يتألف المركب الحضاري لكل مجتمع من خمسة عناصر هي: الانسان والارض والزمن والعلم والعمل. وتحيط بهذه العناصر الخمسة منظومة قيم عليا.

ويشكل الانسان والارض النواة الصلبة للمركّب الحضاري، كما في قوله تعالى:"قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ". والعلاقة بينهما هي التي تشكل بداية الحراك الحضارية للمجتمع، كما في قوله تعالى: "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ."

وتتم هذه العلاقة من خلال الزمن والعلم والعمل. والعلاقة بين العلم والعمل جدلية. فمن خلال العمل ينمو العلم، ومن خلال العلم يتحسن الاداء العملي. وكل هذا يتم في اطار منظومة متشعبة من القيم الاخلاقية والسلوكية.

ومنذ بداية المجتمع او المجتمعات البشرية الاولى المؤلفة من اعداد صغيرة من البشر كانت هذه القيم تتشكل وتنمو تدريجيا، بدءاً من العلاقة بين الرجل والمرأة (الجنس وما يتعلق به)، ثم القيم العائلية، والعلاقة مع افراد المجتمع الاخرين، والعلاقة مع الارض، وعلاقات الاقتصاد في مراحله المختلفة، وغير ذلك.

ومنذ البداية ايضا كان الدين مصدرا مهما من مصادر القيم، فضلا عما يقول به كبار السن والحكماء وما تفرضه المصالح الحيوية للجماعة.

ومع تطور وعي الانسان، وتعقد حياته الاجتماعية والاقتصادية، كانت هذه القيم تتطور بطريقة تراكمية، ومعها تطورت ايضا الدعوات النبوية التي رافقت مسيرة الانسان منذ القدم، قبل ان تتوقف قبل حوالي ١٥ قرنا، ببعثة النبي محمد (ص).

وكانت هذه القيم تنتقل من جيل الى اخر عبر التربية ومحاكاة الاباء والاجداد في ما يمكن تسميته الوراثة الاجتماعية، ومع ان المجتمعات البشرية وجدت منذ بعيد قبل اختراع الكتابة، الان ان الاخيرة وفرت اداة مهمة لتدوين القيم على شكل قوانين وتشريعات ونصوص وكتب تتناقلها الاجيال من جيل الى اخر.

وحين اخترع الانسان الورق والطباعة اصبح الحفاظ على القيم وانتقالها اسرع وايسر. وحينما وصل الانسان الى العصر الحديث اخذت الحدود الحضارية او القيمية بين المجتمعات تختفي لتتكامل وتتلاقح القيم الحضارية فيما بينها.

والملفت للنظر هنا، ان القيم الحضارية تكاد تكون في الاعم الاغلب متشابهة ومتقاربة بين المجتمعات القديمة رغم بدائية وسائل التواصل فيما بينها، ما قد يوحي بان منشأ انتزاع هذه القيم قد يكون واحدا. وربما يرى بعض الباحثين ان الدين الالهي هو منشأ هذه القيم، فيما قد يقول اخرون ان الفطرة الانسانية هي منشأ هذه القيم. ولا تناقض او تنافر بين الامرين. فما كان الدين السماوي ليبتعد عن الفطرة الانسانية بحال. وهذا ما يطلق عليه القران الكريم عنوان "الدين القيم" في الاية ٣٠ من سورة الروم: "فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ."

ونستطيع، بعد استقراء ما لا يقل عن ١٠ الاف سنة من تاريخ البشرية، ان نقول ان التفاعل بين المجتمعات البشرية، وحضاراتها المتنوعة، وقيمها الحضارية العليا، معززا بالتقدم التكنولوجي والثورة المعلوماتية، اوصل البشرية الى حافة التوافق على منظومة مشتركة، حتى لا اقول موحدة بدرجة كبيرة، من القيم العليا التي تحدد ضوابط ومؤشرات السلوك والعلاقات في مختلف مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والعلمية والثقافية وغيرها. وما الاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي صادقت عليه البشرية في عام ١٩٤٨ الا واحد من الادلة الساطعة على تكامل منظومة القيم الحضارية العليا للمجتمع البشري.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق