ثقافة وإعلام - كتب

ادب السجون في العراق

عرض كتاب

الكتاب: أدب السجون خلال سنوات الحكم الديكتاتوري في العراق (2003 - 1963)، (دراسة نقدية تطبيقية)
الكاتب: عدنان حسين أحمد
الناشر: دار الحكمة بدعم - من المركز الثقافي العراقي، لندن
الطبعة الاولى/ 2014
عدد الصفحات: 400 صفحة من الحجم الكبير

 

السَجن، هو سلب لحرية إنسان بوضعه في مكان يقيد حريته، والسجن هو طريقة لاحتجاز شخص بموجب حكم قضائي أو قرار إداري من سلطة يستند إما إلى قانون ينص على عقاب الشخص لكونه ارتكب جريمة أو لمجرد قرار تقديري من سلطة مخولة باحتجاز الأشخاص إجراء وقائيا تقوم به إدارة الأمن بوصفها سلطة عامة.. للتحفظ على مشتبه به. حتى إتمام تحقيقاتها. ويطلق على السجن بغرض التحفظ ب الحبس الاحتياطي أو حبس تحفظي، أو اعتقال وقائي.

وهو كإجراء وقائي مخول للسلطة أو الإدارة لتقديرها ان شخصا بعينه يشكل خطورة على المجتمع أو يشكل تهديدا على المجتمع أو النظام.

السجن بهذا المفهوم الأخير يطلق عليه أيضا" اعتقالا" وهذا الأخير يكون تعسفا من السلطة العامة التنفيذية إذا استطالت مدته على النحو الذي يساوى فيه بين المعتقل لشبهة دون ثبوث جرم فعلي، وبين المسجون لكونه قد ارتكب بالفعل جريمة يعاقب عليها القانون بالسجن وسلب الحرية.

والسجن مكان معد ليكون صالحا لحبس شخص أو أكثر ويكون إعداده بوضع الأسوار والقضبان الحديدية وتعيين الحراسة اللازمة لمنع المسجون من الفرار. وبعبارة أخرى يتم وضع كل الوسائل الممكنة لمنع الشخص من الخروج من المكان المحبوس فيه وتحت سيطرة كاملة لحراس السجن. اما بالنسبة للتيار الفكري العام، وبالنسبة لأنصار نظرية الحرية العامة، فهناك نوع من الاحتقار للسجن كأداة للعقاب. السجن يدمر الإنسان وهو يمنعه من الإبداع ومن التقدم ومن البناء فهو لذلك محتقر.

للسجن اضرار على الافراد والمجتمع: سياسية، واجتماعية، واقتصادية، وثقافية، وصحية، وغيرها.

من ذلك، الملل وعدم القدرة على ممارسة اي انشطة منتجة ابدا -مخاطر نشوء مجتمع شمولي يخدم مصاله فقط ويلجا إلى نظام المعاقبة بالسجن لإخراس معارضيه ومنتقديه -الاستعباد بحيث يستعبد الإنسان داخل السجن بتلك الطريقة. "عبد سجين" لكن وياللأسى فان ما يقال هو سجين وليس عبدا- تهميش الفرد واضعافه نتيجة لسجنه مما يعرضه لمخاطر الاغتصاب والاعتداء الجنسي أكثر واكثر.

عانى الشعب العراقي بكل مكوناته القومية والدينية والمذهبية، وانتماءاته السياسية والفكرية على مدى أربعة عقود من ديكتاتورية حزب البعث العربي الاشتراكي منذ انقلابه الدموي بالغ الوحشية في الثامن من فبراير (شباط) 1963 حتى سقوطه في التاسع من أبريل (نيسان) 2003 من بشاعات وسلوك همجي ضد كل من يختلف معه ويرفض نهجه الوحشي، وخصوصاً في ظل حكم صدام حسين، سواء كان ذلك قبل تفرده بالحكم بعد إزاحته لأحمد حسن البكر أو بعد ذلك منذ يوليو (تموز) 1979.

ورغم غزارة ما أنتجه المثقفون العراقيون من أدباء وروائيين وقصّاصين ورجال سياسة، من روايات وقصص وذكريات ومذكرات وسير ذاتية توثق ما عانوه هم، أو ما اطلعوا عليه من بشاعات قل نظيرها في العصر الراهن، فإن هذه الإبداعات الأدبية لم تنل ما تستحقه، كما أشار إلى ذلك مؤلف هذا الكتاب، من توثيق من قبل الكتاب والنقاد ورجال الفكر من عراقيين وعرب وغيرهم، قبل أن يتصدى لهذه المهمة الناقد العراقي عدنان حسين أحمد في سفره الغني الموسوم «أدب السجون خلال سنوات الحكم الديكتاتوري في العراق (2003 - 1963) - دراسة نقدية تطبيقية»، الذي صدر عن دار الحكمة في لندن بدعم من المركز الثقافي العراقي الذي دعم الكثير من النتاجات الثقافية لمؤلفين عراقيين.

