إنسانيات - مجتمع

مراوغة المركبات

من خلال مشاهداتي اليومية للشوارع العامة وما يجري فيها، بدا لي ان رجال المرور الذين تلفحهم شمس صيفنا الجهنمي طوال النهار، وعلامات التعب والارهاق بادية على وجوههم يكتفون بتنظيم السير وكتابة التقارير عن الحوادث التي تقع في الشوارع، وما أكثر هذه الحوادث التي بلغت المئات في الشهر الواحد بحسب تصريحات مديريات المرور في العاصمة والمحافظات، وازدادت هذه الحوادث بشكل لافت بعد النمو المهول في استخدام الدراجات النارية من الشباب وحتى الاطفال في بعض الأحيان.

ولنبدأ هذه الحكاية المؤلمة مما يتعرض له رجال المرور من معاناة سواء من الأجواء الحارة صيفا والباردة شتاء، او المتجاوزين عليهم من الذين يستندون الى ظهور قوية. لاحظت في أحد التقاطعات ستة من رجال المرور واقفين لتنظيم السير، والتقاطع يتطلب مثل هذا العدد، لكونه مركزيا وتزدحم فيه السيارات، ورأيت ان نصب اشارات ضوئية وهي ليست بالكلفة الكبيرة يمكن معها الاستغناء عن خمسة منهم، والاكتفاء بواحد فقط، بمقدوره تنظيم عملية السير بسهولة مع وجود الاشارات الضوئية، وبذلك نحافظ على صحة الباقين وتجنيبهم حالات الارهاق، فالإنسان أثمن شيء في الكون، لكن اللامبالاة وفقدان السيطرة على الامور، جعلنا ندفع ضحايا كثيرة في قطاعات مختلفة، ما كان لها أن تحدث مع التفكير السليم والجهد المخلص والشعور بالمسؤولية تجاه الانسان أولا.

ولم ألحظ على مستوى استخدام العجلات بمختلف أشكالها ان أوقف رجل مرور طفلا يقود دراجة نارية، وحضراتكم ترون كيف يتعاملون مع الشارع، روح طفولية، سرع عالية، اجتيازات كيفية، وكأنهم في لعبة الكترونية. ومع ان العوائل تتحمل جانبا كبيرا من المسؤولية، لكن لا يمكن الحد من هذه الظاهرة الا بتطبيق القانون من خلال حجز الدراجات لحين حضور الأهل.

ولا يختلف الشباب عن الأطفال في ذلك، فقيادة غالبيتهم متهورة، ومنهم من يستمتع بالتي تطلق أصواتا عالية، ما يربك ويزعج المارة وسواق السيارات، فضلا عن الافراط في استخدام المنبهات، وأود أن اذكّر ان سواق المركبات يتحملون تبعات أي حادث يقع لصاحب الدراجة النارية بصرف النظر عن المسبب، والسؤال لماذا لا تتخذ مديرية المرور العامة الاجراءات المناسبة لحماية الانسان من الطيش.

في العراق سابقا، وفي مختلف أنحاء العالم حاليا، تُعامل الدراجات النارية معاملة السيارات، ولا يسمح لأحد بقيادتها ما لم يحصل على ترخيص، وما لم تكن الدراجة مسجلة في الدوائر المعنية، ان هكذا اجراء يخفف من ازدحام الشوارع ويقلل من الحوادث، ويعظّم موارد الدولة عن طريق الغرامات وضرائب التسجيل وغيرها.

قد نتفهم عدم المحاسبة على تجديد السنوية واجازة السواق تحسبا من الزحمة واحتمالات انتقال عدوى فيروس كورونا، ولكننا لا يمكن أن نستوعب السماح بالقيادة بدون اجازة سوق، صدقوني ان شعار (السياقة فن وذوق وأخلاق) لم يعد له وجودا لدى الكثيرين، يراد تفعيل سياقات قديمة كمرافقة الراغب بالحصول على رخصة لرجال المرور لمدة لا تقل عن شهر، ليتعرف على معاناتهم، ويتفهم المشكلات الناجمة عن عدم الالتزام بقواعد السير السليمة.

ومن زاوية ثالثة شكا رجال المرور مرارا من ان البنى التحتية من شوارع ومجسرات وأنفاق لا تتحمل هذا العدد الكبير من المركبات، فما بالك ونحن نضيف اليها الآلاف من الدراجات النارية وأمثالها من الستوتات والتكاتك. يجب ايقاف مثل هذه الاستيرادات حتى وان زعل السياسيون التجار، مرة استقلت ستوتة مضطرا للانتقال من منطقة الشورجة الى الباب الشرقي، ورأيت كيف يقود صاحب الستوتة عجلته على هواه، وعكس اتجاه السير، بينما يتفرج رجال المرور على مراوغة صاحب الستوتة للمركبات، وأظن أن ليس من المناسب السماح للستوتات والتكاتك العمل في بعض مناطق بغداد، لما يشكله ذلك من تشويه للجوانب الحضارية والجمالية، هل من وقفة تأمل واعادة النظر بما يجري حرصا على الانسان؟

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق