لا تحتاج الحكومة الى الانخراط مع القطاع الخاص في تفاصيل الاف المشاريع الصغيرة، انما رعاية القليل من الصناعات التحويلية الكبرى التي تساعد على ما يسمى الخرق البنيوي للاقتصاد العراقي. وعلى وفق هذا المنهج تتعاون الدوائر المختصة للحكومة وخبرائها مع القطاع الخاص من الإعداد الاولي للمشروع...

لقد تبين وانسجاما مع المسار الممكن والأفضل للنمو، كما اشير الى ذلك في مقالات سابقة، ان العراق لا خيار امامه سوى المباشرة بالتصنيع الذي يتجه للتصدير، وان ترتكز التنمية الاقتصادية على هذه العملية كي يمكن بناء قاعدة انتاج سلعي عريضة بموازاة النفط الخام.

وبخلاف ذلك يقترب العراق أكثر فأكثر نحو قيد ميزان المدفوعات الخارجية، أي قيد المصدر الوحيد للعملة الاجنبية (1). ومن جهة اخرى يصعب تدبير ايرادات اضافية لتمويل توسع الانفاق الحكومي ما لم ينجح العراق في وضع الاقتصاد الوطني على المسار المذكور آنفا. ولأن ازمة عجز البناء التحتي والخدمات العامة صارت ضاغطة، سياسيا واجتماعيا، فكيف تستطيع الحكومة المباشرة بالتصنيع وفي نفس الوقت تخصيص موارد كافية لاستكمال المشاريع المطلوبة للكهرباء والمدارس... والطرق... وغيرها. ولقد سبقت الإشارة الى مقدمات الإجابة على هذا السؤال وخلاصتها ان التنمية الحقيقية تتطلب ادارة لكل الاقتصاد بآليات خلق موارد اضافية بصفة مستمرة وتوظيفها بكفاءة، أي بتكاليف اقل لتحقيق نفس الإنجازات.

ويشمل البرنامج الاستثماري الحكومي، حتى في وضعه الحالي، النفط والغاز وبعض الصناعات المرتبطة بهما، وثمة صناعات تحويلية اخرى تقوم على الهايدروكاربونات تحاول الحكومة التعاقد مع مستثمرين اجانب للقيام بها. وايضا ورغم الموارد المحدودة لوزارة الصناعة إلا ان خيار التصنيع من خلال القطاع العام لم يستبعد رسميا، لكنه لا يجد مساندة من ذوي الكلمة المسموعة في دوائر القرار لطغيان الحكم المسبق بفشل القطاع العام دائما.

والمهم التأكيد على ان نهضة العراق تتوقف على بناء طاقات انتاجية كبيرة وبتقنيات متقدمة في ميادين الانتاج السلعي من غير النفط الخام ومنها الغاز، وتصنيع النفط والغاز مادة اولية لبتروكيمياويات واسمدة وسواها، واقامة صناعات كثيفة الطاقة وهي معروفة ومبينة في دراسات واستراتيجية الطاقة التي اعدت عام 2012.

والى جانب تلك المسارات صناعات تحويلية مستقلة عن النفط والغاز تعتمد التكنولوجيا الأحدث وذات القيمة المضافة العالية، وكثيفة رأس المال، لمعالجة معوقات ضعف القدرة العراقية على التنافس الدولي والمرتبطة بالأجور وسعر الصرف وتكاليف المدخلات المحلية. اما من جهة القطاع الخاص فيمكن بلورة مشاريع كبرى، واعدادها جيدا من الحكومة، ثم مفاوضة القطاع الخاص على التزامها، وربما عبر تأسيسها بصفة شركات مساهمة، بمشاركة او بدون مشاركة اجنبية، بشرط ادارة التأسيس على اكمل وجه وبضمان مقومات النجاح. ولأن هدف التصدير هو الناظم للتصنيع تصبح مهمة تعيين فرص الاستثمار موكوله الى ضمان العائد المقبول على الاستثمار والتشغيل وامكانية التصدير المحسوبة جيدا مسبقا (2).

