صدر بعون الله كتابي الجديد الموسوم (جريمة اثارة الفتنة الطائفية..... دراسة تحليلية مقارنة) وستتولى توزيعه مكتبة صباح بصفحات عددها 257 وجاء في مقدمته الاتي:

يقول اللورد دينيس لويد (القانون هو إحدى المؤسسات الجوهرية في حياة الإنسان الاجتماعية، لولاه لأصبح الإنسان مخلوقاً مختلفاً عما عليه الآن) ويضيف بان (الإنسان في أحسن حالاته مزيجا بين الخير والشر ويتكرر انتصار الشر على الخير وتظهر جلياً قوى الظلام المغروسة في طبيعته البشرية مما يستوجب كبحها بحزم حتى لا تؤدي إلى دمار النظام الاجتماعي الذي بدونه لا تكون حياة الإنسان أرقى من حياة الحيوان لذلك لابد من وجود القانون الرادع).

هذا الكلام اقتبسته لأنه أفضل مدخل لبيان أهمية القانون في معالجة الفوضى التي حدثت في العراق بعد أحداث عام 2003 وفي بعض البلدان المجاورة، وظهور العبث الفكري الفوضوي في فهم النصوص الدينية وتوظيفه تجاه إذكاء روح الشقاق بين أبناء المجتمع الواحد الذي كان يسعى لان يظهر وحدته المزيفة، لأنه يمثل التفكير المتجذر في الأذهان وهو التعصب إلى الفرق والأديان والعقائد والقوميات، وكان يتوارى خلف الشعارات الزائفة بوحدته فكريا ودليل هذا القول إنها ظهرت بشكل لا يوصف عند أول اختبار للوحدة بعد انتهاء الدولة بشكلها المعاصر وظهور قوة السلاح خارج إطار الدولة.

وبما أن موضوع الكتاب هو ((جريمة إثارة الفتنة الطائفية)) فان مادته تكون الأفكار والرؤى التي تتقاذفها التيارات الدينية المختلفة، لأنها لم تقف عند حد التفكير والدفع بالحجة القولية، بل وصل الأمر إلى الاقتتال ومرد ذلك إلى ضعف الإمكانات الفكرية والأدوات الإصلاحية لدى المصلحين ولان أهم ما يميز الإنسان عن سواه من المخلوقات هو العقل واهم صورة من صوره التي نستدل بها على وجوده وسلامته ومقدار نضجه هو التفكير، وفي الشريعة الإسلامية السمحاء نجد إن التفكير استحوذ على كل مفرداتها تقريباً فالتفسير مناطه التفكير في النص، وإصدار الأحكام والإفتاء لا تتم إلا بالتفكير، والاجتهاد هو إعمال للفكر في النص القرآني، وهكذا حال العلوم تدور مع التفكير والتعقل وجوداً وعدماً، ولو انتبهت بالتفاته بسيطة الى القرآن الكريم، لوجدت إن اغلب الآيات تنتهي بأفعال التفكر والتعقل ومنها ألا تعقلون ألا تفكرون وما يماثلها من الأفعال الأخرى.

وقد أشار الى ذلك المفكر محمود عباس العقاد في احد كتبه المسمى التفكير في الإسلام وهكذا نجد إن التفكير مقرون بأفعالنا وأفعال أسلافنا ولم يقتصر ذلك على امة دون أخرى بل متزامن مع كل الأمم، وأي تجمع إنساني أو حينما تنفرد مع ذاتك، فهو موجود لا محال وحتى الذي يوظف إمكانياته الفكرية باتجاه سلبي فان يفكر أيضاً، فالمجرم يفكر قبل إن ينفذ جريمته عن طريق التخطيط والتصميم، وحتى الذين كَفَروا أو الذين يُكَفِّرون الآخرين ومنهم أصحاب الفكر الظلامي السائد الآن، فأنهم يفكرون في إيجاد المبرر للإقناع فيما هم فيه، أو بإيجاد المسوغ للإفتاء بتكفير الآخر.

إذن لماذا هذا التباين بين الأمم وحتى بين الأفراد، إذا كان الجميع يفكرون وإنهم يشرعون في الحياة من خط شروع واحد يبدأ بالصرخة التي يطلقها الإنسان حين ولادته، فالجواب على ذلك أراه بأن المشكلة لا تكمن في التفكير، بل بكيفية التفكير سواء كان في الأسلوب التعليمي أو التثقيفي أو حتى الإفتائي، حيث إن الأسلوب هو الذي يحدد المسار الذي يسير به تفكيرنا، وعلى مستوى الأسلوب التفكيري عند المسلمين في الوقت الحاضر، تراه أسلوباً منزلقاً باتجاه الماضي منغلقاً على الأحداث التاريخية بعيداً عن الأسلوب الاندفاعي باتجاه المستقبل المنفتح على الإبداع والخلق المتحصل من خلال الملكات التي وهبنا إياها الخالق عز وجل، لا بل نحن ابعد ما نكون عن أوامر الله عز وجل التي وردت بالقرآن الكريم، عن رغبة كل البشر في المعرفة ويقول أرسطو ان (كل البشر يرغبون بطبيعتهم إلى أن يعرفوا) إلا أنهم بحاجة إلى قدرات ومهارات وفي نظرية المعرفة (Epistemology) نجد إننا كثرا ما نتصور معرفة الأشياء ومن ثم يتضح لنا إننا على خطأ، وذلك يعني بالضبط إننا لم نكن نعرف تلك الأشياء، وهذا ما لا نجده عند من يتصدى للترويج للأفكار لأنه يعتقد بأنه يملك الحقيقة وحده دون غيره ومن ثم تظهر فتاوى التكفير بوازع الدفاع عن العقيدة.

