يوم 17 أيلول من عام 2019 وافق مجلس الوزراء على مشروع قانون مجلس الإعمار ورفعه الى مجلس النواب لإقراره. ويحظى القانون بدعم واسع لدى الأوساط المهتمة بالإعمار، وورد أيضا ان الجهات المعنية استشارت "العديد من الخبراء والكفاءات" لإعداد الصيغة المعروضة على السلطة التشريعية. لكن إقرار القانون المقترح، كما أرى، سيكون من الأخطاء غير المبررة.

وما أود بيانه، هنا، لا يتعدى وجهة نظر حول بعض فقراته دون دراسة المشكلة على نحو شامل. إن جميع الأهداف والوسائل التي تضمنها القانون لا تتطلب استحداث هذا المجلس فضلا عن ان هذا التشريع، في حالة إقراره، يناقض مبادئ أساسية في المالية العامة وإدارة الاستثمار الحكومي.

ولنبدأ من الأحكام الختامية للقانون فقد ورد في المادة (31) "يلغى قانون مجلس الإعمار ووزارة الإعمار رقم (27) لسنة 1953"!. لقد الغيت وزارة الإعمار عام 1959 واستحدثت وزارة التخطيط بدلها وكان أول وزير للتخطيط المرحوم الدكتور طلعت الشيباني. وفي قانون السلطة التنفيذية رقم 74 لسنة 1959 في المادة التاسعة استحدث مجلس التخطيط بدلا من مجلس الإعمار، وانتقلت سكرتارية مجلس الإعمار الى مجلس التخطيط. وفيما بعد شرع قانون لمجلس التخطيط وجرت عليه سلسلة من التعديلات. المهم ليس "الغاء قانون وزارة الإعمار ومجلس الإعمار" لكن الخلفية الفكرية للقانون الجديد. إذ يبدو من النص كما لو إن الدولة العراقية قد أغمي عليها منذ عام 1953 ثم فاقت الآن.

كما ان المشرع يريد التأسيس على مجلس الإعمار ووزارة الإعمار وليس على مجلس التخطيط ووزارة التخطيط. لماذا لا أظنه حنينا الى العهد الملكي بل يتصور ان عمل مجلس الإعمار يختلف في المضمون عن عمل مجلس التخطيط ومنهاج الإعمار يختلف عن المنهاج الاستثماري. في حين ان منهاج الإعمار هو ذاته المنهاج الاستثماري والاستمرارية مؤكدة. ان مشاريع الإعمار استمرت في العهد الجمهوري وبنفس التعليمات والصلاحيات، ومنهجية العمل لا تختلف جوهريا. والتزامات ومهام مجلس ووزارة الإعمار انتقلت الى مجلس ووزارة التخطيط. وأذكر جيدا ان وزارة التخطيط كانت تحتفظ حتى بتسجيلات صوتية لوقائع مجلس الإعمار لأن وزارة التخطيط هي الجهاز الفني لمجلس التخطيط وسكرتير مجلس التخطيط، سابقا سكرتير مجلس الإعمار، هو المدير العام لديوان مجلس التخطيط وهي من دوائر وزارة التخطيط.

لقد أرسلت الى زملائي قبل مدة وثيقة هي الدراسة التي أعدها فريق البنك الدولي وسلمها لرئيس الوزراء عام 1952 وعنوانها التنمية الاقتصادية في العراق. وتناولت الوثيقة دراسة اقتصادية شاملة للعراق، آنذاك كان البنك الدولي يؤيد التنمية الاقتصادية بحماس... اختلفت الأمور، والوثيقة أشارت في أكثر من مكان لمنهج أو منهاج الإعمار Development Programme آنذاك كانت التنمية تسمى إعمار، هي لغة لا أكثر ولا أقل. فالمقصود بمجلس الإعمار هو مجلس التنمية ومنهاج الإعمار منهاج التنمية. وفي العهد الجمهوري وجدوا ان منهاج الإعمار هو في الواقع منهاج استثماري فسمي هكذا، وأرادوا التخطيط للتنمية فصارت تسمية مجلس الإعمار مجلس التخطيط. ومجلس الإعمار ايضا يخطط. والدراسة المشار اليها اقترحت برنامجا للتنمية " الإعمار" لمدة عشر سنوات بناء على طلب الحكومة. والتأسيس لا يكون على التسميات بل على المضمون. ماذا يقصد السابقون بالعمران... تطور، تحضر، تنمية اقتصاد... وهكذا هي لغة.

في العهد الجمهوري صدرت الخطة الاقتصادية المؤقتة 1959-1961 لتواصل العمل على مشاريع مجلس الإعمار وتضيف عليها. وفي عام 1961 الغيت الخطة المؤقتة، وصدرت الخطة الخمسية 1961-1962 الى 1965-1966 وقبل نهاية مدتها صدرت الخطة 1965-1969 وهذه قوانين يمكن الرجوع اليها. والخطة التي صدرت عام 1961 تشير بالتفصيل الى وزارة التخطيط ومجلس التخطيط، وتذكر في نصوصها أيضا مجلس الإعمار الملغي. وما بعد 1969 هو تاريخ قريب معروف للعديد من الأحياء والقراء. وحسب قناعتي ان الخطة 1965 – 1969 هي أكمل خطة من الناحية الفنية بل هي متفوقة حتى بالمستوى العالمي وقد بينت هذا في دراسة أعددتها عام 1983 واعدت نشرها قبل مدة.

الإدارة الاقتصادية لم تختلف في العهد الجمهوري عما كانت عليه في العهد الملكي، وحتى في العهد الملكي كانت الأعمال التي اضطلع بها مجلس الإعمار، فيما بعد، تنفذ على باب الأعمال العمرانية في الموازنة العامة. ومع مجلس الإعمار انتقل العراق الى نظام الموازنتين، جارية واستثمارية كانت تسمى الإعمار، واستمر النظام في العهد الجمهوري، الأولى تديرها وزارة المالية والثانية وزارة التخطيط، والحسابات تتولاها وزارة المالية للإنفاق الجاري والاستثماري على نحو مستقل. حصلت اختلافات في السياسة الاقتصادية في العهد الجمهوري عن الملكي، وبعد عام 1964 منذ التأميمات توسع القطاع العام، وارتفعت إيرادات النفط كثيرا بعد تأميمه عام 1973 ثم ارتفاع الأسعار. لكن اجهزة الإدارة الاقتصادية والقوانين والصلاحيات والأساليب الفنية من الناحية الجوهرية لم تتغير وبقيت على حالها بعد 2003.

وفيما يلي بعض المآخذ على مشروع القانون:

1- في الفقرة رابعا من المادة الأولى تمول مشاريع المجلس من " نسبة المجلس من الإيرادات المدرجة في الموازنة العامة أومن القطاع الخاص أو من كليهما...". وفي المواد اللاحقة ينص القانون على تحويل تخصيصات المشاريع التي يديرها من الموازنة العامة اليه. ويتصور المشرع ثمة خطة بالمشاريع ويقال هذه تمول من الحكومة وتلك من القطاع الخاص وأخرى مختلطة... وهكذا. مجلس الإعمار سلطة حكومية كيف لها ان تتصرف بأموال القطاع الخاص؛ إذا أرادت الحكومة المشاركة مع القطاع الخاص في مشاريع فتستطيع مثل أي مستثمر، ويجري هذا بناءا على مقترح من الوزارة القطاعية ويأخذ طريقه الاعتيادي الى وزارة التخطيط ثم المالية وتدرج هذه المشاركات في الموازنة المالية العامة السنوية. وهل توجد موانع قانونية أعاقت مثل تلك المشاركات في الماضي، إن وجدت فعلا يمكن معالجة الأمر بسهولة. لماذا كانت الدولة غافلة عن هذه المسألة فاستيقظت فجأة للتعاون مع القطاع الخاص بهذه الطريقة بالذات.

2- وحول نسبة المجلس من إيرادات الموازنة...، وتحويل تخصيصات المشاريع اليه، هذا التعبير ينطوي على مشاكل جمة منها: سوف يتجزأ الأنفاق على المشاريع العامة بين المنهاج الاستثماري، وهو جزء من الموازنة تحكم إدارته إعدادا وتنفيذا ضوابط وتعليمات استنادا الى القوانين النافذة، ومنهاج آخر أوكلت مهمته الى " مجلس الإعمار" يدار باستقلال. وهو تحول مربك لا يساعد على التطوير فعلا. فأما ان يلتزم العراق بالموازنة الموحدة او يعود الى نظام الموازنتين، جارية واستثمارية، كما كان معمولا به منذ مطلع الخمسينات وحتى عام 2003. التصرف بالأموال العامة عادة يكون من خلال الموازنة بالمصطلح المتعارف عليه بكل ما يتضمنه من ضوابط وتقاليد تعارفت عليها الحكومات. أما ان تقتطع أموال من الموازنة العامة وتدار بهذه الطريقة الغامضة فلا يمثل خطوة في ترصين البناء المؤسسي للدولة بل هروب من استحقاقات إعادة البناء عبر إيجاد سلطة مالية موازية. كان الأفضل للحكومة التعامل مباشرة مع أوجه القصور والتقصير التي حالت دون ترصين إدارة البرنامج الاستثماري الحكومي وكرست معوقات تطوير البنى التحتية في العراق بدلا من هذا المجلس، وتوجد مقترحات محددة وعملية في هذا المجال لم تلتفت اليها الدوائر المعنية.

3- العودة الى البرنامج الاستثماري الحكومي وتطوير جميع الحلقات وضمان الأداء الكفوء والنزيه في إعداد وتنفيذ المشاريع العامة هو الضروري والذي لا غنى عنه. وليس النكوص عن المهمة المؤجلة باستحداث جهاز موازي. وفتح باب جديد للصخب السياسي ومباريات الخطب التنموية.

4- ربما، وهو الأرجح، ان الحكومة أرادت معالجة الخلل في الدوائر والأقسام والشعب المسؤولة عن عقود المشاريع فاختارت هذه الطريقة. نعم كانت أكثر الخروقات وهدر الأموال العامة في التعاقد على تنفيذ المشاريع وعقود التجهيزات. وكان الأولى بالحكومة تحمل مسؤوليها في إعادة هيكلة تلك الدوائر جميعها نحو وحدات بديلة تؤسس على مبادئ جديدة. ماهي تلك الوحدات؟ وما هي تلك المبادئ؟ وكيف تؤسس؟ توجد أجوبة على هذه التساؤلات، أو على الأقل إن كانت الأجوبة المطروحة ليست مقنعة للحكومة تستطيع ان تتحرى غيرها مثلما استشارت " العديد من الخبراء والكفاءات" في قانونها هذا.

5- أو لنقل ان الحكومة أرادت مركزة صلاحيات إدارة وتنفيذ المشاريع لأنها تعتقد بعدم كفاءة المستويات الوزارية والتي دونها، حسنا تستطيع ذلك، بالتأكيد، دون الحاجة الى استحداث جهاز جديد. ومن المعروف لموظفي الدولة في الدوائر المالية والهندسية ان الصلاحيات أصلا متدرجة فلماذا لم يستخدم مجلس الوزراء تلك الصلاحيات لوضع الأمور في نصابها، ليأتي بعد هذه المدة الطويلة مكتشفا الحل عبر التخلي عن المسؤولية وتبرئة ساحة وزارة التخطيط والمالية واللجنة الاقتصادية لمجلس الوزراء وهيئة المستشارين ومستشاري الرئاسات الثلاث والعديد من اللجان في مجلس النواب ومجلس الوزراء...، لينتظر العراقيون عقدا آخر... لاستحداث مجلس جديد للتخطيط أو التنمية الاقتصادية أو الخدمات أو... وهكذا.

6- في الفصل الثاني المادة الثالثة أولا مما يقوم به المجلس " تهيئة وتصميم وتنفيذ وتسهيل وإدارة والأشراف على مشاريع المجلس وتحديد أولوياتها والتعاقد عليها وإحالتها الى التنفيذ والتشغيل مباشرة أو بالتنسيق..." في هذا النص تعدى المجلس كونه سلطة مالية موازية بل أصبح دولة موازية. ماذا تعمل الوزارات القطاعية إذن، وهل سيتولى، مثلا، المسؤولية المباشرة عن تشغيل محطات الكهرباء والمصافي ومصانع البتروكيمياويات... والمدن الصناعية... بعد إنجاز المشاريع. وبالإشارة الى رابعا، من المادة اولا، كيف يتحمل مسؤولية تشغيل شركات القطاع الخاص التي تؤسس على مشاريعه المدرجة في الموازنة المفترضة للمجلس والتي تمول بالكيفية المبينة آنفا.

