بدت كوردةٍ زُرِعَت بغير ارضها، وارتوت من ماء اجاج حتى ذبل الندى على خدود ربيعها الخامس عشر، فقد تحولت زهرة في الخامسة في عمرها بعد ان قُطِعَت بعنف القدر الذي ايتمها من امها، الى هشيم يحرقه سواد الليل في بيوت لا تحمل من البيوت أي سمة سوى الاسم، فما هي الا مراتع لاستغلال ضعف البشر، واصابتهم بمرض الدعارة.

ثلاثة من بينهم امراة، اختاروا ان يرتكبوا بحقها هذه الجريمة الفضيعة، تاجروا باحلام طفلة واجبروها على شرب كأس الليل في سواد الغربة، وهم ابوها وزوجته وشقيقة زوجته.

وفيما كانت عيونها تتطلع الى حكم القاضي لينصفها، وعيونهم تراقب من وراء القضبان، صدر الحكم عليهم بالسجن خمس سنوات، ولها بالالتحاق بدار الحنان للرعاية الاجتماعية.

هذه قصة طفلة كقصص العشرات غيرها، ويبدو ان التفكك الاسري من جهة وبرودة الاواصر الاجتماعية عندما تجتمع مع الفقر من جهة اخرى، تؤدي الى هذه النتيجة، فلم يعد التحلل الاخلاقي خافياً وسط مجتمع يسوده الجهل.

ان تنوع القصص التي تجعل الاهل يتاجرون بأجساد بناتهم، او تجعل النساء يتاجرن بأجسادهن، ويعرضنها بضاعة بثمن بخس، تتفق جميعها على محور واحد وهو الاحتياج.

الأخلاق لا تطعمنا خبزاً!

بائعة هوى قالت ممتعضة وهي تشعل سجارتها وتنفث الدخان بعيداً، ’’ إن الدعارة بالنسبة لنا مهنة نعيش منها, والأخلاق لا تطعمنا الخبز‘‘، واضافت: ’’ أعطوني مهنة أعيش منها وسأترك مهنة الدعارة وسأتوب إلى الله‘‘ لكنها تردف ضاحكةً ’’إن الخريجين لا يجدون عملاً فكيف يمكنكم منحي إياه‘‘ ثم تذمرت بسرعة وقالت ’’ كفى تحقيقاً، أتركوني وشأني، فالشرطة لم تلاحقني يوماً ولم تحقق معي، وها أنتم تفعلونه معي‘‘

هل الموت جوعا حلال؟!

وتساءلت اخرى كمن يفضفض عن ثقل كبير “لماذا الناس سريعو الحكم علينا ولماذا ينظرون إلينا نظرة دونية، نحن بشر مثلكم ونحن ضعيفات جداً، بالنسبة لي أنا لا أملك شيئا لأعيش منه، سوى بيع جسدي وتغطية تكاليف حياتي من مأكل ومشرب وملابس، ولا يهمني إن كان ما افعله حراما، وهل الموت جوعا حلال؟!

نادلات أم بغايا

شاعت مؤخراً في بعض المطاعم والمقاهي لا سيما شارع أبو نؤاس فكرة جديدة للعمل، وهي أن تقضي النادلات أيامهن في اماكن العمل، يقدمن الخدمة للزبائن، لكن يبدو أن العمل نادلة بالنسبة للبعض منهن، مجرد غطاء للعمل كباغية.

مجموعة من الشباب رووا أنهم لم يكونوا يعلمون أن المقهى الذي ذهبوا اليه في منطقة العرصات هو احد هذه المقاهي، ففوجئوا حين دخولهم، بفتيات صغيرات بملابس مثيرة وصدور مكشوفة يقمن بخدمتهم، يقول أحدهم ’’ اضطرب الشباب وهم يطلبون اركيلة ولم ينتبهوا ان سعرها 25 ألف دينار، إذ ان أكثر ما شغلهم هو انحناء الفتيات أمامهم، وهن يطبعن قبلة على المناديل الورقية ويضعنها في جيوبهم، قبل ان يقدمن الأركيلة، ومعها لقطات مكشوفة لصدورهن بطريقة موحية، وبعد ان خرج الشباب من المقهى ودفعوا فاتورة زادت عن 150 ألفاً دون ان يتأسفوا على المبلغ، بل انشغلوا طوال الوقت بالفتيات اللواتي زودنهم بأرقام هواتفهن وهن يعرضن خدمات أخرى!

تجارة خاسرة

وتذكر الابحاث الاجتماعية و تقرير لمنظمة الدولية للهجرة بأن تقديرات الاتجار بالبشر تبلغ نحو 800 ألف شخص عبر الحدود سنويا، لكن الإحصاءات داخل العراق من الصعب جدا معرفتها باستمرار، ومادامت هنالك تقارير تؤكد الاتجار بالبشر داخل وخارج العراق وبوجود صفقات مشبوهة بتحويل الفتيات إلى سوريا والإمارات ومنهن من يتم تحويلهن إلى أوروبا، فلماذا نستغرب تنقل بائعات الهوى في الشوارع والمحلات وعرض أنفسهن على المارة؟

وعلى الرغم من أن الدستور يحظر الاتجار غير المشروع، فان العراق يفتقد الى قوانين جنائية على نحو فعال، وهذا ما يجعل المرأة العراقية ذات سمعة مشبوهة، بسبب إفرازات الحروب وما خلفتها من فقر وعوز وغياب للمعيل، من أب او أخ او زوج . ولو قامت الحكومة العراقية بواجبها في معالجة البطالة و الفقر واحتضان النساء المعنفات والمحرومات من اسباب الروق والرعاية العائلية، لما بلغ الانحلال هذا المستوى المزري وهو ُيرى على المكشوف في الشوارع، وعلى الرغم من أن الدعارة موجودة على مر السنين إلا أن المجتمع العراقي، مجتمع محافظ، يصعب معه الاعتراف بوجود الدعارة وبتنقل النسوة البغايا في الشوارع.

وتجد تقارير صحفية أن غياب منظمات المجتمع المدني، عن متابعة هذه الظاهرة، وانشغال السلطة بالقيم الدينية والعشائرية، التي تتعامل مع ظاهرة الاتجار بالنساء والدعارة كمحرَّم لا يجوز الاقتراب من أسواره، السبب في غياب الكثير من الحالات والتفاصيل، عنها، وجعل الحصول على الإحصائيات الدقيقة المتعلقة بأعداد النساء العراقيات اللواتي يمارسنه، أمراً أقرب للمستحيل. ولا يجوز عدم التنبه الى ما آل اليه الوضع بعد 2003 والفوضى التي ضربت اطنابها في البلاد، حيث شكّل منطلقاً لنموّ الظاهرة، وأصبح العراق من أكثر بلدان العالم عرضةً لنشاط العصابات المنظِّمة لتجارة الرقيق الأبيض، في اطار الفساد المستشري في كل ميدان بدءاً من الفساد الاداري والمالي في الدولة .

ويؤكد تقرير منظمة العفو الدولية أن انتشار الاتجار بالبشر يشمل 139 دولة بينها 17 دول عربية يقع العراق في مقدمتها. ويشير التقرير الى ان اكثر من ألفي فتاة عراقية يتعرضن سنوياً للخطف من أجل تحويلهن إلى سلع يتم بيعهن مقابل آلاف الدولارات، أو يُحتجزن ليُسخَّرن للعمل كالرقيق حتى يسددن ديوناً تسجَّل عليهن. والكثير منهن يتعرضن للعنف أو الاغتصاب. ووفق منظمة حقوق الانسان الدولية يرى المتاجرون بالرقيق الأبيض أنه كلما صغر سن الفتاة، كان الربح المتوقع منها أكبر.

اعراض جانبية!

يؤكد اطباء الاسرة ومتخصصي الامراض الجنسية، أن بائعات الهوى ينقلن أمراضا عدة في مقدمتها (السيدا) بحكم العلاقات الجنسية غير المشروعة، وتضيف التقارير الاجتماعية والطبية: ان بائعات الهوى شريحة مهددة، بحاجة إلى التوعية لتفادي الأسوأ، لكن المشكلة في حياء إعلامنا، وحياء مجتمعنا، من تناول ظاهرة بيوت الهوى المنتشرة اليوم، والكثير من المرضى الذين يزورون العيادات الطبية الخاصة، يعانون من أمراض جنسية خطيرة ونكتشف أنهم من ممارسي العلاقات الجنسية غير المشروعة، ويزداد الوضع خطورة عندما يصبح مرض الإيدز أول الأمراض التي تواجهها الاسرة العراقية كأعراض جانبية لعلاقات غير شرعية.

مقترح حل

كمقترح لمعالجة هذه الظاهرة، يجب أن تأخذ منظمات المجتمع المدني ومنظمات حقوق المرأة على عاتقها متابعة مصائر هؤلاء النسوة، بمساندة الحكومة ووزارة الداخلية، فأن من يمارسن هذه المهنة يجب أن يتلقين محاضرات في الفقه الإسلامي ومحاضرات في تنمية السلوك الاجتماعي الصحيح, وأن يحظين بالرعاية النفسية والصحية وتوفير المهنة الشريفة لهنّ، اذ ان تخليص المجتمع من هذه الظاهرة واجبٌ انساني ووطني وأخلاقي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0