قد يغادر السائح العراق حاملًا صورةً تختلف عمّا جاء به إليه؛ صورة تصنعها مدينة يمشي في أزقتها، وموقع أثري يكتشف حكايته، وأناس يتقاسم معهم تفاصيل يومه. وما ينقله بعد عودته يمكن أن يمنح البلد حضورًا آخر في أذهان العالم، ويكشف جانبًا من العلاقة بين السياحة وقدرة الشعوب على التعارف بعيدًا عن الخطابات الرسمية...
قد يغادر السائح العراق حاملًا صورةً تختلف عمّا جاء به إليه؛ صورة تصنعها مدينة يمشي في أزقتها، وموقع أثري يكتشف حكايته، وأناس يتقاسم معهم تفاصيل يومه. وما ينقله بعد عودته يمكن أن يمنح البلد حضورًا آخر في أذهان العالم، ويكشف جانبًا من العلاقة بين السياحة وقدرة الشعوب على التعارف بعيدًا عن الخطابات الرسمية.
يمتلك العراق ما يغري بالاكتشاف، من مدنه الدينية وشواهده الحضارية إلى تنوع طبيعته وثقافاته، لكن تحويل هذا الثراء إلى تجربة تستحق الزيارة والعودة يرتبط بالخدمات والتخطيط والاستثمار، وبعلاقات دولية تفتح أبواب التعاون والتبادل السياحي. هنا تصبح صورة البلد في الخارج متصلة بما يقدّمه للزائر على أرضه، وتلتقي الدبلوماسية مع تفاصيل الرحلة، من إجراءات الدخول إلى جودة الإقامة.
عن هذه الصلة، وما يمكن أن تؤديه العلاقات الدولية في تنمية السياحة العراقية وتطويرها، نحاور الدكتورة عذراء عبد الهادي زويد، التدريسية في كلية البوليتكنك النجف بجامعة الفرات الأوسط التقنية، لنقترب من رؤيتها لتحويل المقومات السياحية إلى فرص تنموية وجسور للتواصل مع العالم.
بدايةً، حين نضع العراق أمام خريطة العالم السياحية، ماذا نرى أولًا: بلدًا يمتلك ذاكرة حضارية هائلة، أم بلدًا لم ينجح بعد في تقديم هذه الذاكرة للعالم كما ينبغي؟
نرى بالدرجة الأولى بلداً يختزن عمقاً حضارياً وإنسانياً لا يُضاهى على مستوى العالم، لكنه في الوقت ذاته ينطوي على مفارقة إذ إن حجم هذه الذاكرة التاريخية والثقافية الممتدة لآلاف السنين لا يتناسب مع الصورة التسويقية والإعلامية المُقدّمة عنه عالمياً. إن الإشكالية لا تكمن في غياب المورد السياحي، بل في الآليات والأدوات المعتمدة لتقديم هذه الذاكرة وتصديرها إقليمياً ودولياً بالصورة التي يستحقها.
أطروحتكِ تربط بين العلاقات الدولية والسياحة؛ هل يمكن للسائح أن يكون في بعض الأحيان سفيرًا لبلدٍ أكثر تأثيرًا من الخطاب السياسي نفسه؟
نعم، ففي أطر العلاقات الدولية المعاصرة، تُعد السياحة أحد أهم المرتكزات الأساسية للـقوة الناعمة. السائح - أكان قادماً أم مغادراً - يخوض تجربة حية ومباشرة تتجاوز التجهيزات الأيديولوجية أو الخطابات السياسية الرسمية، فينقل انطباعاته وقصصه المشاهدة بتلقائية. هذا التواصل الشعباني والمجتمعي يُعيد تشكيل الصورة الذهنية للدولة ويعزز الدبلوماسية الشعبية بشكل أقوى وأطول أثراً من أساليب الخطاب السياسي التقليدي.
العراق لا يعاني من ندرة المواقع السياحية، وإنما تشير دراستكِ إلى تنوع كبير في المواقع الدينية والأثرية والترفيهية والثقافية؛ أين تكمن الفجوة بين امتلاك المكان والقدرة على تحويله إلى تجربة سياحية؟
تكمن الفجوة في الغياب المتكامل لسلسلة القيمة السياحية (Tourism Value Chain)؛ فالامتلاك المجرد للموقع الأثري أو الديني لا يعني وجود سياحة. التجربة السياحية تقتضي تخطيطاً استراتيجياً يتكامل فيه الاستثمار، والبنية التحتية، والخدمات اللوجستية الفندقية، والتكنولوچيا الحديثة، والخدمات الترفيهية والتثقيفية المرافقة. والفجوة ببساطة هي الإدارة التنظيمية الهيكلية التي تحول المورد الخام إلى منتج سياحي متكامل
ماذا يمكن أن تقول كربلاء والنجف وبغداد للعالم، لو أُتيح لها أن تتحدث سياحيًا بعيدًا عن الصورة التقليدية التي يعرفها الزائر؟
يمكن لهذه المدن أن تروي قصصاً إنسانية وفكرية وحضارية عابرة للحدود، النجف وكربلاء يمكنهما التحدث كمركزين عالميين للتسامح والفلسفة والتراث الإنساني ومحطات للحوار الفكري بين الأديان والثقافات، وليست مجرد محطات لزيارات دينية عابرة. أما بغداد فيمكنها تقديم نفسها كمنارة للتعددية، والفن، والأدب، وملتقى الحضارات الإنسانية على مر العصور.
