كانت المرأة الريفية في العراق صانعة الحياة في الأهوار والأرياف، واليوم يهدد الجفاف بتهجيرها نحو عشوائيات المدن أو مواجهة العطش وفقدان سبل العيش. حماية المرأة الريفية لا تبدأ بالتعاطف الشكلي، بل بإقرار العدالة المناخية عبر تعديلات تشريعية صريحة في قوانين البيئة والمياه، تضمن التوزيع العادل للحصص المائية، وتنشئ صندوقاً لدعم المزارعات...
بقلم: دكتورة رشا الزهيري
منذ فجر التاريخ، كانت المرأة الريفية في العراق حارسة دجلة والفرات وصانعة الحياة في الأهوار والأرياف. واليوم، يهدد الجفاف بتهجيرها من أرضها، ويضعها أمام خيارات قاسية، بين النزوح إلى عشوائيات المدن وما يرافقه من أعباء معيشية، والبقاء بجانب هورٍ كان يومًا يفيض بالحياة، وهي تواجه العطش وفقدان أسباب العيش.
وبمناسبة اليوم الدولي للمرأة الريفية، المصادف 15 تشرين الأول، تبرز الحاجة إلى اقتراح تعديل قانوني يكرّس «العدالة المناخية الجندرية في مواجهة الشح المائي»، ويمنح المرأة الريفية حماية تتناسب مع ما تتحمله من أعباء الجفاف وتداعياته.
يمسّ عطش الأرض في العراق الحقوق الدستورية للمرأة الريفية، ويضاعف حاجتها إلى غطاء قانوني يستجيب لخصوصية معاناتها مع النزوح والفقر المائي. فجفاف الأهوار وانحسار دجلة والفرات يهددان مقومات العيش الكريم والضمان الاجتماعي التي تكفلها المادة (30) من الدستور العراقي للأسرة والمرأة، ويضعان مسؤولية حمايتها في صميم العمل التشريعي والتنفيذي.
وبتتبع الموقف التشريعي البيئي، وتحديدًا قانون حماية وتحسين البيئة العراقي رقم (27) لسنة 2009، وقانون إدارة الموارد المائية رقم (50) لسنة 2008، وقانون الري رقم (83) لسنة 2017، تظهر الحاجة إلى معالجة الفجوة الجندرية في الحماية من الشح المائي، من خلال نصوص صريحة تراعي احتياجات النساء المزارعات. فالمرأة الريفية تؤدي دورًا أساسيًا في استمرار الحياة والإنتاج داخل مجتمعات الريف العراقي، وتتحمل أعباء نفسية وجسدية كبيرة لتوفير المياه عند شحها، الأمر الذي يستدعي تضمين مفهومي «النوع الاجتماعي» و«المزارعات الريفيات» في التشريعات ذات الصلة.
ويحتاج قانون حماية وتحسين البيئة إلى مادة تضمن توزيعًا عادلًا للمياه، وتحدد سبل حماية النساء المزارعات عند وقوع الجفاف. كما تتطلب معالجة ملف البيئة والمياه تعزيز العدالة التوزيعية إلى جانب الإجراءات الإدارية، وتنظيم صلاحيات الجهات المعنية بما يمنح الاحتياج الإنساني إلى الماء وزنًا واضحًا في معايير التوزيع، ويأخذ بنظر الاعتبار ظروف النساء اللواتي ترتبط معيشتهن بالزراعة وتربية الحيوانات والإنتاج المنزلي.
وعلى مستوى الاتفاقيات الدولية، صادق العراق على عدد من الاتفاقيات ذات الصلة بحماية المرأة الريفية وحقوقها في مواجهة الشح المائي. وتأتي في مقدمتها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة «سيداو»، التي صادق عليها العراق مع تحفظات بموجب القانون رقم (66) لسنة 1986. وتندرج المادة (14)، الخاصة بالمرأة الريفية وحقوقها في الخدمات وظروف العيش الملائمة، ومنها إمدادات المياه، ضمن التزامات العراق بموجب الاتفاقية، مع تركز تحفظاته على مواد أخرى تتصل بالأحوال الشخصية والجنسية والتحكيم الدولي.
ويبرز كذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي صادق عليه العراق عام 1971، ودخل حيز النفاذ عام 1976. ويشكّل العهد إطارًا مهمًا لحماية الحقوق المرتبطة بمستوى معيشي لائق والصحة، وما يتصل بهما من توفير المياه وضمان عدالة الوصول إليها، مع إيلاء احتياجات النساء والمناطق الريفية اهتمامًا خاصًا.
وتحضر أيضًا اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ وخطة العمل الجندرية، وما تتضمنه من توجيهات لإدراج احتياجات النساء الريفيات عند تصميم مشاريع التكيف مع الجفاف، وتوجيه العمل المناخي الدولي بما يخدم مصلحة المزارعات الريفيات. والعراق طرف في اتفاقية المناخ، كما انضم رسميًا إلى اتفاق باريس للمناخ عام 2021.
ومن الاتفاقيات ذات الصلة، اتفاقية هلسنكي لحماية واستخدام المجاري المائية العابرة للحدود، التي انضم إليها العراق عام 2023. وتحمل هذه الاتفاقية أبعادًا استراتيجية في تعزيز الحوكمة والتعاون المائي بين الدول، بما يدعم استقرار الإمدادات المائية ووصول المياه إلى القرى. ويتصل ذلك مباشرة بحياة المرأة الريفية، ويسهم في تقليل الجهد والوقت اللذين تبذلهما في جلب المياه، ويخفف مشقة السير لمسافات طويلة بحثًا عن مياه صالحة للشرب والاستخدام المنزلي.
وتحتاج الالتزامات الناشئة عن هذه الاتفاقيات إلى إجراءات تشريعية وتنفيذية وتمويلية تمنحها أثرًا ملموسًا في حياة المرأة الريفية. وتبدأ هذه الإجراءات بتحديد مسؤوليات المؤسسات المعنية، ووضع آليات واضحة للتمويل والمتابعة، وربط الحماية القانونية بالخدمات التي تصل إلى القرى والمناطق المتضررة من الجفاف.
وانطلاقًا من ذلك، نقترح على لجنة المرأة والطفولة النيابية، بالتنسيق مع لجنة الزراعة والمياه والأهوار والبيئة النيابية، العمل على إضافة بند إلى قانون حماية وتحسين البيئة العراقي رقم (27) لسنة 2009، تحت عنوان «حماية المرأة في الأزمات البيئية»، يقوم على ثلاثة مقترحات مترابطة.
يتمثل المقترح الأول في إلزام وزارة الموارد المائية، بالتنسيق مع وزارة الزراعة، بتخصيص حصص مائية مدعومة للمشاريع الزراعية الصغيرة والمنزلية التي تديرها النساء الريفيات في المناطق الأكثر تضررًا من الشح المائي. ويهدف هذا المقترح إلى تحقيق عدالة أكبر في توزيع الموارد المائية، والحد من استئثار كبار المزارعين بها، وضمان وصول المياه إلى الأراضي التي تزرعها المرأة الريفية، بما يعزز قدرتها على تأمين معيشتها واستمرار إنتاجها.
أما المقترح الثاني، فيتمثل في تأسيس صندوق مالي باسم «صندوق الاستدامة المناخية للمرأة الريفية»، يُموّل من الموازنة العامة للدولة، ومن نسبة من الاستقطاعات البيئية على الشركات النفطية، وخصوصًا الغرامات البيئية المفروضة على الشركات الملوِّثة، انطلاقًا من مبدأ «الملوِّث يدفع».
ويتولى الصندوق منح قروض ميسّرة معفاة من الفوائد للنساء الريفيات لشراء منظومات الري الذكية والحديثة، إلى جانب تقديم إعانات مالية عاجلة ودعم قانوني للنساء اللواتي فقدن مصادر رزقهن بسبب جفاف الأهوار أو الأراضي. ويسهم هذا الدعم في تعزيز قدرتهن على مواصلة العمل والإنتاج، وحمايتهن من النزوح القسري، ومساعدتهن على التكيف مع الظروف المناخية المتغيرة.
ويتمثل المقترح الثالث في إلزام وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بإصدار بطاقة الحماية الاجتماعية للمرأة الريفية النازحة، وصرف تعويضات قانونية عاجلة في حالات الجفاف والنزوح البيئي الحتمي، بما يصون كرامتها وحقوقها الدستورية، ويساعدها على تأمين احتياجاتها الأساسية ومواجهة أعباء الانتقال وفقدان مصدر الدخل.
تبدأ حماية المرأة الريفية من الشح المائي بضمان وصول الماء إلى بيتها وأرضها، وتمتد إلى حماية دخلها وصحتها وقدرتها على البقاء في قريتها. ويمنح تحويل هذه الاحتياجات إلى حقوق واضحة وإجراءات قابلة للتنفيذ معنى عمليًا للعدالة المناخية، ويعزز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في الريف العراقي. فكل مورد مائي يصل إلى مشروع تديره امرأة، وكل دعم يحفظ مصدر رزقها، يفتحان أمام أسرة كاملة فرصة لمواصلة حياتها على أرضها.



اضف تعليق