7- في نفس الفصل والمادة المهام الواردة من ثانيا الى تاسعا كلها واجبات فرضها الدستور والقوانين على مجلس الوزراء والوزارات ودوائر معروفة لماذا لا تؤدى بالأجهزة القائمة وهي كثيرة. ولا بد من الإيضاح بأية صفة يقوم المجلس بهذه المهام بديلا عن مجلس الوزراء أم بصفة استشارية إن كان بديلا عن مجلس الوزراء لماذا، وإذا بصفة استشارية فما أكثرها دوائر التخطيط والدراسات ومراكز الأبحاث وهيئة المستشارين ووزارتي التخطيط والمالية... وغيرها. الأفضل أن جميع وزارات ودوائر الدولة تؤدي واجباتها بموجب تكليفها القانوني وصلاحيتها، وهو المقصود بالإصلاح الذي وعدت به الأحزاب والحكومات وليس نفض اليد مما هو قائم والتعويل على مستحدث جديد. كانت الكثير من الأفكار المتداولة في دوائر القرار او قريبا منها مع تشذيب وتهذيب، هنا وهناك، وليس التوسع الأفقي في قمة الهرم الاداري. المطلوب استيعاب منتسبي أجهزة الدولة، لكافة مستوياتها ووظائفها، وتشغيلهم بكفاءة أعلى وبعدد أقل من مناصب الدرجات الخاصة لتركيز الجهود والخبرات وتحديد المسؤولية. أما استحداث أجهزة ودوائر جديدة فهو مناقض لشعارات الاصلاح بالصميم.

8- الفصل الثالث، المادة الرابعة، تشكيلات المجلس: المدير التنفيذي بدرجة وزير وهو نائب رئيس المجلس الذي هو رئيس الوزراء. وأعضاء في المجلس ثلاثة وزراء، المالية والتخطيط والنفط وأمين عام مجلس الوزراء، و" خمسة أعضاء من القطاع الخاص...". على أي اساس من العرف أو التقليد أو المبادئ التي يُحتَكم اليها في الوظائف السيادية أن يكون في المجلس أعضاء من القطاع الخاص !، فالمجلس سلطة عليا وسياسية بطبيعته. فكيف يشارك أفراد من القطاع الخاص في هذه السلطة، هي حكومية بالتعريف. وهل يجوز لرئيس الوزراء إدارة مجلس نصف أعضائه من القطاع الخاص، وما معنى قراراته في هذه الحالة. يمكن ان يقال خبراء وحسب، أو أعضاء لا يشغلون عملا في الحكومة أو الأجهزة التابعة للدولة، أما تسميتهم من القطاع الخاص قطعا هذا لا يجوز، فضلا عن دلالاته الأخرى والتي تنطوي على الكثير من الاشكالات.

9- في نفس المسألة آنفا، المدير التنفيذي بدرجة وزير، يرأس وزراء. عادة الوزير يرأسه نائب لرئيس الوزراء إن لم يكن رئيس الوزراء، ويمكن أن يرأس الوزير وزراء آخرين بحكم الاختصاص، مثلا لجنة وزارية مختصة بشأن أصلا هو لوزارة المالية أو التخطيط في هذه الحالة يجوز لوزير المالية أو التخطيط رئاسة تلك اللجنة بحكم الاختصاص. أما موظف بدرجة وزير يرأس وزراء فهو خطأ، وربما يقال هذا اهتمام بالشكليات ومتى لم تكن الشكليات مهمة في الدولة. وأيضا المدير التنفيذي يعين من مجلس الوزراء ثم يصدر مرسوم جمهوري لإقرار التعيين، وهذا خطأ آخر كيف لشاغل موقع يرأس وزراء لا يصادق مجلس النواب على تعيينه. لماذا إذن الانتخابات وما معنى الديمقراطية وهذا التطاحن بين الأحزاب.