ولأنها تمثل خطر كبير يدمر المجتمعات وأصبح أمرها واقع فعلياً في العراق وان ضحايا هذه الأفكار وصلت إلى أرقام كبيرة جداً كان لابد من التصدي لها عبر الوسائل المتاحة ومنها التشريع وان كان وحده لا يكفي لأنه يعالج الموضوع بعد وقوعه وكان سبيل المعالجة عبر القانون الجنائي عندما جرم فعل إثارة الفتنة الطائفية وجعلها جريمة إرهابية معاقب عليها بالإعدام على وفق قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005.

ومن الجدير بالذكر ان القانون الجنائي أو قانون العقوبات هو فرع من فروع علم القانون التي لها صلة بالجريمة. ويمكن تعريفها بأنها مجموعة القوانين التي تضعها الدولة إزاء السلوك المنهي عنه، بحيث يهدد أمن والسلامة العامة ومصلحتها ويعرضها للخطر، وتسن العقوبات من أجلها على منتهكي هذه القوانين ولان الفتنة الطائفية لم تكن إلا أفكار لم تبنى على مقدمات صحيحة فأعطت نتائج غير صحيحة وإنها والغلو في الدين صنوان واتت من قلة في الفقه وضحالة في الفهم لابد من التصدي لها بالوسائل الفكرية منها نشر ثقافة التسامح ومعرفة فقه الاختلاف وتشجيع النقد وأعماله والتشجيع على قبوله والابتعاد عن التجريح والتشهير وتنمية روح الحوار الفكري والتأملي وليس النقلي والاقتباس المنغلق وولوج باب النصح والتوجيه وليس التأنيب وفي مجالات كثير أشار لها العديد من المختصين في هذا المجال.

وبما ان المشرع العراقي اتبع في سياسته الجنائية تجريم إثارة الفتنة الطائفية والميل نحو التشديد في العقاب لأن نتائجها وآثارها على درجة عالية من القساوة والوحشية التي تتنافى والطبيعة الإنسانية، كما كانت من الجرائم الحديثة في التوصيف القانوني في المنظومة القانونية العراقية حيث لم يتم التصدي لهذه الأفعال من قبل لأنها لم تكن ظاهرة للعيان وإنما كانت الأفكار المتطرفة والتي لا تقبل بالرأي الآخر تجد لها متسعاً في التشريعات النافذة في العراق منذ تأسيس الدولة العراقية وبعض الأنظمة اعتمدتها لتجريم الآخر وأوقعت فيه شتى العقوبات ومنها الإعدام.

ويرى بعض الكتاب إنها كانت مشرعة بحكم القانون ولا تحتاج إلى الإعلان أو القتل المباشر وإنما يقتل من لم يتفق معها بحكم القانون، وهذا دعا إلى التصدي لها من وجهة نظر قانونية بتحليل الجريمة وأوصافها وتأصيلها للوقوف على أسباب ظهورها.

وتناولت العرض بفصلين الأول تمهدي وتاريخي للفعل المجرم (إثارة الفتنة الطائفية) مع التعريف وبيان الأسباب والآثار التي انعكست على المجتمع وبيان كونها من جرائم التحريض وفي مباحث ومطالب عدة ثم تناولت في الفصل الثاني جريمة (إثارة الفتنة الطائفية) بتعريف مفرداتها من الجوانب اللغوية والاصطلاحية وأركانها المادية وصورها وماهيتها والعقوبات المقرة لها معززة بتطبيقات قضائية ثم الخاتمة التي أوجزت فيها ما تم عرضه في ثنايا الكتاب مع النتائج التي توصلت إليها.

ويبقى ذلك الكتاب محاولة إيقاد جذوة البحث في موضوع يعتبر أرضاً بكراً للبحث والتقصي والدراسة وانه لم يحيط الموضوع من كل جوانبه وإنما أشار إلى بعضها دون التفصيل الموسع لسعتها وعدم إمكانية الإحاطة بها في كتاب واحد وفي الختام اسأل الله تعالى إن يمن علينا برضاه وقبول المتلقي ومن الله التوفيق.

..........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق
د. حسام السيد
مصر
لسلام عليكم ، أخي الكريم ... أريد نسخة من الكتاب، برجاء إفادتي حول كيفية الحصول عليه ، علماً بأنني مقيم بجمهورية مصر العربية .2015-12-17

مواضيع ذات صلة

0