناقشة الأميركية الصينية الأوسع، ومؤخرا فاجأت الولايات المتحدة بالتقدم بطلب للالتحاق بعضوية الاتفاقية الشاملة التقدمية للشراكة عبر المحيط الهادئ، وهي اتفاقية التجارة الإقليمية التي صممها الرئيس باراك أوباما لعزل الصين ثم اختار ترمب الانسحاب منها. لكن الصين لم تتقبل العزلة، بل إنها تسعى إلى التغلب على الولايات المتحدة في المناورة.

من عجيب المفارقات أن أوروبا تقترب من تحديد موقفها. فهي لا تزال تؤمن بالقواعد العالمية، وتعطي الأولوية لإقناع الشركاء بالتفاوض على هذه القواعد وفرضها، لكنها على أهبة الاستعداد للعمل بمفردها. ربما تبدو العبارة الشائعة الجديدة "الاستقلالية الاستراتيجية المفتوحة" وكأنها تناقض لفظي. لكن يبدو أن الاتحاد الأوروبي يعرف الآن ماذا تعني: على حد تعبير كبيرة مسؤولي التجارة في الاتحاد الأوروبي سابين وياند "العمل مع الآخرين حيثما أمكن، والعمل بشكل مستقل حيثما كان ذلك لزاما علينا". في عالم أكثر خضوعا لحكم السياسة الجغرافية، ربما تصبح هذه عقيدة أوروبا حقا.

* جان بيساني فيري، زميل أقدم في مركز بروغل للأبحاث ومقره بروكسل وزميل أقدم غير مقيم في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، يشغل منصب رئيس توماسو بادوا-شيوببا في معهد الجامعة الأوروبية.
https://www.project-syndicate.org

اضف تعليق