بموجب القانون المقترح تنتقل الى "مجلس الإعمار" جميع واجبات الدوائر المختصة بالاستثمار الحكومي وبصلاحيات أوسع للمشاريع التي يضطلع بها. ويتعين، عند احترام نصوص القانون، تشكيل دوائر جديدة متكاملة ما يضيف أعباء مالية ليست ضرورية. في حين يحتاج العراق الى خفض تكاليف الإدارة الحكومية؛ والمنتظر من مجلس الوزراء المباشرة بتطوير كافة منظومات العمل على مفردات المنهاج الاستثماري بدلا من تأسيس نسخة أخرى للقيام بجزء من مهام المنهاج. ويركز القانون على المشاريع الكبرى، إن لم يقتصر عليها، لكن معالجة عجز البنى التحتية ليست دائما بمشاريع تكاليفها أكثر من 250 مليار دينار، بل أكثرها صغيرة: مدرسة؛ مركز صحي؛ ملحق لبناية جامعة؛ شبكة صرف صحي جزئية أو لمدينة صغيرة؛ تعبيد طريق بكلفة لا تزيد عن 25 مليار دينار؛ دائرة حكومية؛ والبرامج الاستثمارية الكبرى تجزأ عادة مثل شبكات الأرواء والمبازل... وغيرها.

كان الأمل في الاهتمام بحقائق الواقع، والمبادرة بفحص حلقات الاستثمار الحكومي وتنظيفها من ركام السنين وسموم النزاع على السلطة والشراهة، ومعها دوائر عقود التجهيزات، وليس تشكيل حكومة موازية. استحداث وحدات الرقابة الهندسية-الكلفوية على المشاريع وليس مجلس إعمار. تكوين شركات متكاملة هندسيا، إداريا، ماليا، ذات إمكانات كبيرة واضحة تنتشر على كافة محافظات العراق، شركات كبرى متخصصة في البناء والأنشاء وتطوير البنى التحتية. اثنان أو ثلاثة من هذه الشركات لبناء المدارس تتشرف بها الحكومة أمام شعبها وترضي الوجدان النزيه. واخرى مثلها للصرف الصحي؛ وللطرق والجسور... وغيرها في بقية البنى التحتية، دون الاستجابة الى مقترحات مثل تشكيل مجلس إعمار.

في النفط والغاز، عماد الاقتصاد والموازنة والعملة الصعبة، تعمل على خفض التكاليف، تكاليف التطوير والاستخراج. تتأكد من تكاليف مشاريع الكهرباء وتصفية النفط والعديد من المشاريع التي انفقت عليها مبالغ طائلة، تتأكد ليس بمنطق إسقاط الفرض بل لاكتشاف الخلل لأنه موجود وتصحّح وتُغّير وتُطوّر لبناء الثقة المفقودة. وليس استحداث مجلس إعمار، الا يكفي مجلس الوزراء ودوائره بهذه الضخامة ومن يضمن ان المجلس المستحدث الذي ينوب عن الوزارات والدوائر سيعمل بطريقة أفضل.

لماذا تركت الحكومة الشُعَب والأقسام والمديريات التي زاولت إعداد المشاريع ومواصفاتها وتصاميمها وإدارة تنفيذها وراحت تستحدث جهازا جديدا. بدلا من هذا المجلس كان الأولى تشكيل فرق عمل مؤهلة بشرف المقاصد وعلو الهمة تعمل مع الدوائر لإعادة تنظيمها ومنهجيات إدارة عملياتها، وعلى مستوى المديرية العامة لأنها الوحدة الأساسية لنظام الدولة، وليس هناك في الغرف المجاورة لمكاتب الرؤساء، هذا هو الحل، وبخلاف العمل على بناء أجهزة دولة فعالة لا أمل في تنمية اقتصادية جادة.

