مازال الحديث عن مظاهر الاكتناز يأخذ ابعاداً شتى في العراق. فبين الاكتناز العيني كالذهب او الذهب المشغول (المخشلات) والمجوهرات والنفائس الثمينة، وبين الاكتناز بالدينار العراقي الذي يستحوذ على نسبة تقارب ٧٧٪‏ من العملة المصدرة خارج البنك المركزي العراقي فضلاً عن الاكتناز بالعملة الاجنبية.

فان الاقتصاد الوطني يفقد احدى عوامل قوته بتحويل مدخراته التي تؤازر دورتي الدخل والانتاج الى تسربات متعثرة في دورة الدخل او تضعف فرص الانتاج وادامة النشاط الاقتصادي. وهنا يكون الطلب على النقود او اشكال الثروة الشبيهة بالنقود لأغراض التحوط فحسب او تسميته اصطلاحاً -كما يحلوا لي بالطلب على النقد لأغراض اللايقين uncertainty ذلك لأغراض المداخلة النظرية وتقييم دور المخاطر في سلوك الطلب النقدي.

وبناءً على ذلك فقد شهد التاريخ المصرفي العراقي خلال القرن الماضي ظواهر مبادلة الذهب بالعملة الورقية عن طريق وضع الذهب كرهينة عند الصاغة او المرابين لقاء فائدة ربوية. اذ يساعد الطلب على النقود هنا عبر ضمانة الذهب بإخراج النقود الرسمية المكتنزة من دورة التسربات النقدية الى دورة الانفاق وتحريك النشاط الاقتصادي ولكن بأدوات السوق غير قانونية. وبهذا يكون الطلب على النقد لأغراض المعاملات ولكن لدورات دخل غير مكتملة بالضرورة ولا تقود الى التوازن الاقتصادي الحقيقي.

كما شهد التاريخ الاقتصادي الحديث للعراق ولاسيما في ستينيات القرن الماضي الشروع بتأسيس مصرف حكومي سمي بمصرف الرهون/كبديل قانوني ورسمي لظاهرة المرابين وعموم السوق غير القانونية في توفير قروض نقدية مضمونة بالذهب يتولى مصرف الرهون ممارستها في تقديم القروض النقدية لقاء الاحتفاظ بالذهب الذي هو بحوزة المقترض الى حين موعد استحقاق القرض او السداد مقابل فائدة يتقاضاها مصرف الرهون لسد التكاليف التشغيلية وجزء من مخاطر تقلب قيمة الضمانة نفسها من المخشلات او القطع الذهبية المشغولة. ولكن للأسف الشديد الغي المصرف في مطلع سبعينيات القرن الماضي لأسباب اجهلها حقاً. وعلى الرغم من ذلك ظلت المصارف على علاقة شبه مصرفية متبادلة مع الزبائن في تقديم بعض الخدمات. اذ ظلت الصناديق المصرفية او خزائن المصارف الشخصية الحصينة متاحة للمواطنين ويتاح استخدامها داخل كل مصرف ولاسيما الحكومية منها وخصوصاً مصرفي الرافدين والرشيد). ويستطيع المواطن ان يحتفظ بمخشلاته الذهبية وموجوداته الثمينة ووثائقه المهمة في تلك القاصات الحصينة لقاء اجر وبنسبة امان ١٠٠٪‏ لقاء اجر شهري او سنوي مقطوع.

انحسرت هذه الظاهرة الايجابية منذ زمن ليس بالبعيد وكانت تساهم في تقريب المواطن الى اجواء المصرف او البيئة المصرفية وتعريفه بخواصها كمؤسسة قانونية. وبغياب هذه الخدمة الامينة قطعت واحدة من اواصر الصلة بين المواطن والمصرف ككيان يحافظ على ثروة المجتمع واشاعة مناخ من الصلات المباشرة بين الافراد والمصارف.

ختاماً، ادعو البنك المركزي العراقي ان يباشر بدراسة منح اجازة لمصرف عراقي للرهون (لرهن الذهب المشغول لقاء المال النقدي) مما يعزز الائتمان المصرفي ويحول اشباه الثروة المكتنزة الى قوة ضامنة في توليد طلب على النقود لأغراض المعاملات ودعم النشاط الاقتصادي. وعد هذا الامر واحدة من القنوات المؤسسية في القضاء على ظاهرة الاكتناز بأشباه النقود كالذهب وغيره. فضلاً عن تعظيم اجواء الثقة بين المصارف والاهليين باستقبال مخشلاتهم الذهبية وغيرها من النفائس الثمينة في خزائن حصينة لدى المصارف لقاء اجور ميسرة.

مؤكدين في الوقت نفسه اهمية البدء بنشاط شركة ضمان الودائع التي يتطلع اليها الجمهور قريباً للاطمئنان على وديعته المصرفية من مخاطر انكشاف المصارف واخفاقاتها. فضلاً عن كونه يخفض من حالة الطلب على النقد السائل كمكتنزات التي تعد دالة غير مستقرة (شديدة القلق) وعالية الارتباط في تفسير تأثير اللايقين في طلب الافراد على النقد بشكله السائل (الاكتناز) او اشباه النقود، والحيلولة دون زجها بدورة الدخل وحرمان دورة النشاط الاقتصادي الى وقود فاعل مادته النقود.

facebook.com/dr.mudhermohammedsaleh

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0