يقع السفر الذي كتبه أحمد في ما يقرب من 400 صفحة من الحجم الكبير، وزعها على سبعة فصول وخاتمة ضمّنها النتائج التي توصل إليها، وهي حصيلة البحث الجاد الذي قام به.

كرّس المؤلف الفصل الأول للتعريف بمفردتي السجن والمعتقل لغة واصطلاحاً مع نبذة عن أدب السجون، غنية رغم كونها مختصرة. وحلل الخطاب القمعي لحزب البعث، وفضح الطابع القمعي لفكره، وما سببه من كوارث على الشعب العراقي في جميع المجالات. وفي الفصل الثاني جاء على ذكر نموذج غني لأدب السجون هو روايتا الأديب السعودي عبد الرحمن منيف الذي عاش ردحاً ليس بالقصير في العراق وغادره محتجاً على سياسة حزبه، حزب البعث الحاكم يوم ذاك والروايتان هما: «شرق المتوسط» و«الآن.. هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى».

أما في الفصل الثالث الخاص بثنائية الجلاد والضحية، يتناول الباحث عدنان حسين ثنائية القامع والمقموع التي ترسخت في فكر سلطة البعث خلال حقبتي انقلاب 1963 وانقلاب عام1968 حتى 2003، حيث ارتكب الحرس القومي مجازر كبيرة انتقم فيها من كل مناوئيه من اليسار، لكنهم سرعان ما وجدوا انفسهم في السجون ذاتها، وقد وضح ذلك الأديب فاضل العزاوي في (الروح الحية والقلعة الخامسة)، يقول العزاوي"لا تصبح الضحية ضحية إلا لاعتقادها بأن دمها يسكب من أجل الحقيقية، ولا يصبح الجلاد جلاداً إلا لإيمانه بأن سياطه تقود البغال التي تجر عربة التاريخ"، وبحسب فاضل العزاوي فإن الجلاد يهدم في الضحية قدرتها على الحب، كما تهدم الضحية في الجلاد ثقته بنفسه في الوقت ذاته.

كشف الباحث إلى أن أغلب السجون العراقية تقع في الأماكن النائية جداً وفي قلب الصحراء، إلا أن كتابات أدب السجون بنماذجها المختلفة تنتشر وتتضاعف عقب الثورات والانقلابات والهزائم، كما هو في روايات فاضل العزاوي وكتبه النقدية، لكن في قراءة نقدية فاحصة نجد هنالك امكانية تبادل الأدوار بين الضحية والجلاد، فلا غرابة ان يصبح الجلاد ضحية كما في رواية (مدينة من رماد) وأن يتحول الضحية إلى جلاد كما في رواية (القلعة الخامسة) حيث ظل العراقيين وقوداً دائمة لمحرقة الموت.

أما قانون المطبوعات وسلطة الرقيب في ظل الماكينة الإعلامية لحزب البعث التي جعلت انتهاك التابو السياسي في العراق أمراً مستحيلاً، فقد كرّس له الباحث الفصل الرابع، وركز فيه الباحث على (السلامة الفكرية والنصوص الابداعية وقانون المطبوعات وسلطة الرقيب وتوظيف السيرة الذاتية واستنطاق الذاكرة)، فقد صاغت سلطة البعث قانون المطبوعات والنشر وقد اقتبس منها الباحث المادة (16) الخاصة بمحظورات النشر الذي يعتبر فخ للكتّاب العراقيين، يؤكد الباحث عدنان حسين في ص172"الرقيب العراقي له تاريخ طويل من الرعونة والبلادة والغباء...فإن رقيب صدام حسين لا يجد ضيراً في التوقيع على سجن أو إعدام أي كاتب عراقي ينتهك هذا الكم الهائل من الممنوعات، بل إن الكتابة في العراق قد باتت أشبه بالمشي في حقول الألغام"، وهذا ما حصل للروائي عبد الستار ناصر الذي ذاق مرارة السجن الانفرادي بسبب نص إبداعي تجاوز فيه الخطوط الحمراء التي رسمها قانون المطبوعات العراقي، ففي عام 1974 نشر ناصر قصة قصيرة بعنوان (سيدنا الخليفة) في العدد التاسع من مجلة (الموقف الأدبي) السورية الصادرة في شباط 1974، وقد اشار الرقيب من دون لغة مجازية معقدة إلى أن (الخليفة) في القصة القصيرة هو نفسه (خليفة) العراق أحمد حسن البكر، ذكر الروائي مما تقوم به بعض قوى الامن ومنهم شرطة الآداب، كانت في تلك الفترة تقوم بجز الشعر الطويل للشباب والازدراء منهم وقص سراويل الشارلستون وطلاء افخاذ الفتيات اللواتي يرتدين التنورات القصيرة.

وتناول المؤلف في الفصل الخامس مفهوم «ثقافة العنف» عن طريق قراءة متفحصة لإشكالية المثقف العراقي والسلطة القمعية، وذلك من خلال أربعة أعمال روائية هي «دابادا» لحسن مطلك و«الفتيت المبعثر» لمحسن الرملي و«إعجام» لسنان أنطون و«غراب آدم» لفرات ياسين.