المتوقع من وزارة التخطيط الحفاظ على وحدة نظام الاستثمار العام، هذا واجبها، لأنها مبدئيا مسؤولة عن تنمية الاقتصاد على المستوى الكلي، وإلاّ ما معنى خطة التنمية القومية، فلماذا ترضى أن تسلب منها أهم أدواتها المتمثلة بالبرنامج الاستثماري. وزارة المالية عادة تؤكد وحدة النظام المالي للدولة، ومبدئيا المطلوب منها الاّ توافق حتى على نظام الموازنتين ناهيك عن هذه الترتيبات الغامضة. لأن الدولة تعمل بمبدأ التدقيق والموازنة Check and Balance إلى جانب التخصص وتقسيم العمل. وزارة التخطيط لا تعترض على تجزئة المنهاج الاستثماري! ووزارة المالية المسؤولة عن التوازن المالي لا يهمها أن تؤخذ "نسبة من الإيرادات" وإضافة أخرى عليها كي يتصرف بها جهاز موازي للتخطيط والمالية ومجلس الوزراء وكثير من الدوائر الأخرى على ضخامة نفقاتها ودرجات مسؤوليها!.

ونستكمل في هذه الحلقة ملاحظات على بعض الفقرات:

1- في الفصل الرابع، مهام المجلس، رابعا وخامسا: "توفير تمويل أو ضمانات تمويل أو تسهيلات مالية للمشاريع المشمولة بأحكامه بالتنسيق مع المؤسسات المالية العراقية والأجنبية"؛"... ضمان سيادي بموافقة مجلس الوزراء ". هذا يعني ان المجلس سوف يقترض لتمويل المشاريع وهي سياسة خطرة لأن وحدة إدارة الدين الحكومي ضرورية وتتولاها وزارة المالية. وهي ثغرة أخرى، يأخذ المجلس نسبة من الموازنة العامة ومخصصات المشاريع التي يريد تنفيذها من المنهاج الاستثماري ثم يقترض. إن عجز الموازنة العامة واضح وسوف يتسع في المستقبل القريب لأن السياسة التي تقود نحو حل جذري لم تبدأ بعد. والاقتراض يضيف مشكلات جمة. المفترض تركيز الحكومة على خفض التكاليف عموما والاقتراض يكون من خلال الموازنة العامة فقط.

2- يبدو ان المشكلة الأساسية لم تكن ضاغطة في الدوائر العليا، العجز المزدوج منه فعلي ومنه محتمل، ولغة قانون مجلس الإعمار واهتماماته بعيدة عن حل المشكلة.

3- ليعلم الجميع، الرأي والرأي الآخر هذا في الحوار، وفي الواقع العملي لا توجد العديد من السبل للنهوض بالاقتصاد العراقي. وعلى الأغلب قد توجد رزمة سياسات واحدة ربما تؤدي الى نجاح، ولذلك يقتضي الواجب التحري المضني عن الحل. بين عامي 1980 و2016 فقط ست دول نامية استطاعت اجتياز عتبة 50% من متوسط الناتج المحلي الأمريكي للفرد، فلا يغركم هذا الإنشاء المرسل، فالمهمة في غاية الصعوبة، ولا بد من الانتباه جيدا لخطورة إقصاء الراي الآخر، على قصد أو دونه، فقد يكون في هذا الرأي المزعج، وهو عادة لا يأتي من ذوي الصلة الوثيقة بالرؤساء، خير للعراق وشعبه.

4- في المادة الثامنة من الفصل الرابع "للمجلس صلاحيات هيئة الاستثمار الوطنية..." وهيئة الاستثمار الوطنية باقية؛ وقد أخذ المجلس، أيضا، الصلاحيات المتعلقة بالمنهاج الاستثماري لجميع مراحل إعداد وتنفيذ المشاريع وأضاف اليها تشغيلها، في تعريف الأهداف. الأفضل إدماج هيئة الاستثمار بوزارة التخطيط وتطوير جذري لنظام المنهاج الاستثماري وتقوية وزارة التخطيط وإجراءات أخرى معروفة... وهكذا. المشكلة ان المسؤولين في غالبيتهم ومستشاريهم ومساعديهم بدأوا عملهم في مواقع القيادة العليا وتصوراتهم عن عمل دوائر الدولة وإدارة عملياتها أسطورية.

5- في الفصل العاشر، المادة العاشرة، سادسا: " توزع أرباح الأسهم المملوكة للمجلس في مشاريعه للمواطنين... وخلال مدة..."، وفي 19 من الفصل الخامس " توزع الأرباح المتحققة من مشاريع المجلس على المواطنين العراقيين وفقا لنظام يصدره المجلس". هي ارباح لمنشآت عامة تعامل مثل غيرها، لماذا هذا الاستثناء. ثم هل ان أموال الموازنة العامة ليست للمواطنين!!. وكم ستكون هذه الأرباح في تقدير المشرع، وأغلبها على الظاهر بنى تحتية تقدم خدماتها مجانا لكل الناس، اما التي تبيع سلعا وخدمات على اسس تجارية لنفترض ان مجموع رأسمالها أصبح 20 مليار دولار بعد عشر سنوات، وليكن العائد على راس المال 15%، فماذا يعني توزيع ثلاثة مليار دولار على 50 مليون مواطن. وايضا، اين وحدة النظام المالي، والضبط المالي، وأين وزارة المالية من هذا كله.

6- في سابعا لنفس الفصل والمادة ذكر القانون أساليب للتعاقد " اسلوب التشييد والتشغيل ونقل الملكية(BOT) او اسلوب التشييد والتملك والتشغيل ونقل الملكية (BOOT)”، تفترض تلك العقود ان المشاريع تؤسس أنشطة تبيع خدماتها للمواطنين لاسترداد نفقاتها والعوائد المطلوبة على راس المال من تلك الإيرادات، مدة الامتياز، وفي النهاية تعود للدولة. وفي المشاريع التي تقدم خدماتها مجانا تدفع الدولة الى صاحب المشروع مبالغ يتفق عليها للانتفاع من خدمات المشروع، في مثل هذه الحالة يكون التعاقد مكافئا لاقتراض بعيد الأمد يسدد عبر المدفوعات السنوية، الإيجار، او أقيام الخدمات المقدمة للمنتفعين مجانا. والأفضل، ايضا، ان تندرج هذه في قوام الإدارة الاقتصادية والمالية الاعتيادية دون أن توكل لتدابير استثنائية. نعم، يقال ان الوزارات والدوائر تتردد، لا تريد تحمل مسؤولية تعاقدات من هذا الطراز، الحل بسيط، يشارك مجلس الوزراء الدوائر المعنية هذه المسؤولية. او يخشى مجلس الوزراء خروقات الفساد لنعود الى نقطة البدء ولماذا الهروب من مهمة إغلاق منافذ الفساد في دوائر وإجراءات التعاقد عبر إعادة الهيكلة.

7- المادة 13، ثالثا، " يدير كل مكتب... مدير ذو خبرة وكفاءة عاليتين بمستويات عالمية وإجادة إحدى اللغات الحية... " والمقصود بهذا خريجي الجامعات الأجنبية وعندما تضاف الخبرة الى الكفاءة بمستويات عالمية فهم عادة، الذين لديهم تجربة عمل، مدّعاة، في مكان آخر من العالم فهي خبرة "عالمية"... وفي عصرنا هذا ثمة مقاييس للرصانة المهنية هي التي تُعتمد دون التحيز الثقافي المسبق لأنه معيب. فلا توجد هندسة عراقية وأخرى عالمية او فيزياء أو محاسبة عراقية وأخرى دولية. من الضروري التحرر من الأحكام المسبقة وأن تأخذ المعايير المستقلة، عن التحيز الذاتي والنشأة الثقافية، مجراها. ان التحيز يضيّع على الأنسان فرص الوصول الى الحقيقة، إن كانت هي ما يبتغيه. ويتكرر هذا المنحى في سابعا من المادة 14 "اعتماد أنظمة عالمية رصينة لقياس الأداء والتعاقد مع الجهات المختصة بالتقويم والتحقق والتحقيق من غير الجهات الرسمية" هذه المقصود بها أيضا جهات أجنبية. وفي ثانيا من المادة 17 " للمجلس الاستعانة بشركات محاسبة وتدقيق عالمية... وهكذا. التنمية ليست تكديس كونكريت على الأرض، إنما الارتقاء بالمهنية العراقية، وتكوين شركات ومنظمات ودوائر عراقية تنهض بالعراق، التطور لا يشترى من الأجانب لأن المجتمع هو الذي يتطور، أما الحفاظ على صورة المجتمع المسكين يشتري التنمية من الأجانب بدولارات النفط، هذه مشكلة كبيرة.

