بقلم: ريكاردو هوسمان

كمبريدج ــ إذا فرغ أحد إطارات سيارتك من الهواء فاستوى على الأرض فإن هذا لا يعني أنك ستجد الثقب في الجزء الملامس للأرض. وبوسعنا أن نقول الشيء نفسه عن أسواق العمل. يعمل القلق بشأن ندرة الوظائف الجيدة على تغذية الاهتمام بأشكال التدخلات في سوق العمل مثل مراكز التوظيف التي تضاهي بين العمال والوظائف الشاغرة، وخدمات التدريب لتحسين مهارات العاطلين عن العمل، وإعانات الأجور المؤقتة، وما إلى ذلك. ولأن توفير المزيد من العمال بسرعة أكبر للوظائف الجيدة يُعَد هدفا سياسيا مهما، فإن بعض البلدان تعمل على إنشاء ما يسمى وحدات التسليم في مكتب الرئيس أو رئيس الوزراء للتركيز على كيفية تحقيق هذه الغاية. لكن كما هي الحال مع الإطار المفرغ من الهواء، فإن ندرة الوظائف لا تعني أن سوق العمل هي المشكلة. وإليكم السبب.

يستلزم الإنتاج توفر العديد من المدخلات: العمالة التي تملك مجموعات مختلفة من المهارات، والمواد الخام، والمدخلات الوسيطة، والمباني، والآلات، والطاقة، والنقل، والتمويل، والقواعد وآليات تطبيقها، والأمن، وما إلى ذلك. ويمكن شراء بعض هذه المدخلات من موردين محليين. ويمكن استيراد بعضها الآخر (على افتراض أن الدولة لديها ما يكفي من النقد الأجنبي لتغطية تكاليفها). وتوفر الحكومة بعض المدخلات، مثل البنية الأساسية والقواعد.

تكمل كل هذه المدخلات ــ ولا تحل محل ــ بعضها بعضا. فالقهوة والسكر يكمل كل منهما الآخر؛ أما القهوة والشاي فكل منهما بديل للآخر. وكلما تناولت المزيد من القهوة، زاد احتياجك إلى السكر ــ ولكن كلما قل استهلاكك للشاي. على نحو مماثل، تعمل الآلات على نحو أفضل إذا جرى تزويدها بالمواد الخام اللازمة، وقطع الغيار، والكهرباء، والعمال المهرة. وعلى هذا فإذا لم تكن الكهرباء متوفرة في المنطقة أو إذا كان القدر المتاح من النقد الأجنبي لشراء المدخلات المستوردة ضئيلا للغاية، فلن يتسنى حل المشكلة عن طريق الاستعاضة عن المدخلات الناقصة بالمزيد من الآلات أو المزيد من العمال.

كما تعني التكاملية أن بعض المدخلات تميل إلى النفاد قبل الأخرى. وعندما يحدث هذا تزداد الرغبة في الدفع مقابل المدخلات الأقل توفرا نسبيا ــ ولنعتبر هذا القيد الملزم ــ لأنها تعطل كل شيء آخر، في حين تتضاءل الرغبة في الدفع مقابل المدخلات الأخرى، لأنها لا يمكن استخدامها بفعالية، نظرا للقيد الملزم. فإذا لم يتوفر السكر، فإن رغبتك في الدفع مقابل القهوة تتناقص.

يبدو هذا مماثلا إلى حد مخيف لمشكلة الوظائف التي تشكو منها دول عديدة: فهناك عدد من العمال أكبر من عدد الوظائف الشاغرة، والأجور رديئة للغاية. وهذا دليل واضح على أن القيد الملزم ليس سوق العمل. فالوظائف الرديئة هي العَرَض وليس المرض. لابد إذا أن يكون الجاني شيئا آخر ــ على وجه التحديد، واحد أو أكثر من العناصر المكملة الناقصة والتي تؤثر على خلق فرص العمل من خلال جعل العمالة البشرية أقل إنتاجية.

في العديد من البلدان، ربما يكون ارتفاع تكلفة النقل والطاقة واللوجستيات وعدم القدرة على التعويل عليها، أو النقص الشديد في التمويل، كافيا لتفسير ندرة الوظائف الجيدة. ويُعَد نقص النقد الأجنبي سببا للمشكلة يُستَخَف به عادة. فالشركات تعجز عن زيادة إنتاجها لأنها لا تستطيع الحصول على المواد الخام المستوردة، والمدخلات الوسيطة، وقطع الغيار، والمعدات اللازمة لتوسيع الإنتاج. وتنشأ هذه المشكلة عندما لا تحدد الشركات على الوجه الصحيح ما يمكن إنتاجه بشكل تنافسي في الداخل ويمكن بيعه في الخارج. وربما تتعرقل الأنشطة الموجهة للتصدير بفِعل قيودها الملزمة.

عندما تُزال القيود المفروضة على النقد الأجنبي ــ ولنقل بسبب ارتفاع أسعار السلع الأساسية أو توفر المزيد من التمويل الخارجي المتاح، كما حدث في كثير من بلدان أفريقيا وأميركا اللاتينية في الفترة من 2004 إلى 2014 ــ تحقق الدول نموا أسرع وتشكو من نقص المهارات، وليس نقص الوظائف. ولكن عندما يتحول المد، تعود مشكلة الوظائف إلى الظهور، لأن التخفيضات اللازمة في الواردات تتسبب في تقويض الطلب على العمال. وفي بلدان مثل سريلانكا وأثيوبيا ونيجيريا وفنزويلا، يمكن توفير العديد من الوظائف الإضافية إذا أتيح المزيد من النقد الأجنبي.