هل السياحة بالنسبة إلى العراق قطاع اقتصادي فقط، أم يمكن أن تكون لغة أخرى للحوار بين العراق وشعوب العالم؟
السياحة في جوهرها وسيلة للتواصل الحضاري والثقافي قبل أن تكون أداة لتنويع مصادر الدخل القومي. رغم أهميتها الاقتصادية القصوى للعراق في الخروج من أسر الاقتصاد الريعي النفطي، إلا أنها تُشكل في بعدها السياسي والدولي جسراً لبناء الفهم المشترك، وكسر الجليد والإملاءات النمطية، وإعادة العراق إلى موقعه الطبيعي كمركز للتلاقي والتحاور الإنساني.
في دراستكِ حضور واضح لفكرة التعاون الدولي والاستثمار والتبادل السياحي؛ ما الذي يحتاجه العراق حتى ينتقل من استقبال السياح إلى بناء علاقات سياحية مستدامة مع الدول؟
يحتاج العراق إلى الانتقال من العفوية في إدارة القطاع إلى الاستراتيجية؛ وذلك عبر صياغة اتفاقيات تعاون سياحي ثنائية ومتعددة الأطراف مع دول العالم، وتوفير بيئة تشريعية واستثمارية جاذبة ومحفزة للشركات العالمية، ودخول التحالفات السياحية الدولية، إضافة إلى الانضمام الفاعل للمنظمات السياحية وتطوير الموارد البشرية وتطبيق أطر الحوكمة السياحية المستدامة.
أحيانًا يكون المكان أجمل من الصورة التي تُقدَّم عنه؛ هل يعاني العراق من مشكلة في موارده السياحية، أم في الطريقة التي يروي بها قصته للعالم؟
المشكلة تكمن جلياً في طريقة "رواية القصة" والتسويق السياحي الحديث. العراق يمتلك موارداً سياحية فريدة ومقومات جغرافية وتاريخية متنوعة للغاية، ولكنه يفتقر إلى استراتيجية تسويق وهوية مؤسسية (Nation Branding) مدروسة تستخدم وسائل الإعلام الرقمي والدبلوماسية الثقافية لإظهار الجمال الحقيقي والعمق الميداني الذي ينعم به المكان.
إذا كان الموقع الجغرافي والمناخ والمياه والنبات والسكان والنشاط الاقتصادي كلها تدخل في تشكيل المشهد السياحي، فكيف يمكن تحويل هذا التنوع الجغرافي إلى هوية سياحية عراقية واحدة؟
يتم ذلك من خلال الاعتماد على مفهوم لتكامل والتنوع السياحي (Tourism Diversification) عبر صياغة هوية سياحية شاملة تحتفي بهذا التعدد بكونه ثراءً وتكاملاً وليس تشتتاً. يتم ربط السياحة الدينية في الوسط والجنوب بالسياحة الآثارية في أور وبابل، والسياحة البيئية في الأهوار، والسياحة الجبلية والترفيهية في الشمال، ضمن مسارات وأجندات سياحية موحدة تقدم للمسافر كحزمة استكشافية متكاملة للبلد.
تتحدث الأطروحة عن الاستثمار السياحي والبنية التحتية والخدمات؛ برأيكِ، ما الشيء الذي إذا تغير فعلًا سيجعل السائح الأجنبي يقول: أريد أن أعود إلى العراق مرة أخرى؟
التحول في مستوى جودة التجربة وسهولتها(Seamless Experience) بدءاً من تبسيط وتسهيل إجراءات التأشيرات والدخول، ووجود بنية تحتية ومواصلات متطورة ومريحة، مروراً بالخدمات الفندقية ذات المعايير العالية والتأمين السياحي، وانتهاءً بأسلوب التعامل الشعبي والمؤسساتي المضياف وشعوره بالأمان والراحة طوال مدة إقامته.