المادة 14، خامسا إعداد موازنة استثمارية لأدراجها ضمن الموازنة العامة، وهذه تحتاج تنسيق مع المادة الأولى رابعا. وفي خامسا من المادة 14 إعداد موازنة تشغيلية، وحسب، دون الاشارة الى الموازنة العامة.

8- اختصت المواد 22 و23 من الأحكام الختامية بتهيئة الأرض لمشاريع المجلس بلهجة حازمة، ومشكلة الأرض تعترض اغلب المشاريع الاستثمارية. والمطلوب إنهاء هذه المشكلة جذريا، وليس لمشاريع المجلس فقط. ثمة حاجة ماسة لقواعد عامة تحكم استخدام الأرض والتصرف بالأرض الحكومية. وتلك مشكلة قديمة ومؤجلة، مثل هذا الحماس من مجلس الوزراء مطلوب لجميع مشاريع المنهاج الاستثماري. وايضا، لقد تأخرت الجهات المعنية عن إعادة تصميم المدن ضمن نطاق توسعها المحتمل لاستيعاب الواقع القائم ومعالجة ما لا يمكن استيعابه. إن إعادة التصاميم والتسوية العادلة للتجاوز على حقوق الملكية ضرورية، إلى جانب إنصاف الضعفاء وحل مشكلة السكن للفقراء هذه متلازمات. ومن الممكن وخلال مدة لا تزيد على سنتين إعادة تصميم المدن وانهاء التجاوزات بعقلانية وعدالة. والحرص على كل ما هو مشيد على الأرض لأنه ثروة وطنية، ولا بد من المبادرة بتكييف القوانين والضوابط لأجل المعالجة العادلة والحريصة على المصلحة العامة. لا تزال العديد من دوائر الحكومة وكأنها روبوتات تشتغل على برامج قديمة لم تتغير من عشرات السنين. والحل ليس تركها على حالها وبناء مدينة فاضلة على جزء من الدولة، هذه الانتقائية ليست لمجلس الوزراء.

الأسباب الموجبة للقانون هي واجبات الحكومة والوزارات المركزية، التخطيط والمالية، والوزارات القطاعية. وان وجد مجلس الوزراء عدم استطاعته فعلا المباشرة بمعالجة الخلل في أجهزة الدولة كي تؤدي واجباتها، فالحل لا يكون في "مجلس الإعمار". المطلوب إعادة تنظيم أجهزة الدولة للارتقاء بالأداء. وإذا كانت قناعة مجلس الوزراء انه لا يستطيع إدارة الاستثمار الحكومي بالترتيبات الحالية فيمكنه تشذيب دوائره بما في ذلك اللجنة الاقتصادية، وإذا تيقن فعلا من وجوب استحداث آليات عمل جديدة فلتكن لكل البرنامج الاستثماري، ووفق تراتبية السلطة التنفيذية ذاتها، وليس عبر سلطة موازية.

وأشهد ان إعادة العمل بنظام مجلس التخطيط وهيئته التوجيهية أفضل بكثير من " مجلس الإعمار"، إذا تأكدت الحاجة، عند الحكومة ومجلس النواب، الى منظومة إضافية. كما يمكن استثناء مشاريع معينة من ضوابط وتعليمات التنفيذ، أو مركزة بعض الصلاحيات. أما هذا المجلس فلا ينفع في إصلاح ولا يحقق للحكومة مكاسب سياسية سوى لمدة قصيرة، لأن الناس اعتادت على الانبهار باللغة والتعلق بالأوهام، والتي سرعان ما تزول فتكون صافي النتيجة فقدان الثقة.

لا أستبعد موافقة مجلس النواب على القانون، وإن لم يوافق فليس للأسباب التي بينتها في هذه الحلقة والأولى. الأحزاب السياسية، والزعماء المعروفين، يتحملون المسؤولية في نظر الناس عن الخلل او عدم الاهتمام بمعالجته. ولحد الآن يعجز أكثر العراقيين عن معرفة المنظومة الفعلية لأحكامهم المعيارية في الدولة وإدارة شؤون العراق، على ماذا يتفقون ولماذا يختصمون.

* الدكتور أحمد ابريهي علي، نائب محافظ البنك المركزي العراقي سابقا
مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2019
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0