في هذا الحوار مع رئيسة قسم علوم وتكنولوجيا الأغذية، الأستاذة الدكتورة سكينة طه حسن الأعرجي، نناقش فرص تحويل البحوث إلى مشاريع غذائية قابلة للتطبيق، وتحديات التمويل والتعاون بين الجامعات والمصانع، ودور التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في تحسين الإنتاج وسلامته...
تُختبر قيمة البحث العلمي في الصناعات الغذائية بما يصل إلى مائدة المستهلك؛ منتج آمن، وقيمة غذائية أفضل، وسعر يناسب قدرته الشرائية. غير أن انتقال الفكرة من المختبر إلى خطوط الإنتاج يحتاج إلى شراكة تجمع معرفة الباحث بخبرة المصنّع، وتربط الابتكار بحاجات الناس. وهنا تبرز أهمية توجيه البحوث نحو مشكلات الصناعة، وتطوير منتجات محلية قادرة على كسب ثقة المستهلك والمنافسة في السوق.
في هذا الحوار مع رئيسة قسم علوم وتكنولوجيا الأغذية، الأستاذة الدكتورة سكينة طه حسن الأعرجي، نناقش فرص تحويل البحوث إلى مشاريع غذائية قابلة للتطبيق، وتحديات التمويل والتعاون بين الجامعات والمصانع، ودور التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في تحسين الإنتاج وسلامته. كما نتوقف عند إعداد الطلبة والباحثين للمشاركة في تطوير الصناعة الوطنية، وإيصال أفكارهم إلى واقع العمل والإنتاج.
وعن فرص تحويل المعرفة العلمية إلى منتجات غذائية تلامس احتياجات الناس، كان لنا معها الحوار الآتي:
بدايةً دكتورة، كيف يمكن أن نوضّح أهمية البحث العلمي في تطوير الصناعات الغذائية؟
تكمن أهمية البحث العلمي في تطوير الصناعات الغذائية في قدرته على ربط الابتكار باحتياجات المستهلك الفعلية وتطلعاته المتغيرة، من حيث الجودة والقيمة الغذائية والسلامة والسعر المناسب وسهولة الاستخدام. فمن خلال الدراسات العلمية وتحليل تفضيلات المستهلكين، يمكن تطوير منتجات غذائية تلبي احتياجات فئات المجتمع المختلفة، وتواكب التوجه نحو الغذاء الصحي والآمن والمستدام.
كما يساعد البحث العلمي الشركات على فهم متطلبات السوق، وتطوير منتجات أكثر قبولًا لدى المستهلك، وتقليل مخاطر الاستثمار في منتجات لا تلبي احتياجاته. وعندما تنجح الصناعة في تحويل نتائج البحوث إلى منتجات تلائم المستهلك وتتميز بالجودة والسعر التنافسي، فإنها تحقق قيمة صحية واقتصادية في آنٍ واحد، من خلال زيادة المبيعات، وتعزيز ثقة المستهلك بالمنتج الوطني، ورفع القدرة التنافسية للصناعات الغذائية.
برأيكِ، كيف ينتقل البحث العلمي من كونه دراسة أكاديمية إلى تطبيق فعلي داخل القطاع الغذائي؟
ينتقل البحث العلمي إلى التطبيق الفعلي من خلال ربط نتائجه باحتياجات القطاع الغذائي، وتعزيز التعاون بين الجامعات والمصانع، واختبار الابتكارات وتقييم جدواها الاقتصادية. فمثلًا، يمكن تحويل نتائج دراسة حول مستخلصات النباتات إلى مادة حافظة طبيعية للأغذية، أو تطوير بكتيريا نافعة إلى منتج بروبيوتيك، أو استخدام مخلفات التمور لإنتاج مكونات غذائية غنية بالألياف. وبذلك تتحول النتائج البحثية إلى منتجات وتقنيات قابلة للتسويق، تسهم في تحسين الجودة، وخفض التكاليف، ودعم الاقتصاد الوطني.
ما الدور الذي يؤديه البحث العلمي في تطوير المنتجات الغذائية وتحسين جودتها وسلامتها؟
يؤدي البحث العلمي دورًا محوريًا في تطوير المنتجات الغذائية من خلال تحسين قيمتها الغذائية وخصائصها الحسية، وابتكار منتجات جديدة تلبي احتياجات المستهلك. كما يسهم في تطوير تقنيات التصنيع والحفظ، والكشف عن الملوثات، وإطالة مدة الصلاحية مع الحفاظ على الجودة والسلامة. وبذلك يدعم البحث العلمي إنتاج غذاء أكثر أمانًا وجودة، ويعزز قدرة الصناعات الغذائية على الابتكار والمنافسة في الأسواق.
إلى أي مدى يمكن للبحث العلمي أن يفتح المجال أمام ابتكار منتجات غذائية جديدة تلبي احتياجات المستهلك والسوق؟
يمكن للبحث العلمي أن يفتح مجالًا واسعًا لابتكار منتجات غذائية جديدة من خلال دراسة احتياجات المستهلك وتغير أنماط التغذية وتوجهات السوق، ثم توظيف المعرفة العلمية لتطوير منتجات ذات قيمة غذائية وصحية أعلى، مثل الأغذية الوظيفية، والمنتجات منخفضة السكر أو الدهون، والمنتجات الغنية بالألياف والبروتين. كما يساعد البحث في تحسين الطعم والقوام واللون ومدة الصلاحية وسلامة المنتج، مما يجعل المنتجات الجديدة أكثر ملاءمة لرغبات المستهلك وأكثر قدرة على المنافسة في السوق.
ما أبرز التحديات التي تواجه الباحثين في تحويل نتائج بحوثهم إلى منتجات أو مشاريع قابلة للتطبيق؟
تتمثل أبرز التحديات في محدودية التمويل، وارتفاع تكاليف تحويل النتائج البحثية إلى منتجات قابلة للتسويق، وضعف التعاون بين الجامعات والقطاع الصناعي. كما يواجه الباحثون صعوبات في توفير التقنيات الحديثة، وإجراء دراسات الجدوى الاقتصادية، والحصول على الدعم اللازم لتسويق ابتكاراتهم. ويتطلب تجاوز هذه التحديات تعزيز الشراكة بين المؤسسات الأكاديمية والشركات الغذائية، وتوفير بيئة داعمة لتحويل الأفكار البحثية إلى مشاريع إنتاجية تسهم في تطوير الصناعة والاقتصاد الوطني.
كيف يمكن تعزيز التعاون بين الجامعات والباحثين من جهة، والمصانع والشركات الغذائية من جهة أخرى؟
يمكن تعزيز التعاون بين الجامعات والقطاع الغذائي من خلال إقامة شراكات بحثية مشتركة، وتوجيه البحوث نحو معالجة المشكلات الفعلية للمصانع وتلبية احتياجات السوق. كما يسهم توفير التمويل المشترك، وتبادل الخبرات، وتدريب الطلبة والباحثين داخل المؤسسات الصناعية في تحويل النتائج العلمية إلى منتجات قابلة للتسويق. إن بناء جسور التواصل بين البحث العلمي والصناعة يمثل خطوة أساسية لدعم الابتكار، وزيادة الإنتاجية، وتعزيز تنافسية الصناعات الغذائية والاقتصاد الوطني.
ما أهمية امتلاك طلبة علوم وتكنولوجيا الأغذية مهارات البحث العلمي إلى جانب الجانب العملي والتطبيقي؟
تُعدّ مهارات البحث العلمي من الركائز الأساسية لتأهيل طلبة علوم وتكنولوجيا الأغذية، لأنها تمكّنهم من الربط بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، وتحليل المشكلات الغذائية بطريقة علمية قائمة على الدليل. كما تساعدهم على تصميم التجارب، وتحليل النتائج، وتقييم جودة وسلامة المنتجات، واقتراح حلول مبتكرة للتحديات التي تواجه الصناعات الغذائية.
تزداد أهمية هذه المهارات في سوق العمل، إذ تمنح الخريج القدرة على التعامل مع المشكلات الإنتاجية والجودة والسلامة الغذائية بكفاءة، واتخاذ القرارات المبنية على البيانات، والمساهمة في تطوير المنتجات والعمليات التصنيعية. كما تعزز قدرته على التكيف مع التقنيات الحديثة ومتطلبات الصناعة المتغيرة، وترفع من فرص توظيفه وتميزه المهني. لذلك، فإن الجمع بين المهارات البحثية والخبرات العملية يسهم في إعداد خريجين أكثر جاهزية لسوق العمل، وأكثر قدرة على الابتكار والإسهام في تطوير القطاع الغذائي.
