الانتخابات والمدد الزمنية لإشغال المناصب من بين مسائل السياسة وادارة الدولة التي تظهر في دائرة الاهتمام بين آونة وأخرى، دون ان تحظى بالعناية الكافية لعدم وضوح فاعليتها في تخفيف النزاعات وتحسين الاداء. او لأن الشخصيات والقوى المؤثرة تخشى اضافة عناصر جديدة للنظام السياسي قد تؤدي الى توزيع مختلف للنفوذ بهذا القدر او ذاك، خاصة مع غلبة الانخراط السلبي والنفعي في السياسة والدولة من جهة المشاركين في الحكم والادارة العليا. وفي نفس الوقت هناك جهات نشطة سياسيا وبأدوات اخرى تطمح الى الاطاحة بالوضع القائم جذريا، وهذه لا تريد الترويج لأطروحات التطوير بالوسائل السلمية او غير الانقلابية. وعموما خسر العراق الكثير من فرص الامن والازدهار بسبب اولئك وهؤلاء، والآخرين الذين لا يُعرف عنهم سوى السخط واشاعة الكراهيات واليأس دون استعداد للتعامل مع مقاربات عملياتية للخروج من المأزق.

مبادئ التمثيل والتداول:

التمثيل السياسي للمواطنين وفئات المجتمع في الهيئات المنتخبة وإشغال المواقع القيادية في الحكومة وادارة اجهزة الدولة، او ما يمكن تسميته اجمالا مشكلة السلطة، هي المحور الاساسي للنزاع والرافد الرئيسي للعذاب وسفك الدماء في العراق. فعندما يراد تقييم نظام الانتخابات لتغييره او النظام السياسي بأكمله لا بد من النظر في مدى فاعلية البديل للتخفيف من تلك المشكلة في كبح اطماع الهيمنة والنفوذ. وتهذيب التنافس على الدور والمكانة لفسح الجال أكثر فأكثر لذوي الاهتمام والاحساس بالمسؤولية تجاه الشأن العام، من اجل الناس، والاسهام الجاد في عملية الارتقاء الحضاري الشامل للعراق. وذلك لتغيير الثقافة السائدة في النظر الى الدولة من منطق الغلبة والغنيمة الى انها مؤسسة يملكها المجتمع لتعمل بشروطه وبالإخلاص لمصالحه، وهو التوجه الذي طال انتظاره فمتى تتهيأ له اسباب الامكانية يا ترى؟

وفي خضم الوضع الراهن وفي الامد المنظور يبقى السلم الاهلي هو الهدف الاول إلى جانب حماية حق الانسان في الامن والمساواة امام القانون، واداء الدولة لوظائفها الاعتيادية في تنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية بالحد الادنى من الكفاءة. وعندما تُهمل مبادرات الاصلاح الاداري والاقتصادي او تفشل، ويستمر الانقسام المجتمعي، اثنيا ودينيا، على محور السلطة، يصبح من الضروري، عمليا واخلاقيا، فسح المجال وبالوسائل الديمقراطية لأحداث تعديل كبير في تشكيلة المجموعة الحاكمة وشاغلي المواقع القيادية في اجهزة الدولة والاحزاب.

وللخروج من دوامة الصخب والاضطراب السياسي وضعف الدولة تتطلب العملية نقد القيم السياسية المضمرة خلف السلوك. وفي هذا السياق تُطالَب جميع القوى السياسية اعادة التأكيد بان مواقع الدولة والمكانة الاجتماعية والرئاسة ليست حقوقا للأشخاص والاحزاب على الناس ابدا. ولا يمكن اخلاقيا اكتساب مثل تلك الحقوق بالممارسة ودوام الاشتغال في المناصب العليا والمواقع القيادية. انما المكانة والرئاسة والمناصب لها وظائف تؤديها بشروط معروفة يقتضيها الاجتماع الانساني والصالح العام.