لكن في بعض الأحيان، يكون الثقب في الإطار قريبا حقا من الجزء الملامس للأرض. فربما تكمن المشكلة في قواعد وأنظمة سوق العمل وسبل تطبيقها، أو في علاقات العمل المتناقضة. فالحد الأدنى المفرط للأجور، كما هي الحال في كولومبيا وجنوب أفريقيا، يعمل على توليد نقص في الوظائف الرسمية وارتفاع الأنشطة غير الرسمية. وهنا يكمن الحل الأنسب في الإعفاء من ضريبة الدخل المكتسب، والذي يعوض العمال عن أجورهم المنخفضة.

على نحو مماثل، تعرض بلدان مثل الأرجنتين وجنوب أفريقيا اتفاقيات مساومة جماعية على جميع الشركات في صناعة ما، وهو ما من شأنه أن يخلق مشاكل حادة للمناطق المتأخرة التي لا تستطيع تحمل الشروط المتفق عليها في الأجزاء الأكثر تطورا من البلاد. أو ربما يتسبب عدم كفاية التأمين الاجتماعي في جعل التوظيف الرسمي محفوفا بالمخاطر بالنسبة للعمال، فيؤدي هذا إلى حصرهم في أنشطة تقليدية أقل إنتاجية لكنها أكثر أمانا.

ينشأ نمط مختلف من مشاكل سوق العمل بسبب التكامل بين العمال من ذوي المهارات المختلفة، وهي الظاهرة التي قام فرانك نيفكي من جامعة هارفارد بدراستها مؤخرا. فإذا لم يتوفر طبيب جراح، فلن يكون طبيب التخدير أكثر فعالية من مُحاضِر رديء: فهو لا يستطيع القيام بأي شيء غير تخدير الناس. ولكن في غياب طبيب التخدير، يصبح من غير الممكن إجراء أي عملية. يتطلب الإنتاج الحديث أن تعمل الشركات على الجمع بين مجموعات عديدة من المهارات المختلفة. وقد يتسبب التكامل الناتج عن ذلك في مختلف المهن في إحداث حالة من ندرة الطلب على مجموعة بعينها من المهارات لأن المعروض من المجموعات الأخرى ناقص. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك مرة أخرى جنوب أفريقيا، حيث يتجاوز معدل البطالة بين أولئك الذين لم يتلقوا تعليما جامعيا 30%، مقارنة بالمعدلات المنخفضة بين أولئك الذين يحملون شهادة جامعية.

في هذه المواقف، يركز صناع السياسات غالبا على التعليم أو التدريب. لكن الاستراتيجية الأكثر ملاءمة تتلخص ببساطة في الهجرة. إن أغلب البلدان النامية تفرض سياسات شديدة التقييد في التعامل مع الهجرة، ومنحازة بشكل خاص ضد العمال من ذوي المهارات العالية. على سبيل المثال، في بنما، يستطيع المواطنون فقط التدريس في جامعة عامة. وتفرض جنوب أفريقيا ضوابط صارمة على هجرة المهارات العالية، ويجري إنفاذ هذه الضوابط من خلال تصاريح عمل وتأشيرات تقييدية، في حين تعجز عن منع الهجرة غير الرسمية للعمال من ذوي المهارات المنخفضة.

قد تستفيد هذه البلدان وغيرها من محاكاة الأردن. قبل إدخال بعض الإصلاحات مؤخرا، كانت الأردن تجعل الجنسية شرطا للعمل كمهندس. ولكن من خلال تحرير الهجرة، تمكنت الأردن من اجتذاب شركات مثل إكسبيديا، التي يديرها الآن شخصان أجنبيان وتوظف أكثر من 100 مهندس محلي. في غياب الأجانب ما كانت هذه المؤسسة لتظهر إلى الوجود. والدرس هنا واضح: فقد يكون استيراد المهارات التكميلية الناقصة طريقة فعّالة لزيادة الطلب على المهارات المتوفرة لديك.

الواقع أن الحكومات محقة في التركيز على خلق المزيد من فرص العمل الجيدة، لأن العمل مصدر رزق أغلب الناس في أي مجتمع. ولكن في أغلب الحالات، يكمن الحل في مجالات السياسة غير المطواعة التي لا تستجيب للأدوات التي يستخدمها وزراء العمل أو التعليم. وقد أخذ مؤتمر حديث نظمه البنك الدولي على عاتقه الترويج لفكرة تشخيص الوظائف للتوصل إلى الأسباب الحقيقية وراء المشاكل. وحيثما كان موضع الثقب في الإطار فإن المطلوب هو إصلاحه.

* ريكاردو هوسمان، وزير التخطيط السابق لفنزويلا وكبير الاقتصاديين السابق في بنك التنمية للبلدان الأمريكية، ومدير مركز التنمية الدولية بجامعة هارفارد وأستاذ علوم الاقتصاد في كلية هارفارد كينيدي. تم تعيينه مؤخرًا حاكمًا لفنزويلا في بنك التنمية للبلدان الأمريكية من قبل الرئيس المؤقت خوان غوييدو
https://www.project-syndicate.org

............................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0