لقد إِنتابتني حالةٌ من الهلعِ وأُخرى من الضّحكِ في آنٍ واحِدٍ وأَنا أُتابعُ تصريحات المسؤولين العراقييّن، وعلى مُختلفِ المستويات، وهم يُعربونَ عن دهشتهِم لإدراج العراق بنص القرار التنفيذي الأَخير للرّئيس الأميركي دونالد ترامب والموسوم [حماية البلاد من دخول الارهابيّين الأجانب الى الولايات المتّحدة]!.

إِنّ القرار الأَخير إِستندَ بروحهِ بالأَساس على نصَّينِ تشريعيَّين سابقَين كان الكونغرس الأميركي قد أَصدرهُما وقد أَدرج فيهما اسم الْعِراقِ! الأَوّل عام (٢٠١١) والثّاني نهاية العام (٢٠١٥)! الّا أَنّ إِدارة الرَّئيس السّابق باراك أوباما لم تفعِّلهُما بشَكلٍ كافٍ ولذلك لم يُثيرا كلَّ هذه الضجَّة التي أَثارها قرار ترامب الأَخير.

فضلاً عن أَنّهما لم يكونا بهذهِ الحدِّيَّة والفوضى كالتي وردت بالقرارِ الجديد.

إِلّا أَنّ أَصلِ الموضوع (إِدراج إِسم الْعِراقِ) ليس بالأَمر الجديد! فلماذا دُهش المسؤولون العراقيّونَ من الأَمرِ الآن تحديداً؟! هل أَنّهم لم يكونوا على علمٍ به؟! فتلكَ مصيبةٌ! أَم أَنّهم كانوا على علمٍ بالموضوع ولكنّهم لم يستوعبوه فلم يُعيروا لَهُ إِهتماماً كافياً؟! فالمصيبةُ أَعظمُ!.

فأَينَ كانوا كلَّ هذهِ السِّنين؟! لماذا لم يتحرَّكوا لإقناع واشنطن لتحذفِ إِسم الْعِراقِ من أَول قرارٍ تمَّ إِدراجهُ فيه؟!.

هذه الأَسئلة المشروعة التي يجب أَن ينبري المسؤولون العراقيّونَ للردِّ عليها وتوضيحها للرّأي العام بشَكلٍ مُقنع، خاصَّةً رئيس الحكومة السّابق الذي تزامنت إِحدى زياراتهِ للعاصمة الأَميركيّة واشنطن مع صدور أَوَّل القرارَين (٢٠١١) تُثير أَكثر من علامة تعجُّب وإِستفهام عن طبيعة الديبلوماسيّة العراقيّة! ومدى نجاحها في حماية الْعِراقِ ومصالحهِ في العالَم!.

فأَين كانت وزارة الخارجيّة؟! أَنائمةٌ فلم تعرف ما الذي يدورُ في واشنطن تحديداً والتي تُعتبر أَهم دولة بالنّسبةِ للعراق على أَكثر من صعيدٍ ولأَكثر من سببٍ؟! وهي التي يربطنا بها إِتّفاق شراكة استراتيجيّة؟! أَم كانت مشغولة في ترتيب أَوراقها الاقليميّة ليتبيّن لنا فيما بعد أَنّها محروقة كلّها؟!.

أَين كانت لجنة العلاقات الخارجيّة في مجلس النّواب؟! أَم كانت مشغولة بالرّحلات المكوكيّة بين البُلدان والتي لم تدفع ضرراً عن الْعِراقِ ولم تجلِب لَهُ منفعةً؟!.

إِنّ الدّهشةَ التي عبّرَ عنها المسؤولون العراقيّون دليلٌ واضحٌ على أَنّ بغداد غافيةٌ على [صدرِ القناة]! وغائبةٌ عن الوعي لا تُتابع ولا تُراقب ولذلك تأتي ردود أَفعالها مُتأَخرةً جدّاً أَو لا تأتِ بالمرَّة!.

إِنّ الدّهشة دليلٌ على أَنّهم أَضاعوا مصالح الْعِراقِ! وكلّ ذلك بسبب الصّراعات الحزبيّة والسياسيّة الضّيّقة التي شغلتهُم عن مسؤوليّاتهم الحقيقيّة في الدّفاع عن العراق وشعبهِ ومصالحهِ!.

إِنَّ إِضاعة المصالح الوطنيَّة السّياسيّة ديبلوماسيّاً لا يقلُّ خطورةً عن إِضاعة نصف الْعِراقِ وتسليمهِ للارهاب!.

لقد باتَ العراقيّونَ محلَّ تندُّرٍ في العالم! فبعد كلّ الذي حصلَ منذ العام ٢٠٠٣ ولحدِّ الآن، وبعد كل التُّهم الظّالمة التي تحمّلها العراقيّونَ في العلاقةِ مع الولايات المتّحدة، وبعد كلّ التشدق الذي يُبديه المسؤولون العراقيّونَ في كونِ الْعِراقِ يُقاتل الارهاب بالنّيابةِ عن العالَم، بمن فيهِ الولايات المتّحدة، يتبيَّن اليوم أَنّهم مُتَّهمون بالارهابِ وأَنّهم مصدرٌ مُحتملٌ للارهابِ في الولايات المتّحدة!.

فهل بَعْدَ هذا الفَشَلِ الذّريع فشلٌ؟!.

لو حصلَ مثل هذا في أَيِّ بلدٍ في العالَم لشهِد إِنقلاباً سياسيّاً عظيماً ضدَّ المسؤولين! أَمّا في الْعِراقِ فلقد اكتفى الجميع بإبداءِ الدّهشة! وسُجِّلَ الفشلُ الديبلوماسي ضدَّ مجهولٍ إِسوةٌ بالفسادِ والفشلِ والارهاب!.

لا يُمكنني هنا أَن أَدعو مجلس النّواب العراقي الى إِستدعاء وزارة الخارجيّة العراقيّة كلّها منذ العام ٢٠٠٣ ولحدّ الآن لمساءلتِها ومحاسبتِها بسبب تفريطِها وتضييعِها لمصالحِ الْعِراقِ وغفلتَها عن مثلِ هذا الموضوع الخطير الذي يمسُّ سُمعةِ البلادِ والعراقيّين، لأَنّ مجلس النّواب بحدِّ ذاتهِ أَحد الأَطراف المسؤولة عمّا حصل! أَوَليسَ هو الذي وقَّع على إِتفاق الشّراكة بين واشنطن وبغداد؟! فلماذا لم يُتابع التّنفيذ والمستويات التي وصلت اليها العلاقات الثُّنائيَّة بين البلدَين مع الحكومة ووزارة الخارجيَّة تحديداً؟!.

فما العمل؟! ومَنِ الّذي يجب أَن يُحاسب مَن؟!.

برأيي؛ فانّ الذي يجب محاسبتهُ هو كلّ الحكومة وتحديداً وزارة الخارجيّة ومجلس النّواب وتحديداً لجنة العلاقات الخارجيّة كذلك منذ العام ٢٠٠٣ ولحدِّ الآن! وأَنّ الذي يجب أَن يُحاسبهم هو الشَّعب العراقي المتضرِّر الأَوّل وَالأَخير من هذهِ الغفلة والتّغافل ومِن هذا القُصور والتَّقصير الذي أَضاع سُمعةِ الْعِراقِ!.

الإرهابيون لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى تَأْشِيرَاتٍ!

أَولاً؛ مجنونٌ الرَّئيس ترامب اذا تصوَّر أَنّ قرارهُ بشأن الهِجرة سيحمي الولايات المتَّحدة من الارهاب، أَو انّهُ سيمنع من دخولِ الارهابيّين الى البلاد؛

١/ لأَنّ الارهابيّين لا يدخلونَ بجوازاتِ سفرٍ ليمنعهُم في المطار!.

أَتحدّاهُ أَن يقدِّم لنا دليلاً واحِداً على عملٍ إِرهابي نفَّذهُ مُسافرٌ قدِم الى الولايات المتَّحدة بجوازِ سفرٍ!.

كذلك، أَتحدّاهُ أَن يذكرَ لنا إِسمَ لاجيءٍ واحِدٍ نفّذَ عملاً إِرهابيّاً هنا في الولايات المتّحدة! خاصَّةً من الدُّول السّبع.

هل نسِيَ مَن الذي نفّذ هجمات كاليفورنيا وفلوريدا الأَخيرة؟!.

طبعاً أَكيد هو سيَسوق أَسماء الارهابيّين الذين ارتكبوا جريمة الحادي عشر من أَيلول عام (٢٠٠١) كدليلٍ! عندها سيعرِف هو قبلَ غيرهِ كم هو مخطئٌ عندما لم يُدرج إِسم نِظام [آل سَعود] الارهابي الفاسد في قانونهِ العُنصري والشَّعبَوي!.

٢/ إِنّ الارهاب لا يمنعهُ مطارٌ ولا تمنعهُ تأشيرة دخول، فالإرهابُ عقيدةٌ فاسدةٌ وثقافةٌ منحرفةٌ وسياسةٌ مدمِّرةٌ وهذا كلُّهُ موجودٌ ومنتشرٌ في الولايات المتّحدة من أَقصاها الى أَقصاها، تحميها وتُشجِّع عليها سياساتهُ الجديدة وتغذّيه منهجيّتهُ العُنصريّة والشَّعبويّة الحاليّة! وتُحرِّض عليه إِسقاط منبع الارهاب وحاضنتهِ عمداً من القانون! وأَقصد بهِ نِظامُ القبيلة الفاسد الحاكم في الجزيرة العربيَّة!.

ثانِياً؛ قد تضبط حكومة الدُّوَل المعنيّة بالقرار ردّ فعلِها فلا تتصرَّف بانفعاليَّة ولا ترُدّ أَو تتعامل بالمثِل، كما ذكر ذلك رئيس مجلس الوزراء الدكتور حيدر العبادي، ولكن السُّؤال؛

هل يضمِن الرَّئيس ترامب أَنّ الارهابيّين والميليشيات المسلَّحة المُنتشرة في هذه الدُّول سوف يضبطونَ أَنفسهم كذلك فلا يردّونَ عليهِ بلغتهِم المعهودة؟! كأَن يقتلونَ الأَميركان مثلاً أَو يختطفونهُم؟!.

عندها فسيتحمَّل هو دماء رعاياه من القتلى وعليهِ أَن يدفعَ الفِيدية للخاطفين لإطلاقِ سراحِ المخطوفينَ منهم!.

ثالثاً؛ إِنّ ترامب يخونُ بلادهُ بمثلِ هذا القرار، ويخونُ الجهود الجبّارة والعظيمة التي بذلها رعايا هذه الدُّوَل وغيرهم والتي شاركت في بناء الولايات المتّحدة! فبمطالعةٍ سريعةٍ لعددِ العُلماء والأَساتذة والمهندسين والأطبّاء والمفكّرين والباحثين المنتشرين في الولايات المتَّحدة فسيقف المُنصف على الحقيقةِ التي لا تقبل الجِدال!.

إِنّ آلافاً مؤلَّفة من المواطنين الأَميركان من أُصولٍ عراقيَّةٍ مثلاً لهم دورٌ كبيرٌ ومشهودٌ في الحياة العامَّة هُنا في الولايات المتَّحدة.

تشهد على ذلك (٤) من أَكبر الشّركات العالميّة التي بعثت برسالةٍ اليهِ تطالبهُ فيها باعادةِ النَّظر في القرار!.

كما أَنّهُ يخون دماء الضبّاط والجنود والمدرِّبين الأَميركان الذين يُقاتلون جنباً الى جنب القوّات المسلَّحة العراقيّة الباسِلة في الحرب على الارهاب وتحديداً في معركةِ المَوصل!.

رابعاً؛ المشكلةُ ليست في أَن يمنعَ القرارُ بِضعة آلافٍ من رعايا هذه الدُّول من دخول الولايات المتَّحدة! إِنّما تكمن المُشكلة الحقيقيّة في ما يُثيرهُ القرار من كراهية ضدَّ المسلمين والعرب بشَكلٍ عام! الكراهيّة التي تدفَع باتّجاه إِنقسام المجتمع الأَميركي، من جانبٍ، وتُحرِّض على العُنف والارهاب ضدَّهم من جانبٍ آخر، كما حصلَ خلال اليومَين الأَخيرَين كأَوّل ردِّ فعلٍ عندما أَحرقَ متطرِّفون عنصريّون مسجداً في ولاية تِكساس وهاجمَ آخر مسلّح المصلّين في مسجدٍ في مدينة كبِك في كندا.

من الآن فصاعداً سيتحمّل الرّئيس ترامب مسؤوليّة دماء الأَبرياء التي ستُراقُ ظُلماً وعدواناً كاستجابةٍ طبيعيَّةٍ من قِبل العُنصريّين لهذا القرار.

كما أَنّهُ المسؤول المباشر على كلِّ تجاوزٍ أَو عدوانٍ أَو هجومٍ عنصريٍّ يتعرَّض لَهُ أَي عربيٍّ أَو مُسلمٍ أَو أَيّة مؤسَّسة ومن أَيِّ نوعٍ كان تابعةً لهُم!.

خامساً؛ للأَسفِ الشّديد فانَّ الجامعة العربيّة تحديداً التي لاذت بالصّمت ولم تنبِس ببنتِ شفَةٍ إِزاء ما يجري، قد تعاملت بطائفيّة مع القرار وبذلك تكون قد سقطت شرعيَّتها الحقيقيَّة فلم تعُد تُمثِّل مصالح العرب في العالم!.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1