تكمن المشكلة حين نخلط بين امتلاك الأشياء وامتلاك الحياة. فشراء منزل لا يعني تلقائيًا صناعة بيت، كما أن اقتناء أثاث فاخر لا يخلق دفئًا عائليًا، تمامًا كما أن الساعة الثمينة لا تمنح صاحبها وقتًا إضافيًا مع أطفاله. لهذا يقول العراقيون ببساطة تختصر تجربة أجيال كاملة: "البيت مو بالطابوق... البيت بأهله"...

في مساءٍ هادئ، عاد رجل إلى منزله بعد يومٍ طويل من العمل. أوقف سيارته الفاخرة أمام بوابة كبيرة، فتح الباب الإلكتروني، وصعد إلى الطابق العلوي حيث كل شيء في مكانه؛ الأثاث فاخر، والإضاءة مدروسة، والهدوء يملأ الزوايا. جلس في غرفة المعيشة، نظر حوله طويلاً، ثم قال لنفسه بصوتٍ خافت: "شنو ناقصني؟"

لم يكن السؤال عن المال، فقد امتلك منه ما يكفي. ولم يكن عن النجاح، فالجميع يصفه بالرجل الناجح. كان يبحث عن شيءٍ لا يُقاس بالأرقام، ولا يُودَع في المصارف، ولا يُشترى بعقد بيع أو فاتورة إلكترونية.

هذه اللحظة تتكرر بصور مختلفة في حياة كثير من الناس. وكلما ازدادت سرعة الحياة، ازداد معها الاعتقاد بأن السعادة مشروعٌ اقتصادي، وأن المزيد من المال يعني المزيد من الطمأنينة. ومع مرور الوقت يتحول السعي إلى الثروة من وسيلة لتحسين الحياة إلى غاية تستنزف الحياة نفسها.

لا أحد ينكر قيمة المال. فالمال يوفّر العلاج، ويمنح الإنسان فرصة التعليم، ويؤمّن المسكن الكريم، ويخفف كثيرًا من أعباء الحياة. والقرآن الكريم لا يدعو إلى الزهد السلبي أو رفض النعمة، وإنما يضع المال في مكانه الطبيعي، وسيلةً لا غاية، حين يقول تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ ((سورة القصص: 77)). في هذه الآية تتوازن المعادلة الإنسانية؛ فلا قطيعة مع الدنيا، ولا ارتهان كامل لها. ويبقى الإنسان هو من يحدد موقع المال في حياته، أهو خادمٌ له أم سيدٌ عليه؟

تكمن المشكلة حين نخلط بين امتلاك الأشياء وامتلاك الحياة. فشراء منزل لا يعني تلقائيًا صناعة بيت، كما أن اقتناء أثاث فاخر لا يخلق دفئًا عائليًا، تمامًا كما أن الساعة الثمينة لا تمنح صاحبها وقتًا إضافيًا مع أطفاله.

لهذا يقول العراقيون ببساطة تختصر تجربة أجيال كاملة: "البيت مو بالطابوق... البيت بأهله". وهي عبارة شعبية تحمل من الحكمة أكثر مما تحمله عشرات الكتب في علم الاجتماع.

فالبيت يبدأ من شعور الإنسان بأنه مرحب به، وأن وجوده يترك أثرًا جميلًا في المكان، وأن أبناءه ينتظرون عودته، وأن الحوار ما زال حيًا بين جدرانه. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تمنح الجدران روحًا، وتحول المبنى إلى وطنٍ مصغر.

وفي زمن الاستهلاك، تبدلت معايير النجاح عند كثيرين. أصبح الإنسان يقيس قيمته بما يملك أكثر مما يقيسها بما يمنح. وصارت المقارنة اليومية مع الآخرين مصدرًا دائمًا للقلق. كل صورة جديدة على وسائل التواصل تفتح بابًا جديدًا للرغبة، وكل إعلان يقنعنا بأن سعادتنا مؤجلة إلى حين شراء منتج آخر. هذه الثقافة لا تصنع الرضا، لأنها تبني الإنسان على المقارنة المستمرة. ومن يقارن نفسه بالآخرين لن يصل إلى نهاية، لأن هناك دائمًا من يملك أكثر.

علماء النفس يتحدثون عن مفهوم يسمى "التكيف المتعاقب"، ويقصدون به قدرة الإنسان السريعة على الاعتياد على النعم الجديدة. السيارة التي كانت حلمًا تصبح بعد أشهر شيئًا عاديًا، والمنزل الكبير يتحول إلى جزء من الروتين، والراتب المرتفع يصبح رقمًا مألوفًا، فتبدأ النفس رحلة جديدة نحو رغبة أخرى.

لهذا لا ترتفع مستويات السعادة دائمًا بارتفاع الدخل. وقد أظهرت دراسات عديدة في علم النفس الإيجابي أن العلاقات الإنسانية الدافئة، والإحساس بالمعنى، والانتماء الاجتماعي، تمثل عوامل أكثر استقرارًا في بناء الرضا عن الحياة مقارنة بالاستهلاك المادي وحده. وربما لهذا السبب نجد أشخاصًا يعيشون في بيوت متواضعة، لكن ضحكاتهم تملأ المكان، بينما يسكن آخرون قصورًا واسعة يهرب كل واحد منهم إلى غرفته الخاصة.

في مجتمعاتنا العربية، أخذت سباقات الحياة بعدًا جديدًا. أصبح كثير من الآباء يعملون ساعات أطول لتوفير مستوى معيشة أفضل لأبنائهم، لكن الأبناء أنفسهم يبحثون عن وقت يجلس فيه الأب معهم حول مائدة واحدة.

كم من طفل لا يتذكر ثمن اللعبة التي اشتراها له والده، لكنه يتذكر رحلة قصيرة، أو حديثًا قبل النوم، أو ابتسامةً في يومٍ كان يحتاج فيها إلى الاحتواء.

الحياة لا تُختزل في الممتلكات، لأن الإنسان كائن يبحث عن المعنى قبل أن يبحث عن الرفاهية. ولهذا ظل الحب، والطمأنينة، والصداقة، والثقة، والاحترام، من الكنوز التي بقيت خارج أسواق البيع والشراء.

وحين يتقدم العمر، تتغير قائمة الأمنيات بهدوء. يقل الحديث عن الأرباح، ويزداد الحديث عن الصحة، وعن الأولاد، وعن راحة القلب. وكثيرًا ما تسمع كبار السن يرددون: "الراحة مو بكلشي... الراحة بالبال". وهي حكمة شعبية أثبتت التجارب صدقها أكثر من مرة.

لا يعني هذا التقليل من قيمة المال، فالفقر ليس فضيلة، والعوز يرهق الإنسان ويحد من خياراته. غير أن الحكمة تكمن في معرفة اللحظة التي يتحول فيها المال من وسيلة لبناء الحياة إلى غاية تبتلع الحياة نفسها. الإنسان يحتاج إلى دخل كريم، لكنه يحتاج أيضًا إلى بيت يسمع فيه اسمه بمحبة، وإلى صديق يطمئن عليه من دون مصلحة، وإلى زوجة أو زوج يشعر معه بالأمان، وإلى أبناء يكبرون وهم يتذكرون حضوره أكثر مما يتذكرون الهدايا التي حملها. هذه الثروات لا تُقاس بالأرقام، لكنها الأكثر تأثيرًا في جودة الحياة.

وربما لهذا السبب ختم القرآن حديثه عن الأموال والأولاد بتذكير عميق حين قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ ((سورة الكهف: 46)).

فالزينة جميلة، لكنها ليست الجوهر. وما يبقى في نهاية الرحلة ليس حجم الحساب البنكي، وإنما أثر الإنسان في قلوب من أحبهم. وعندما يطوي الإنسان سنوات عمره، لن يسأل نفسه كم حسابًا مصرفيًا امتلك، ولا كم سيارة قاد، ولا كم مترًا مربعًا كان يسكن. السؤال الذي سيبقى يرافقه ربما يكون أكثر بساطة، وأكثر عمقًا في الوقت نفسه: هل صنعتُ بيتًا، أم اكتفيتُ بشراء منزل؟ وهل تركتُ لأولادي رصيدًا في المصرف فقط... أم تركتُ لهم ذاكرةً مليئة بالدفء، تجعلهم كلما غاب اسمي، ابتسموا قبل أن تدمع أعينهم؟ لعل أعظم الثروات تلك التي لا تستطيع البنوك حفظها، لكنها تبقى محفوظة في القلوب ما بقيت الحياة.

اضف تعليق