ولا تحتاج الحكومة الى الانخراط مع القطاع الخاص في تفاصيل الاف المشاريع الصغيرة، انما رعاية القليل من الصناعات التحويلية الكبرى التي تساعد على ما يسمى الخرق البنيوي للاقتصاد العراقي. وعلى وفق هذا المنهج تتعاون الدوائر المختصة للحكومة وخبرائها مع القطاع الخاص من الإعداد الاولي للمشروع ولحين التشغيل. وتستهدف استراتيجيات التنمية الاقتصادية، عادة، تكامل الاقتصاد الوطني، قدر الامكان، وهو بعد آخر لا يتعارض مع التصنيع للتصدير، ومن بين اهم المسارات المثمرة في هذا النسق التوسع في الإنتاج الصناعي لمدخلات التكوين الرأسمالي، لا سيما في انشطة البناء التحتي، وهي كثيرة ومنها جميع مكونات الابنية والإنشاءات، ومشاريع نقل وتوزيع الكهرباء وانظمة مياه الشرب والصرف الصحي وغيرها.

وتمثل الشركة المساهمة أحد ابرز الحلول لمشكلة تمويل المبادرات الاستثمارية، ويتطلع المدخرون العراقيون الى حيازة اسهم نظيفة بعوائد معقولة ومخاطر واطئة، كما ان اسهم الصناعة التحويلية مريحة لضمير المتدين، وليس من الصعب ايجاد السبل المناسبة لمشاركة الصيرفة الاسلامية في هذا المجال الاستثماري الذي ينتظره العراق.

ولقد اتضحت الحاجة الماسة الى تغيير اسس اعداد وادارة تنفيذ الموازنة العامة، بأكملها، وذلك ليس بالمعنى التنظيمي الشكلي بل المضامين. فعند تبني الحكومة لمنظومة معايير جديدة لجميع فقرات الانفاق التشغيلي وبالتزامن مع اصلاح دوائر الدولة قد يمكن انقاذ موارد مالية توجه الى الاستثمار.

اما بشأن البرنامج الاستثماري الحكومي بالذات فلا باس من تكرار المقترحات السابقة بلغة اخرى: أي التطوير الجذري لقدرات العراق على البناء والأعمار ومن بينها الانتفاع من امكانات القطاع العام المتمثلة بشركات في وزارتي الصناعة والاعمار بعد تكييفها، وتعبئة وحدات هندسية للعمل في التنفيذ ضمن تلك الشركات او بتنظيم آخر. وليس من المعقول عدم توظيف الموارد البشرية للقطاع العام، بمعناه الواسع، من اجل التنمية في حين تتحمل الموازنة العامة نفقات الاحتفاظ بأعداد ضخمة من القوى العاملة تستطيع الادارة الذكية والمتعطشة للإنجاز توظيفها. ومن المستبعد ان تواجه هذه الاستراتيجية معارضة ما دامت منطقية ومتسقة وتوكل الى جهات خبيرة.

ولمغادرة المشكلات المزمنة للتعاقد على المشاريع وتنفيذها من الأفضل تجميع وحدات عقود التجهيز والمقاولات وادارة المشاريع في جميع وزارات الدولة والمحافظات وغيرها لتحويلها الى شركات متخصصة في اعداد وتصميم وادارة تنفيذ المشاريع؛ واستحداث وحدات رقابة هندسية وكلفوية لتدقيق اعمال شركات ادارة المشاريع وشركات المقاولات. وإذا ما توجهت لحكومة نحو هذا الإصلاح فسوف تكتشف ان الموارد بمستوياتها الحالية كافية لاستكمال البناء التحتي ومواصلة تطويره.

لا شك بوجود فرص لتمويل بعض مشاريع الطاقة والخدمات بعقود الخدمة طويلة الأمد مع القطاع الخاص او الاجنبي. ولدى القطاع الأُسري الاستعداد للإسهام في تمويل مشاريع مياه الشرب والصرف الصحي عندما يثق بالكفاءة وان التكاليف مضبوطة وسوف ينعم بخدمات جيدة.

