مكافحة الفساد في العراق لا تنجح بحملات مؤقتة أو انتقائية، بل بسياسة دولة ثابتة تجعل القانون مرجعية المساءلة بلا حصانات أو مجاملات. فالمطلوب بناء مؤسسات مستقلة وشفافة، تلاحق المتورطين وفق القضاء، وتحمي المال العام، وتعالج أسباب الفساد ومنافذه، وتمنع الإفلات من العقاب، بما يعزز ثقة المواطن بالدولة والقانون والعدالة...

تُعد ملاحقة قضايا الفساد ومساءلة المتورطين فيها وفقًا للقانون، بعيدًا عن المجاملات أو الاستثناءات، ودون اعتبار لمناصب المتهمين أو تاريخهم أو علاقاتهم، أساسًا لأي مسعى حقيقي لمكافحة الفساد في العراق.

وينبغي إدارة هذا الملف ضمن إطار مؤسسي دستوري وقانوني، تتولى فيه الجهات المختصة دراسة قضايا الفساد والتحقيق فيها واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، وفق آليات واضحة وشفافة، بدلًا من تحويل مكافحة الفساد إلى دعاية أو واجهة إعلامية، أو إلى ملف تديره شخصيات سياسية، أو يخضع لحسابات ضيقة، أو يرتبط بأسماء مسؤولين.

إن مكافحة الفساد مسؤولية وطنية، وينبغي أن تصبح نهجًا دائمًا ومستقرًا في العراق، لا حملة مؤقتة مرتبطة بمرحلة سياسية أو بأشخاص محددين. فالدولة الجادة في مكافحة الفساد لا يمكنها التعامل معه وفقًا للظروف السياسية أو موازين القوة، بل يتعين عليها جعل القانون المرجعية الوحيدة لتحديد المسؤولية وضمان المساءلة. فالفساد لم يعد مجرد حالات فردية معزولة، بل ترسخ في عدد كبير من مؤسسات الدولة، وامتد ليشمل قطاعات ومجالات مختلفة، عامة وخاصة، حتى أصبح، في بعض الحالات، سلوكًا متكررًا وثقافة يتعامل معها المجتمع، مع الأسف، بقدر كبير من القبول أو التساهل. 

ولذلك، فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تقتصر على كشف قضية هنا أو ملاحقة مسؤول هناك، وإنما تتطلب إصلاحًا مؤسسيًا يعالج أسباب الفساد ويغلق منافذه، ويحول دون تكراره.

كما ينبغي ألا تتحول مكافحة الفساد إلى وسيلة للتشهير أو تصفية الحسابات السياسية، وألا تتسم بالانتقائية، بحيث تستهدف بعض المسؤولين وتتجاهل آخرين. فالمعيار يجب أن يكون موحدًا ومؤسسيًا وينطبق على الجميع، كما أن الاتهام لا يعني الإدانة؛ إذ تتولى الجهات القضائية المختصة إثبات المسؤولية وفقًا للقانون، والمتهم بريء حتى تثبت إدانته وفقًا للقاعدة القانونية الشهيرة.

وعليه، فإن المعركة الحقيقية ضد الفساد لا تبدأ باستهداف أشخاص بعينهم، ولا تنتهي بانتهاء ولاية مسؤول، بل تبدأ ببناء مؤسسات مستقلة وقادرة على تطبيق القانون ومساءلة كل من تثبت مسؤوليته، أيًا كان منصبه أو نفوذه أو علاقاته، وتستمر بصورة دائمة لا تتوقف بتغير الحكومات أو المسؤولين.

فالمطلوب ليس إطلاق حملة جديدة تنتهي بانتهاء عناوينها، وإنما اعتماد سياسة دولة ثابتة تجعل مكافحة الفساد جزءًا دائمًا من عمل مؤسساتها: تحمي المال العام أولًا، وتعزز ثقة المواطن بالدولة والقانون ثانيًا، وتضمن ثالثًا، وهو الأهم، عدم إفلات أي مدان من العقاب مهما كان منصبه... وهذا هو المطلوب.

اضف تعليق