مذ دخلنا سوق العمل حتى وجدنا أنفسنا مجبرين على الدخول لساعات في لقاءات اجبارية تعرف بأجتماعات العمل، عادة ما تكون الساعات ذات طابع استعراضي من قبل المدير او الداعي للاجتماع (المسؤول) الذي في معظم الاحيان لا يملك ثقافة او فن ادارة حوار ويغلب على حديثه التصنع لتغطية الفراغ الفكري والثقافي الذي يعيشه.

للإنصاف ليس كل المدراء او المسؤولين بهذه الصفات السيئة فمنهم ما يهمه احاطة العاملين بما لديه من افكار تخدم مصلحة عمل المؤسسة، ويتصف بأسلوب ديمقراطي في طرح الافكار كما يتقبل النقد والانتقاد الذي من شأنه ان يحسن النتاج ويطور من امكانات العاملين.

بعد سنوات من العمل ازداد الرفض وعدم التقبل لهذه الاجتماعات، ففي البداية كنت اظن ان الامر يتعلق بي شخصياً، غير اني ادركت ان هذه المعاناة تطال اغلبية العاملين في المؤسسات الرسمية وغير الرسمية على سواء.

فما ان تسأل أي موظف في أي شركة او دائرة عن اللحظات التي لا يحبذها والتي يسعى لتجنبها سيجيبك وبدون تردد هي اوقات الاجتماعات، وهذا الرفض ليس له علاقة بنجاح العاملين او فشلهم، ولايرتبط بمدى حبهم للعمل من عدمه.

يبرر الكثير من الموظفين عدم ارتياحهم للاجتماعات من اعتقادهم بأن مثل هذه اللقاءات ستوفر مساحة كبيرة للمدراء او المسؤولين لنشر غسيلهم بدافع مرضي نفسي متناسين وليس بدافع الإنجاز أو الاستماع إلى الآراء قبل اتخاذ قرارات مصيرية تهم المؤسسة والعاملين بصورة تشاورية.

ان بعض المدراء ايضا يشتكون من كثرة من الاجتماعات التي تفرض عليهم من الجهات العليا والتي تقلل من نسب انجازهم للعمل، ففي دراسة نشرت ملخصها مجلة (هارفارد بزنس ريف) الالمانية قالت ان 65% من المدراء في قطاعات مختلفة يرون ان الاجتماعات (تخفض وتيرة انجاز مهامهم) عن المعدل الطبيعي وهو ما يستحق التأمل الطويل في الظاهرة كونهم هم من يديرون الاجتماع عادة.

وتضيف الدراسة ان 71% من المشاركين في الاجتماعات يقولون انها تساهم في تباعد الموظفين من بعضهم ولا تقربهم من خلال اثارة المشاكل بينهم او من خلال القاء اللوم على بعضهم مما يخلق تناحر للتبرير عن القصور الذي رمي عليهم.

في الطبيعي يراد لغرفة الاجتماعات ان تكون مكاناً للعصف الذهني والافكار الابداعية التي يقدمها الرئيس والمرؤوسين كما في الكثير من المؤسسات الناجحة، لكن تحولها الى غرفة يضيع فيه الوقت عبر كلام فضفاض لا ينفذ ويترك في ذات المكان دونما اهتمام او حتى تفكير فيه.

قد يخرج المجتمعون من الاجتماع دون الرسم للأهداف التي يفترض ان تطبق فيما بعد، فمثل هذه الاجتماعات تهدر فيها الجهود وتصيب العاملين بالإحباط مما قد يتسبب في جعل الموظفين يضجرون من الاجتماعات بل ويبغضونها.

من علامات الملل من الاجتماع هو محاولة تمضية الوقت عبر الانشغال بالهواتف بتصفح برامج التواصل او ادعاء ورود اتصال معين للخروج من الضغط النفسي الذي ينتج عن الاجتماع، حتى صارت الاجتماعات كلمة منفّرة شوّهت فكرتها الأساسية باعتبارها تشعر الموظفين بأنهم يساقون إلى لحظات خانقة لا يمكن أن يضيفوا فيها شيئاً يذكر.

الدوافع وراء هذا النفور هي: اولا تكرار الكلام وطريقة البدء المملة مع احتمالية انتهاء الاجتماع بأزمة بدل حل مشاكل ومعوقات العمل التي يفترض ان تعمل هذه الاجتماعات على حلها وتذليلها لا تعقيدها او خلق مشاكل جديدة وبالتالي زادة العقدة لدى العاملين وارتفعت نسب عدم الارتياح للاجتماعات.

كما ان الاجبارية في المواعيد وفي مواضيع الاجتماع تمثل سبباً من اسباب عدم التقبل للاجتماعات، فالإنسان لا يحبذ الاجبار وحريته هي افضل ما يملك، وبدونها ينقص الانسان احد ابرز ملامح ادميته التي لا يستسيغه محيها.

اما السبب الثالث فهو التركيز على السلبيات ولوم الموظفين عليها وعدم تثمين الايجابيات وتعزيزها ولو بشيء معنوي يعطي الدافع لإنجاز المهام الموكلة اليهم بهمة واتقان.

وعدم وجود هدف للاجتماع يمثل احد مسببات سخط الموظفين من الاجتماع، فقد يدعوا المدير الى اجتماع طارئ كردة فعل على تقصير احدهم اليس الافضل استدعاء الموظف المقصر واستبيانه عن سبب التقصير؟، تلك هي ابرز مبررات عدم الارتياح للاجتماعات.

اما ما يجب ان تتصف الاجتماعات لتكون ذات مقبولية فهي عدة محددات اولها تحديد موضوع ووقت الاجتماع مما يبقى الاجتماع في اطار المقبولية مع انعدام التذمر منه سيما اذا كان الداعي منطقي وذو اهمية.

كما ينبغي ان يركز الاجتماع على الإيجابيات كما التركيز على السلبيات او اكثر وبذلك يشعر الموظفون بالرضا عن انفسهم ومؤسساتهم وهو ما يسهم في زيادة انتاجيتهم وولاءهم الوظيفي.

كما التركيز على اسلوب حل المشكلات وليس خلق المشكلات بين الموظفين الذي يزيد من الشحناء بينهم وبالتالي يخرج الاجتماع بمشاكل اخرى مضافة الى المشاكل التي عقد الاجتماع من اجلها.

ولان الهدف الرئيس من الاجتماع هو حل اشكالية معينة او وضع خطة عمل تناسب المرحلة، فمن الضروري وضع حلول وخطط ممكنة التطبيق بعيداً عن المثالية واستعراض الافكار المثالية التي لا مجال لتطبيقها في الواقع.

ولابد من ابداء مرونة للعاملين لطرح افكارهم ومناقشتها وعدم التسلط عليهم فكرياً او عدم الاهتمام لما يقولون وبهذا يحصلون على قدر من الشجاعة في التفكير الابداعي الذي يحسن العمل ويطوره.

واخيرا ينبغي ان يبتعد المسؤولين عن الاستخفاف بموظفيهم عبر سلوكيات كثيرة منها تأخرهم عن الوقت المحدد للاجتماع مستمداً شرعيته في ذلك من كونه مسؤولاً لا يحاسب في حين يوبخ من يتأخر من الموظفين ولو لدقائق معدودة، وبهذه المقترحات او التوصيات العملية يمكن نحسن الصورة المشوهة للاجتماعات الروتينية ونجعلها أكثر مقبولية.

اضف تعليق