ولذلك آن الاوان لإدانة الترويج للحق الشخصي والحزبي في الشأن العام، بل هي ادوار يعينها النظام. ويمكن، ومن خلال تعديل ضوابط الانتخابات واشغال المناصب، ادخال عنصر ديناميكي في السياسة العراقية عبر تداول مقاعد المجلس النيابي ومجالس المحافظات، وشمول التمثيل واقعيا للسكان والمناطق على النطاق الجغرافي الصغير. ولخدمة الهدفين: الشمول والتداول في البيئة السياسية الراهنة نؤيد:

تصغير الوحدة الانتخابية وسن الترشيح وعدد المقاعد:

والمقصود هنا بتصغير الوحدة الانتخابية ان تعرّف بمقعد واحد ويساعد هذا التحول على تعطيل الدافع الديني–الاثني في التنافس الانتخابي لأن التجانس، بهذا المعنى، متحقق على النطاق الجغرافي الصغير، فينصرف الناس الى المفاضلة بين المرشحين على اسس اخرى. وتتقلص او تنعدم فرص التزوير، وتنخفض تكاليف الانتخابات والتدقيق والدعاية وتصبح نتيجة الانتخابات معلومة في نفس اليوم، ودون الحاجة الى برامجيات حاسوب قد يصعب التأكد من اليات عملها بوضوح للجميع. ومن مزايا هذا التحول تقوية الصلة بين المواطنين ومن يمثلهم في مراكز المحافظات والعاصمة ويتعمق الاحساس بالمشاركة، لا سيما في الاحياء الفقيرة للمدن الكبيرة والارياف، والتي بحكم النظام الانتخابي الجديد، ستكون لها وحدات انتخابية خاصة بها. ومع هذا النظام يكون جميع اعضاء المجلس المنتخب قد وصلوا بالأصوات التي حصلوا عليها وليس بأصوات المشاهير من اعضاء كتلهم. وعلى النطاق الجغرافي الصغير يستطيع الناخبون التأكد من المرشحين والمفاضلة بينهم وعلى اساس المعرفة المباشرة.

وفي هذا السياق من الافضل رفع الحد الادنى لسن الترشيح لمجالس المحافظات والمجلس النيابي الى 40 سنة والحد الاعلى لسن الترشيح 60 سنة، ويؤدي هذا الحصر الى تخفيف حدة التدافع ويساعد على التهدئة. وكذلك تلغى الحصة المقررة للنساء ويترك الامر للناخب وما يرى، لأن اضافة الحصة النسائية مع تصغير النطاق الجغرافي للوحدة الانتخابية لا ينسجمان على المستوى الاجرائي.

بقيت مسالة مهمة وهي عدد اعضاء مجالس المحافظات ومجلس النواب، وهنا لا توجد قاعدة يمكن اشتقاقها من مبدأ نظري بل هو اجتهاد حول كفاية العدد لأداء المهام، التمثيل والتشريع والرقابة وسواها، ويكفي عدد اعضاء مجلس المحافظة بين سبعة وخمسة عشر لأصغر وأكبر محافظة وما بينهما. ولمجلس النواب يمكن الاقتصار على 120 او نحو ذلك، وتكون تلك الاعداد ثابتة باستقلال عن نمو السكان في المستقبل.

ويجري الترشيح للانتخابات بصفة احزاب وافراد مستقلين، ويكون الحزب في قائمة لوحده ولا يجوز اشتراك أكثر من حزب في قائمة انتخابية، ولا يسمح بإضافة افراد مستقلين الى قائمة الحزب. ولهذا التحديد آثار ايجابية إذ تضطر الكثير من الاحزاب المتقاربة في المبادئ والاهداف الى الاندماج وهو مطلوب للانتقال من التشرذم الى الانسجام في تيارات عريضة لتعزيز الاستقرار.

