ليس القمع وحده هو الأسلوب الذي يتبناه الحكام كي يسيطروا على الجموع الغفيرة من الشعب، ويدخولهم في دائرة الاقتصاد ودوامة الوظائف والعمل بطواعية وعدم تمرد، فثمة أساليب أخرى قد تغني عن العنف أو وسائل القمع، ومنها وربما أهمها، اعتماد الطبقة الحاكمة اسلوب التضليل الإعلامي، فإن تضليل عقول البشر هو على حد قول باولو فرير "أداة للقهر". فهو يمثل إحدى الأدوات التي تسعى النخبة من خلالها إلى "تطويع الجماهير لأهدافها الخاصة. فباستخدام الأساطير التي تفسر وتبرر الشروط السائدة للوجود، بل وتضفي عليها أحيانا طابعا خلابا، يضمن المضللون التأييد الشعبي لنظام اجتماعي لا يخدم في المدى البعيد المصالح الحقيقية للأغلبية. والمقصود بكلمة التضليل هنا (manipulation) التأثير في شخص أو (هيئة أو جماعة) بطريقة تنطوي على التمويه والتلاعب.

على أن تضليل الجماهير لا يمثل أو أداة تتبناها النخب الحاكمة من أجل الحفاظ على السيطرة الاجتماعية. فالحكام لا يلجأون إلى التضليل الإعلامي –كما يوضح فرير- إلا " عندما يبدأ الشعب في الظهور (ولو بصورة فجة) كإرادة اجتماعية في مسار العملية التاريخية"، " أما قبل ذلك، فلا وجود للتضليل (بالمعنى الدقيق للكلمة) بل نجد بالأحرى قمعا شاملا. إذ لا ضرورة هناك لتضليل المضطهدين، عندما يكونون غارقين لآذانهم في بؤس الواقع".

والواقع أن القمع – أي كبت الفرد وإخضاعه كلية- لم يقتصر على أي كيان جغرافي أو سياسي منفرد. فأغلب البشر تعرضوا للقمع على مر العصور وفي كل أرجاء العالم، من خلال وضع من الإفقار الكامل يطرح نفسه على أنه "طبيعة" (ويكون ذلك صحيحا في حالات قليلة)، على أنه لا يعدو في أغلب الحالات، أن يكون النتيجة المترتبة على التقسيم الاجتماعي غير المتكافئ.

فحتى وقت قريب لم يكن هناك سوى قلة نادرة من البلدان التي شاء لها حظها السعيد أن تجمع بين الموقع الجغرافي وكفاية المصادر الأولية والسبقية التاريخية، مما وفر لها وسيلة الإفلات من مخاطر الندرة والكوارث الاقتصادية المتكررة، ومع ذلك فقد ظل القمع حتى في تلك المواقع المتميزة نسبيا، قدر أغلب الناس حتى أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر.

ولقد مثلت أمريكا الشمالية منذ البداية، حالة شديدة الخصوصية. فهي القارة الغنية بالموارد، المتحررة من القيود الاجتماعية التي كبلت أوروبا وآسيا، والمنتزعة نهائيا ودون رجعة سكانها الأصليين بالقوة المسلحة وبالخداع والحيلة. وقد تم تطويرها بمعدلات سريعة وفقا لمبدأ أخلاقي اقتصادي استغرقت بلورته وتطويره قرونا عديدة في أوروبا الغربية.

وإذا استثنينا السود والملونين الآخرين، الصفر والحمر والسمر – وه استثناء يشمل الملايين- فإن القمع لم يكن يمثل الأداة الرئيسة للسيطرة الاجتماعية في أمريكا. ولم تدع الحاجة لاستخدام القمع ووضعه موضع التنفيذ إلا في مناسبات متباعدة وقصيرة الأمد بوجه عام. فمنذ العصر الكولو نيالي (أي فترة الاستيطان في القارة)، ظل المهيمنون على النظام الاجتماعي يمارسون بفعالية تامة تضليل الأغلبية البيضاء (أي استمالتها والتمويه عليها) وقمع الأقلية الملونة.

فقد تمثلت "العبقرية المرعبة للنخبة السياسية الأمريكية منذ البداية، وكما لاحظ جورفيدال، في قدرتها على إقناع الشعب بالتصويت ضد أكثر مصالحه أهمية".

وعلى رغم أنه من الصحيح تمامان في تصوري، وصف الولايات المتحدة بأنها مجتمع منقسم يمثل فيه "التضليل الإعلامي" إحدى الأدوات الرئيسة للسيطرة، في ايدي مجموعة صغيرة حاكمة من صناع القرار من أصحاب الشركات ومسؤولي الحكومة، فإن من المفيد أن نورد تحفظا تحذيريا واحدا في هذا الصدد.

فحقيقة التمايز بين من يملكون ومن لا يملكون، ينبغي ألا تُفهم على أنها تعني وجود فاصل جامد لا يمكن تخطيه بين فئتين، يناضل فيه " الذين يملكون" الذين تحددت هويتهم سلفا، من جيل لآخر، للحفاظ على وضعهم المتميز. صحيح أن ذلك قابل للحدوث بل ويحدث بالفعل، إلا أنه لا يعد تفسيرا كافيا للديناميات الاجتماعية المؤثرة في الواقع. فمن الضرورة بمكان أن نتذكر أن الموقف قد يختلف بالنسبة لكثير من الأفراد.

إن الأداء الوظيفي العادي لنظام السوق، القائم على الملكية الخاصة، ينتج باستمرار إضافات جديدة للطبقات العليا، تماما مثلما يضيف للقطاعات الوسطى. إذ تضاف أعداد جديدة من المهيمنين الجدد، كما أن توزيع الأدوار بين الحكام والمحكومين يمكن أن يتغير، بل يتغير بالفعل، على رغم أن ذلك لا يتم بطبيعة الحال بانقلاب ثوري مباغت. ونتيجة لذلك فقد يصبح متلقو الأوامر فيما سبق مُصدرين للأوامر. كذلك قد يجد بعض الخاضعين للتضليل الإعلامي أنفسهم وقد تحولوا إلى ممارسين لهذا التضليل. لكن لاحظ أيضا أن ذلك ممكن الحدوث حتى في البنية الاجتماعية الساكنة (الاستاتيكية) حيث تتوازن مع التحولات الحادثة في اتجاه معين تغيرات تسلك الاتجاه المضاد.

والواقع أن التقسيم الثابت للمجتمع إلى فئتين عريضتين من " الرابحين" و " الخاسرين"، إنما ينشأ وتتوافر له عوامل الاستمرار نتيجة للحفاظ على نظام التملك الخاص للملكيات المنتجة والاعتراف به، بل وتقديس هذا النظام، وامتداد مبدأ التملك الخاص لجميع اوجه الوجود الإنساني الأخرى. ويؤدي القبول العام بتطبيق هذا التنظيم على النشاط الاجتماعي، لا محالة، إلى أن يحقق البعض نجاحا اقتصاديا، ثم إلى تعزيزهم لنجاحهم، وأخيرا إلى انضمامهم إلى المتحكمين في تشكيل وصياغة الحياة الاجتماعية، ويظل الآخرون، اي الأغلبية، يمارسون أعمالهم بوصفهم ممتثلين لا اكثر، وبوصفهم محرومين ومضللين ... وهم يتعرضون (أو يتم إخضاعهم) للتضليل الإعلامي على وجه التحديد، من أجل الاستمرار في المشاركة (إن لم يكن بإخلاص تام فعلى الأقل بصورة إيجابية) في روتين الحياة اليومية المقرر. ويقدم النظام لهم مقابلا يكفي لاكتساب بعض مزايا الوضع الاقتصادي المقبول، في الوقت الذي يؤدي بهم التضليل الإعلامي إلى أن يراودهم الأمل في إمكان تحويل هذا الروتين الحياتي اليومي، إلى امتياز شخصي أكبر لأنفسهم ولأطفالهم.

وليس من المستغرب أن يبلغ التضليل الإعلامي، بوصفه أداة للهيمنة، أعلى درجات تطوره في الولايات المتحدة، ففي أمريكا، أكثر من أي مكان آخر، تتيح الظروف المواتية التي عرضنا لها باختصار فيما سبق، الفرصة أمام قسم كبير من السكان للإفلات من القمع الشامل، ومن ثم يصبحون عناصر فعالة (من الوجهة الإمكانية) في العملية التاريخية، ذلك أن التضليل الإعلامي يسمح بالمظهر الخارجي للانخراط النشط، بينما يحول دون الكثير من الفوائد المادية وكل الفوائد السيكولوجية للمشاركة الأصيلة.

وحيث يكون التضليل الإعلامي هو الأداة الأساسية للهيمنة الاجتماعية، كما هو الحال في الولايات المتحدة، تكون الأولوية لتنسيق وتنقيح الوسائل التقنية للتضليل على النشطة الثقافية الخرى. ومن هنا تجتذب أنشطة التضليل الإعلامي، طبقا لمبادئ السوق، أذكى المواهب نظرا لأنها تقدم أعلى حوافز النظام. وهكذا ينتهي الأمر بالدارسين الموهوبين من حاملي الدكتوراه في الأدب الإنكليزي وظيفة محرر إعلانات. فشارع ماديسون يدفع أضعاف ما تدفعه أقسام اللغة الإنجليزية بالجامعة.

وأخيرا.. إن وسائل التضليل عديدة ومتنوعة، ولكن من الواضح أن السيطرة على أجهزة المعلومات والصور على كل المستويات، تمثل وسيلة أساسية، ويتم تامين ذلك من خلال إعمال قاعدة بسيطة من قواعد اقتصاد السوق. فامتلاك وسائل الإعلام والسيطرة عليها شأنه شأن اشكال الملكية الأخرى، متاح لمن يملكون رأس المال. والنتيجة لذلك هي أن تصبح محطات الإذاعة وشبكات التلفزيون والصحف والمجلات، وصناعة السينما ودور النشر مملوكة جميعا لمجموعة المؤسسات المشتركة والتكتلات الإعلامية. وهكذا يصبح الجهاز الإعلامي جاهزا تماما للاضطلاع بدور فعال وحاسم في عملية التضليل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*هذا المقال ملخص من كتاب المتلاعبون بالعقول، تأليف هربرت شيلر، ترجمة عبد السلام رضوان.

اضف تعليق


التعليقات

محمد ميثم الأسدي
العراق
هذا المقال أورثني السؤال التالي.. هل التلاعب بالعقول وممارسة التضليل في أمريكا فقط، وهل أننا في العراق نتعرض للتضليل الإعلامي؟؟ أفضل المقالات تلك التي تثير الأسئلة لدى القراء.. جهد متميز ومقروء2018-09-23