وفي الفصل السادس تفحص الباحث «ثقافة العنف في العراق» من خلال كتاب «مذكرات سجينة» الغني، الذي يتناول قصص عشر سجينات عراقيات تعرضن للموت في سجون صدام، والذي كتب من قبل كل من فاطمة العراقي وعلي العراقي، وكتاب «الفضيلة عذراء أبداً» لعلي الأنصاري، لأن الضحايا في هذين الكتابين قد أعدموا أو قتلوا أو سمموا من قبل جلاوزة النظام البعثي المقبور.

كما ركز الفصل على دور المرأة المؤمنة في مقارعة الطغاة في كل العصور. وتحدث عن مأثرة السيدة الفاضلة بنت الهدى وكثير من زميلاتها المؤمنات باعتبارهن رمزاً للبطولة والإيمان.

وتناول الفصل أيضا إشكالية العنف الجنسي الذي عالجته الروائية هيفاء زنكنة في روايتها «في أروقة الذاكرة».

وتحدث الكاتب في الفصل السابع والأخير من بحثه القيم عن «أدب السيرة الذاتية» وتناول فيه أربع سير ذاتية وهي «ليلة الهرير في قصر النهاية» لأحمد الحبوبي «وجدار بين ظلمتين» وهو مثال للسيرة المزدوجة بقلم بلقيس شرارة وزوجها الدكتور رفعت الجادرجي و«في ضيافة الوحش»، وفي «الهروب إلى الحرية» للدكتور حسين الشهرستاني.

وحول كتابه عن أدب السجون والملامح المميزة التي تجعلنا عندما نقرأ رواية أو نصا شعريا يمكن أن ندرجه تحت هذا الأدب، يقول عدنان حسين "ما أدهشني عبر هذا البحث الطويل الذي لا أزال منهمكاً فيه هو المخيلة التي تتفتق عن آخرها حينما تضع الأديب المبدع في زنزانة، وتصادر حريته الشخصية حيث يطوف هذا السجين العالم كله وهو جالس بين أربعة جدران كابية وحيّز معتم لا تتوفر فيه أبسط شروط العيش الإنسانية. ويمكن العودة إلى روايات عبدالرحمن منيف وفاضل العزاوي وهيفاء زنكنة وغيرهم الكثير لتكتشف صحة ما أذهب إليه. فالثيمات والزمان والمكان والشخصيات كلها سجينة مأسورة إلى أجل غير مسمّى، كما أن التعويل على بصيص الأمل يمنح القارئ ثقة كبيرة بالمستقبل الذي يجب أن ينطوي على تغييرات محددة حتى وإن كانت تقع في خانق المستحيل".

ويشير إلى أنه "لا فرق كبير بين العراق وبقية الدول العربية من حيث طبيعة الحريات المتاحة وحجم القمع الموجود في سجونها ومعتقلاتها، بل في حياتها العامة. فبعد سقوط الأقنعة فيما يسمّى بالربيع العربي اكتشف العالم كله أن البلدان العربية متساوية مع فروقات بسيطة في اضطهاد شعوبها لكن العراق كان يتصدر قائمة الدول العربية فهو لا يجد حرجاً في أن يدفن خمسة آلاف مواطن وهم أحياء في يوم واحد، ولا يخشى من أن يستعمل الأسلحة الكيمياوية ضد العراقيين العزّل في شمال الوطن أو وسطه أو جنوبه، ولا ترتعد له فريصة حينما يطهِّر السجون ويبيد المئات من البشر في مدة زمنية قياسية.

كما اخترت العراق أنموذجاً لأن غالبيه مبدعيه قد ذاقوا مرارة الاعتقال والسجن والتعذيب، بل أن معظم رؤساء العراق الذين تربعوا على كرسي الحكم قد بدأوا حياتهم في السجن أو انتهوا إليه في خاتمة المطاف. وربما تكون قراءتي الشاملة لمعظم ما كُتب من أدب السجون في العراق هي التي دفعتني للتخصص في هذا المضمار المضني وتحليله والكتابة عنه. وأتمنى أن يأتي اليوم الذي أكتب فيه عن أدب الحريات وليس عن أدب السجون والمعتقلات".

وردا على تساؤل حول علاقة المثقف بالسلطة خاصة أنه تناول جوانب تجمع بين السلطة والمبدع والمثقف مثل سلطة الرقيب وثقافة العنف، يقول "علاقة المثقف بالسلطة هي علاقة إشكالية بامتياز. ففي العراق تحديداً ينقسم المثقفون إلى ثلاثة أقسام حيث يتخندق القسم الأكبر مع السلطة وهم وعّاظ السلاطين حسب توصيف عالم الاجتماع العراقي علي الوردي، فيما يقف القسم الثاني مناوئاً ومناهضاً لهذه السلطة وهم قلّه نادرة تقاتل إلى أن تنفد ذخيرتها ثم تلوذ بالمنافي الداخلية أو الخارجية، أما القسم الثالث فيختار الابتعاد عن الأضواء أو الانسحاب إلى المقاعد الخلفية أو العزلة البيتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0