وتتشكل الكتل بعد ظهور نتائج الانتخابات واقرارها. ولا يجوز انتقال العضو المنتخب الى حزب آخر او انضمام الفرد المستقل الى حزب منتخب بعد اجراء الانتخابات. وبهذا يبقى الاعضاء المنتخبون من الحزب في نفس الحزب وضمن الكتلة التي ينتمي اليها الحزب حتى نهاية الدورة الانتخابية. وعند فراغ مقعد في مجلس المحافظة او المجلس النيابي، لأي سبب، يشغل المقعد من التالي له في عدد الاصوات تلقائيا وبدون إجراءات اضافية.

تحديد مدد قصوى لعضوية المجالس المنتخبة واشغال المواقع:

اما هدف التداول فيتطلب اعتماد ضوابط تغاير المألوف ومنها المدة القصوى لعضوية اي عراقي في المجالس المنتخبة بالاّ تتجاوز ثمان سنوات بمجموعها متصلة او منفصلة. اي مجموع سنوات عضوية المنتخَب في مجالس المحافظات والنواب لا تزيد عن دورتين، فالذي انتُخِب لدورة سابقة في مجلس المحافظة له المشاركة في دورة اخرى فقط في المجلس النيابي او مجلس المحافظة. وهذه المدة هي القصوى مدى حياة الشخص، وليس من تاريخ صدور القانون الذي يعيّنها. ومن المتوقع الاعتراض على هذا القيد بدعوى تعارضه مع حق المواطن في الاختيار ويغاير الاعراف المحترمة في اغلب الدول. وارى ان هذا الاعتراض يتنكر لأسباب المشكلة السياسية ومنها ان المجتمع، تلقائيا، يعجز عن تغيير المجموعة الحاكمة عبر الانتخاب دون ضوابط تمنع تكريس الوضع القائم. في حين تمس الحاجة الى اعادة توزيع الادوار ومواقع النفوذ بين الاحزاب والاشخاص. ولكي ينجح النظام الديمقراطي لا بد ان يضمن التداول، ولمواجهة الفشل لا باس بالتعديل والتقييد، لأن التداول جوهر الديمقراطية وهو من متطلبات التغيير وعندما لا يستطيع النظام اداء هذه الوظيفة يفتقد مقومات الاستدامة ناهيك عن الكفاءة.

ولكن لا معنى لتداول مقاعد الهيئات المنتخبة وإبقاء مواقع القيادة الحكومية واجهزة الدولة في منأى عن التداول بحجة الخبرة والتكنوقراطية وما شابه. لان اشغال تلك الناصب من نفس الاشخاص والاحزاب مدة طويلة يعرّض الدولة والنظام السياسي لضغوط كبيرة، وخاصة مع عدم التمكن من انجاز إصلاحات ملموسة لمحاربة الفساد وتحسين الاداء الاداري والنهوض بالاقتصاد،

ولذا نقترح:

تحديد مدة قصوى لخدمة المواطن في الدرجات الخاصة، المدير العام والمستشار ووكيل الوزارة ورئاسة الهيئات المستقلة، وجميع المناصب الموازية لهذه الدرجات في العرف الاداري والمزايا. وتلك المدة لا تزيد عن 12 سنة متصلة او منفصلة، وفي جميع تلك الدرجات مدى حياة الشخص ومن البداية الاولى للعمل في الدولة وليس من صدور القانون. ومثلا من شغل وظيفة مدير عام لمدة خمس سنوات لا يجوز له البقاء في وظيفة مستشار او وكيل وزارة لأكثر من سبع سنوات، ومن بقي مديرا عاما ثم بمنصب وكيل وزارة بمدة مجموعها 12 سنة ليس له الاستمرار في وظائف الدرجات الخاصة ابدا.

ومن مزايا هذا التحديد بعث الحيوية في الادارة الحكومية وفي نفس الوقت يسمح باشراك اوساط اجتماعية جديدة لإدارة الدولة فيخفف من دوافع المعارضة والتمرد. اما منصب الوزير ورئاسة الوزارة ورئاسة الجمهورية، ونواب رؤساء الجمهورية ورئيس الوزراء، فلا يجوز الاشتغال في هذه المراكز القيادية بمجموعها لمدة تزيد على ثمان سنوات متصلة او منفصلة لأي شخص. فالذي أصبح وزيرا لمدة أربع سنوات له ان يُستوزر او يعين رئيسا للوزراء او الجمهورية لأربع سنوات اخرى ولا غير.

مجلس الاعيان:

عند اضافة تلك القيود يكون اغلب قادة السياسة في العراق خارج المجلس النيابي والحكومة، وربما يعترضون، او ان قواعدهم الانتخابية لا تطمأن لخروجهم فتبادر هي بالاعتراض على التغيير. ومن بين الحجج ان الدستور لا يسمح بهذه الضوابط بينما لا يفهم من نصوص الدستور عدم جواز تحديد المدد الزمنية في مناصب الوزير ورئيس الوزراء وعضوية مجلس النواب ومجالس المحافظات والدرجات الخاصة.

ومع ذلك لا باس من استبدال المجلس الاتحادي الوارد في الدستور بمجلس اعيان، سواء بتبديل النص او فهم المضمون، وبعدد محدود من المقاعد تُشغل بالانتخاب وعلى اساس المنطقة الانتخابية الواحدة لكل العراق وبدون التقيد بمدة، اي يجوز للجميع الترشيح لإشغال تلك المقاعد بغض النظر عن خدماتهم السابقة في المجالس المنتخبة والحكومة. وعبر هذا الاجراء سوف يحتفظ المشاهير من كبار السياسيين بدورهم في الدولة. ولهذا المجلس، مجلس الاعيان، صلاحية الاعتراض على القوانين والقرارات التنفيذية ذات الاهمية الكبيرة، وايضا له ان يقترح تشريعات وسياسات.

الاحزاب ومنظمات المجتمع المدني وسواها:

ولتوسيع وتعميق التوجه نحو التداول من المفيد شمول الاحزاب ومنظمات المجتمع المدني والنقابات والجمعيات المهنية بتدابير مناسبة منها:

لا تزيد مدة عضوية المجالس العليا لكافة الهيئات والتشكيلات المبينة آنفا عن 12 سنة متصلة او منفصلة. وان تعتمد جميع تلك الهيئات والتشكيلات وثائق واضحة تبين مبادئها واهدافها، وتصدر سنويا تقارير مالية توضح مصادر التمويل وابواب الانفاق. مع وجود سجلات تبين الاعضاء المنتظمين لتلك الهيئات والتشكيلات. وتستحدث لجنة خبراء مرتبطة بالمجلس النيابي لتطوير الاحزاب ومنظمات المجتمع المدني والنقابات والجمعيات المهنية، وضمان اسهامها الايجابي في صيرورة المجتمع الجديد وبناء الدولة.

ويقتضي الاستقرار وتعميق الديمقراطية الرقابة على هذه الهيئات والتشكيلات بمعايير يحددها القانون. ومنها مدى اسهامها في الجهد الوطني لإنهاء النزاعات العنيفة وترسيخ السلم الاهلي؛ وتأكيدها على وحدة العراق وسيادته واستقلاله؛ وان الحكومة المعينة حسب الدستور والوسائل الديمقراطية هي وحدها الممثلة للعراق وهي وحدها التي تزاول سيادة الدولة على ارضه وموارده ومواطنيه؛ والقانون يبين كيف ولماذا تشكل تلك الاحزاب والمنظمات والنقابات والجمعيات، وكيف ولماذا تمنع من الاستمرار في النشاط، والحوافز التشجيعية والعقوبات.

واخيرا، لا تستبعد اعاقة مقترحات التغيير بتفسير نصوص الدستور بالحفاظ على الوضع الراهن والتذرع بصعوبة تعديله. ومما لا شك فيه ان الواجب يحتم مساندة جميع المحاولات السلمية، في الإطار الديمقراطي، لإخراج العراق من الأزمة واحياء الامل بحياة طيبة للأجيال القادمة.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2017
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0