هل تستطيع السياحة أن تغيّر الصورة الذهنية للعراق في الخارج، أم أن الصورة السياسية والأمنية ما زالت أقوى من كل ما يمكن أن تقدمه السياحة؟
السياحة أداة فعالة جداً لفك الارتباط الذهني بين العراق ومفاهيم الصراع والاضطراب. بالتأكيد المشهد السياسي والأمني يرمي بظلاله، ولكن التجارب السياحية الواقعية للسياح ونشرها عبر منصاتهم وصناعة المحتوى تؤثر بشكل أسرع وأعمق في الوجدان العالمي، وتعمل على إحداث تحول تدريجي يُفكك الصور النمطية السابقة.
من بين المشكلات التي تناولتها الدراسة التخطيط السياحي، الاستثمار، البنية التحتية، التقنيات الحديثة، الخدمات والتفاعل مع تأثيرات السفر؛ أي مشكلة ترين أنها تستحق أن تكون نقطة البداية في الإصلاح؟
نقطة البداية الحقيقية والمحرك الأساسي لجميع القطاعات الأخرى هي "التخطيط السياحي الاستراتيجي والرؤية المؤسسية". فمتى ما وُجدت الرؤية التخطيطية الشاملة المدعومة بإرادة سياسية وتحديث تشريعي، ستنجذب الاستثمارات تلقائياً، وتُبنى البنية التحتية السليمة، وتُوظف التقنيات الحديثة والخدمات بأسلوب منظم وفاعل.
لو طلبتُ منكِ أن تختصري رسالتكِ للعراق في جملة واحدة بعد سنوات البحث، ماذا تقولين له عن سياحته؟
أقول له: ان السياحة في العراق ليست مجرد قطاع اقتصادي معطل، بل هي روح العراق الحضارية التي تنتظر أن تُروى للعالم بلسان عصري يعيد له مكانته المستحقة بين الأمم.
وأنتِ تنظرين إلى المستقبل، هل تتوقعين أن تتحول العلاقات الدولية العراقية إلى بوابة حقيقية لتنمية السياحة، أم أن الأمر يحتاج أولًا إلى تغيير الطريقة التي ننظر بها نحن إلى السياحة نفسها؟
التغيير يجب أن يبدأ من الداخل أولاً أي بتغيير فلسفتنا ونظرتنا الوطنية والمؤسسية للسياحة واعتبارها قطاعاً سيادياً وتنموياً استراتيجياً، وليس قطاعاً هامشياً أو خدمياً فرعياً. وعندما تترسخ هذه الرؤية المحلية، ستتحول العلاقات والدبلوماسية الدولية العراقية تلقائياً إلى بوابة ومنصة لاستثمار السياحة وتنميتها دولياً.
ما الذي أضافته هذه الرحلة العلمية إلى عذراء الإنسانة، بعيدًا عن عذراء الباحثة؟
أضافت لي الرحلة عمقاً في الصبر والوعي بأهمية الجسور بين الشعوب، وجعلتني أكثر إدراكاً وتثميناً للثروات والقيم الإنسانية والحضارية التي يمتلكها بلدي، وزادت من إيماني بأن العلم والبحث الأكاديمي ليس مجرد نصوص ونظريات، بل هو رسالة مسؤولية وأمل لتغيير الواقع ونقل العراق إلى الأفضل.
لو التقينا بعد عشر سنوات، ما المشهد السياحي الذي تتمنين أن تريه في العراق حتى تقولي: نعم، بدأت الأفكار التي كتبتها في الأطروحة تتحول إلى واقع؟
أتمنى أن أرى العراق وجهة سياحية عالمية أساسية على خريطة السياحة الدولية، تنشط فيه المسارات السياحية المكتظة بالزوار من مختلف القارات والجنسيات، ويتميز بوجود بنية تحتية وفندقية ذكية متكاملة، واستثمارات دولية واسعة، مع وجود مؤسسات سياحية تعمل برؤية وأطر تنموية مستدامة تحافظ على تراثنا وتبرز هويتنا الحضارية للعالم
ختامًا، تضعنا هذه الرؤية أمام مسؤولية تحويل ثراء العراق الحضاري إلى تجربة يلمسها الزائر، ويحمل أثرها معه إلى بلده؛ فنجاح السياحة يبدأ من العناية بالمكان والإنسان، ويتسع بتعاون دولي يفتح فرص التطوير والاستثمار ويحفظ خصوصية التراث.
ونتقدّم بخالص الشكر والتقدير للدكتورة عذراء عبد الهادي زويد على هذا الحوار، وما قدّمته من أفكار ورؤى بشأن دور العلاقات الدولية في تنمية السياحة، آملين أن تجد هذه الطروحات طريقها إلى التطبيق، بما يعزّز حضور العراق على الخريطة السياحية العالمية.



اضف تعليق