أحدث ما اطلعت عليه ان سعر نفط برنت لشهر يناير، كانون الثاني، عام 2019 في سوق CME 58.75 دولار للبرميل، ونفط غرب تكساس WTI في نطاق 50 دولار للبرميل. واعتمدت موازنة عام 2019 لتقدير ايرادات النفط 56 دولار للبرميل وبهذا اصبحت تلك الإيرادات عند تقديرها الأقصى بعد هبوط السعر. وللنظر في آفاق المورد النفطي عام 2019 نراجع بيانات تقرير شهر نوفمبر، تشرين الثاني، الصادر عن منظمة OPEC ونلاحظ:

- يقدر مجموع الطلب على النفط عام 2019 في العالم 100.08 مليون برميل في اليوم؛ وفي عام 2018 كان 98.79 مليون برميل في اليوم.

- تصل الزيادة في الطلب على النفط 1.290 مليون برميل في اليوم عام 2019، حسب التنبؤات الحالية، بينما كانت تلك الزيادة 1.500 مليون برميل في اليوم عام 2018.

- تقدر الزيادة في عرض النفط الخام من خارج OPEC 2.230 مليون برميل في اليوم عام 2019، وكانت تلك الزيادة 2.310 مليون برميل في اليوم عام 2018.

- يقدر انتاج النفط الخام من خارج OPEC مضافا اليه الغاز المسيل، بديل النفط الخام، من OPEC 68.540 مليون برميل في اليوم عام 2019 وفي عام 2018 كان 66.200 مليون برميل في اليوم.

- بقية الطلب المتجه الى النفط الخام المنتج من OPEC اعتمادا على البيانات آنفا 31.540 مليون برميل في اليوم عام 2019، بينما كان 32.590 مليون برميل في اليوم عام 2018.

تواجه دول OPEC سوقا اضيق لنفطها لأن الزيادة السنوية في الطلب العالمي لا تتجاوز 1.5 مليون برميل في اليوم، وهي أدنى من زيادة الإنتاج في الدول خارج المنظمة. وفي المجمل يكاد سوق النفط يقترب من فائض مزمن في حدود ما تسمح به دراسة الوقائع الى الآن. وتبقى التكهنات ظنية بطبيعتها، لكن من الضروري ان توليها السلطة المالية عنايتها. ولذا يستنتج ان السوق لا يسمح بالمراهنة على زيادة معتبرة في سعر النفط، ومن المحتمل ان يبقى سعر برنت دون 60 دولار للبرميل وسعر النفط العراقي أدنى منه بهامش متغير.

لقد اعدت موازنة عام 2019 بعجز يزيد على 20 ترليون دينار وعند استبعاد فوائد واقساط الديون الداخلية والخارجية يبقى العجز في حدود سبعة ترليون دينار تقريبا وهو العجز الأساسي.

يمول العجز بالأرصدة النقدية الافتتاحية للموازنة في المصارف وقروض جديدة. ومن المحتمل ازدياد العجز عند هبوط سعر النفط نحو 50 دولار، مع احتمال قصور الإيرادات غير النفطية عن المبلغ المقدر لها وهو 12 ترليون دينار تقريبا.

المخصص لمشاريع الاستثمار 25 بالمائة من الأنفاق المخطط وأكثر من نصف الاستثمار في قطاع النفط والكهرباء، والباقي لا يكفي لأحداث انجازات ملموسة في تقليص عجز البنية التحتية، وتحسين وضع المدينة العراقية، وفي ابنية التعليم ومشاريع الماء والصرف الصحي... وسواها مما ينتظره العراقيون من مدة طويلة.

وسوف لن تجد الحكومة ما يكفي من الوسائل للتغلب على قيود المورد المالي إذا ما بقيت ادارتها ضمن مفردات وثيقة الموازنة المالية العامة، التي هي مرآة للتعثر الاقتصادي. وتتمثل الخطوة الأولى لتجاوز الخلل، والعجز عن الانجاز، في الاستعداد للتعرف بالتفصيل على الكيفيات التي تزاول بها اجهزة الدولة عملياتها.

لقد تحولت الممارسة في المدة الماضية الى ثقافة عمل وقيم ومعايير حاكمة للسلوك، وفقدت منظمات الدولة القدرة الذاتية على التغير ومزاولة ما يؤدي الى تطوير يؤتي ثماره في الاقتصاد ورفاه الشعب، وسيادة القانون، بذكاء ويقظة ضمير، لإقامة العدل وانصاف المظلوم وحماية الحقوق ورعاية الضعفاء.