وتسهم انطلاقة التصنيع، مع زخم الاستثمار في البناء التحتي، وبشروط الكفاءة والتنظيم الفعال والادارة الماهرة بمجموعها، في تشكّل بيئة جديدة تنبثق عنها قوى ديناميكية تتجاوز نوعيا نقطة الانطلاق. ولا ننسى ان الابتكار التكنولوجي والتنظيمي من اهم روافد التطور في العالم، ولا بد ان يبدا دوره في العراق في جميع مجالات الاستثمار والإنتاج، وليكن القطاع العام حاضنة الأبداع الهادف اقتصاديا وماليا.

لقد حافظ معدل التضخم على معدلات واطئة وهذا مما يشجع على الاقتراض الداخلي للتوسع في الانفاق الحكومي الاستثماري، على جبهتي التصنيع والبناء التحتي دون الخشية من توليد موجات تضخمية. لأن المستوى المنخفض للتضخم يدل على وجود طاقات انتاجية فائضة في المدخلات المحلية للنشاط الإنتاجي والاستثماري، وايضا سوف تراقَب حركة المستوى العام للأسعار ويضبط حجم الانفاق الحكومي والإقتراض الداخلي بالانسجام مع شروط الاستقرار. ويستند تصور امكانية الاقتراض الداخلي ضمن حدود التوازن بين العرض الكلي والطلب الكلي الى تحسن اسعار النفط، بمعنى كفاية العملة الاجنبية لتلبية الطلب الاضافي على المستوردات جراء زيادة الانفاق الحكومي وما ينتج عنه من مضاعفات على الطلب الكلي(3).

وقد يساعد استتباب الوضع الامني على عودة رؤوس اموال عراقية من الخارج او على الاقل، ومع انتعاش الأعمال في البيئة الجديدة، انخفاض استثمار القطاع الخاص العراقي في الدول الاجنبية لتتجه الى الداخل. ويشجع النشاط الاستثماري المرتفع للقطاع الخاص على اجتذاب مستثمرين اجانب.

ومن الضروري ان تتجنب السياسة الاقتصادية الاعفاء الضريبي والإعانات، صريحة او مستترة، لأن أحد اهداف التنمية تطوير مصادر جديدة لتمويل الموازنة العامة. ومن أبرز دلالات الكفاءة في الاقتصاد المعاصر تحمل وحدات النشاط الاقتصادي ضرائب مرتفعة ويتكيف القرار الاستثماري معها.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2018
www.fcdrs.com

..........................................
(1) للكاتب دراسة على موقع البنك المركزي العراقي قسم البحوث والدراسات بعنوان" قيد ميزان المدفوعات والتنمية الاقتصادية" وعالجت الدراسة بيانات التجارة الخارجية للعالم بين 1965 و 2014 وعدد من الدول بمختلف مراحل التطور، ويتضح منها ان نمو الناتج المحلي الإجمالي يبقى دائما ادنى من نمو الصادرات مهاما حاولت الدول تعويض المستوردات. ولذلك إذا تأخر العراق عن التصنيع المتجه للتصدير يكون معدل نمو الاقتصاد في المستقبل ادنى من نمو مورد صادرات النفط، فينحسر الاقتصاد ويختنق.
(2) دراسة اخرى للكاتب مهدت لسيناريو النمو حتى عام 2040 نشرت في العدد الأخير للمجلة العراقية للعلوم الاقتصادية بعنوان "التنويع في الاقتصاد المعتمد على الصادرات النفطية". وقد راجعت تجربة دول مجلس التعاون، اضافة على تحليل تجريبي لنمط تنويع الصادرات مع النمو الاقتصادي لعينة كبيرة من الدول.
(3) يشرح الفصل الأول من كتاب الاقتصاد المالي الدولي والسياسة النقدية للكاتب، نسخة منه على موقع البنك المركزي آنفا، كيف يتحدد الحجم المناسب من الأنفاق الحكومي بالعلاقة مع الطاقة الانتاجية الكلية من جهة وموارد العملة الأجنبية واحتياطيات البنك المركزي من جهة اخرى، وتبعا لذلك يصبح حجم الاقتراض الداخلي المناسب معروفا.

اضف تعليق