في ظل التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي، كيف يمكن توظيف التقنيات الحديثة في تطوير البحث والابتكار الغذائي؟
في ظل التطور التكنولوجي المتسارع، أصبح توظيف الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة فرصة مهمة لتطوير البحث والابتكار في مجال علوم وتكنولوجيا الأغذية. ويمكن الاستفادة منها في تحليل البيانات والتنبؤ بخصائص المنتجات، وتحسين ظروف التصنيع، واكتشاف تركيبات غذائية جديدة، ومراقبة الجودة والسلامة الغذائية، والتنبؤ بعمر التخزين وتقبل المستهلك. كما تسهم تقنيات الاستشعار والأنظمة الذكية في الكشف المبكر عن العيوب والملوثات، بينما تساعد أدوات الذكاء الاصطناعي الباحثين في تحليل كميات كبيرة من البيانات وتسريع اتخاذ القرار.
وبذلك يمكن للتقنيات الحديثة أن تختصر الوقت والجهد والتكلفة، وتدعم الانتقال من البحث المخبري إلى ابتكار منتجات وحلول غذائية قابلة للتطبيق التجاري، مع ضرورة استخدامها ضمن منهج علمي يضمن دقة النتائج وموثوقيتها.
وتكمن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي في أنه لا يستبدل الباحث، بل يعزز قدرته على التحليل والتنبؤ والابتكار واتخاذ القرار العلمي بصورة أسرع وأكثر دقة.
برأيكِ، ما الذي يجعل البحث العلمي عنصرًا أساسيًا للوصول بالصناعات الغذائية إلى مستوى أكثر احترافية وتنافسية؟
يمثل البحث العلمي رافدًا أساسيًا للنمو الاقتصادي في قطاع الصناعات الغذائية، لأنه يسهم في خفض تكاليف الإنتاج، وتقليل الهدر، ورفع كفاءة استخدام المواد الخام والطاقة، وتطوير منتجات جديدة ذات قيمة مضافة. كما يؤدي إلى زيادة القدرة التنافسية للمنتجات وفتح أسواق جديدة، مما يعزز فرص الاستثمار والصادرات ويدعم نمو الشركات المحلية.
ولا يقتصر أثره على زيادة الإنتاج، بل يمتد إلى خلق فرص عمل، وتنمية الصناعات المرتبطة بالقطاع الغذائي، وتحويل المخلفات الزراعية والغذائية إلى منتجات اقتصادية، وتعزيز الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الاستيراد. لذلك فإن الاستثمار في البحث العلمي لا يُعد تكلفة إضافية، بل يمثل استثمارًا طويل الأمد في الاقتصاد وفي بناء صناعة غذائية أكثر إنتاجية وتنافسية واستدامة.
وأخيرًا، ما الرسالة التي توجهونها للطلبة والباحثين الراغبين في تحويل أفكارهم وبحوثهم الغذائية إلى مشاريع وابتكارات حقيقية؟
رسالتي للطلبة والباحثين هي أن الفكرة العلمية لا تكتمل قيمتها إلا عندما تتحول إلى تطبيق يلامس حاجة حقيقية في المجتمع والسوق. لذلك، لا تكتفوا بإجراء البحث ونشر نتائجه، بل فكروا منذ البداية في كيفية تحويلها إلى منتج أو تقنية أو مشروع قابل للتطبيق، مع دراسة الجدوى الاقتصادية واحتياجات المستهلك ومتطلبات الصناعة.
استثمروا في المعرفة، والمهارات التطبيقية، والتقنيات الحديثة، والعمل الجماعي، والتعاون مع القطاع الصناعي، ولا تخافوا من التجربة أو الفشل؛ فالكثير من الابتكارات تبدأ بفكرة بسيطة ثم تتطور بالبحث والمثابرة. وأؤمن بأن جامعاتنا تمتلك طاقات علمية وشبابية قادرة على صناعة حلول غذائية مبتكرة تسهم في تنمية الاقتصاد، ودعم الصناعة الوطنية، وتحقيق الأمن الغذائي.
وفي ختام هذا الحوار، نتقدّم بالشكر إلى الأستاذة الدكتورة سكينة طه حسن الأعرجي، رئيسة قسم علوم وتكنولوجيا الأغذية، على ما قدّمته من رؤى بشأن ربط البحث العلمي باحتياجات الصناعة والمستهلك، وإتاحة الفرصة أمام الطلبة والباحثين لتحويل أفكارهم إلى مشاريع منتجة. ويظلّ وصول هذه الأفكار إلى خطوط الإنتاج خطوةً أساسية نحو صناعة غذائية وطنية تستثمر المعرفة وتكسب ثقة الناس.



اضف تعليق