ان الانشغال في حذف بعض النفقات على حساب الأداء والمناقلات بين المواد والأبواب قد لا تفلح، هذه المرة، في تأجيل المواجهة الحتمية مع الحقيقة. ومن الأفضل ان يتحمل مجلس الوزراء والسلطة التشريعية المسؤولية كاملة والمباشرة الفورية لإعادة تصميم انظمة العمليات في كافة خلايا الدولة.

ان اقسام ودوائر عقود التجهيزات والمشتريات الحكومية والمشاريع الاستثمارية بحاجة ماسة الى اعادة بناء على اسس اخرى. ولا بد ان يتخذ مجلس الوزراء خطوات لتشكيل شركات في القطاع الخاص والعام قادرة على استكمال وتطوير البنية التحتية، وعدم السماح بمواصلة هدر المال العام بالطريقة التي لم تعد ملائمة باي حال. وايضا، من الضروي استحداث وحدات الرقابة عالية التخصص والتأهيل لإنهاء التجاوزات في التجهيزات الحكومية وتصاميم ومواصفات المشاريع، وللسيطرة على التكاليف وخفضها على نحو منتظم، والارتقاء بالكفاءة دائما لأنها المورد الأول والذي لا يعوض كما دلت على ذلك دراسة تجربة العالم في التقدم منذ بداية القرن الثامن عشر. وهذه مطالب ممكنة بشرط الإخلاص للحقيقة وترسيخ مبادئ التعامل مع الشأن العام بشرف ونبل، وادانة ميول الانتهازية والارتزاق والاحتراف السياسي المشين.

لا بد من مركزية في المسؤولية يزاولها مجلس الوزراء ومجلس النواب وتأكيد وحدة نظام الدولة ومغادرة فوضى التفكير والخطاب الى وضوح واتساق يتناسب مع متطلبات النهوض الشامل. ويشار هنا الى السياسة الاقتصادية المبعثرة في وثائق شتى لا يجتمع فحواها نظاميا في اذهان شاغلي المواقع القيادية. وقد دلت التجربة بان الاستراتيجيات، والخطط والسياسات، تبقى بلا مضمون ما لم ترتبط وثيقا بإدارة وتنظيم العمل الحكومي، وان يكون هذا الارتباط ماثلا مؤثرا في نشاط الوزراء ورئيسهم ومجلس النواب.

لماذا هذا الانفصام بين توليد الدخل وتوزيعه ومراكمة الثروات، من جهة، والضرائب والمساعي التي تحاولها الإدارة المالية لتنمية الإيرادات، من جهة ثانية، بحجج لم تعد مقبولة. وفي جانب النفقات اين الأولويات مع اتساع عجز الأبنية التحتية وتأجيل المباشرة بالتصنيع وسواها مما يقوم عليه حاضر ومستقبل الأجيال. وهل من المناسب للعراق عدم التزام سياسة استثمار عام واضحة وحاسمة. وما معنى استمرار الجدل حول ادارة العملة الأجنبية وسعر الصرف وسوق الصرف ودور المصارف والإئتمان... لسنوات طويلة في دوران يعود دائما الى لحظة البدء.

الوثائق المكتوبة بلغة رنانة ليست هي التي تتخذ القرار بل ذوي الصلاحيات والنفوذ وشاغلي المواقع القيادية، والمؤسسات ليست موجودة بعيدا هناك إنما هي القيم وقواعد العمل الحاضرة في اذهانهم والحاكمة لوجدانهم، فعليهم ان يكتشفوا بأنفسهم طريق النجاح.

إذا ارادت التشكيلة الحاكمة، ومن معهم في قيادة الجهاز البيروقراطي، شحذ الهمم من اجل التنمية والازدهار، فعليهم مفاجأة الشعب بإجراءات تعزز الثقة بإمكانية النزاهة والكفاءة والتطور. وذلك يقتضي اولا اثبات ان الدولة ليست غنيمة بل هي فرصة لخدمة الناس، والسياسة ليست حرفة مثل التجارة... بدليل... ليبدأ العراق مرحلة جديدة فعلا.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2018
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0