تم في الساعات الماضية تنصيب الرئيس الأمريكي الجديد "دونالد ترامب"، وسط غموض وترقب عالمي، لاسيما في لندن وبروكسل وبرلين، فضلاً عن موسكو التي تبتهج فرحاً بتنصيب الرئيس الجديد؛ وذلك بسبب الأيديولوجية التي يحملها ترامب تجاه موسكو.

وعلى عكس التوقعات التي تشير إلى غموض توجهات ترامب في الشرق الأوسط فأن الرئيس المقبل سيدخل البيت الأبيض ولديه معرفة واسعة بأمور الشرق الأوسط التي أفصح عنها اثناء حملته الانتخابية وبعد ترشحه إلى كرسي الرئاسة أيضاً، لاسيما فيما يتعلق بعملية السلام بين إسرائيل وفلسطين وموقفه من تنظيم "داعش" والإسلام الراديكالي والأنظمة السلطوية التقليدية، فضلاً عن موقفه المسبق من موسكو. وعلى حد قول “ديفيد هيرست" مدير تحرير ميدل "إيست آي"، وكبير الكتاب في الغارديان البريطانية سابقاً، " بأن ترامب هو إفراز للأوضاع التي أوجدها كل من (أوباما وكلينتون وبلير وكاميرون).

في هذا الإطار ستكون بعض القضايا العالمية غامضة أمام المختصين وحتى المقربين من الإدارة الأمريكية على الرغم من نوايا ترامب المسبقة، ومن بين تلك القضايا، علاقة الولايات المتحدة مع الدول الأوروبية، وموقفه الرسمي من الشراكة العالمية مع القارة الأوروبية وحلف شمال الاطلسي، وموقفه من موسكو، لاسيما في ظل التقارب النظري بينه وبين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتعويل موسكو عليه في رفع العقوبات عن الاقتصاد الروسي، فضلاً عن موقفه من الصين وكذلك موقفه الرسمي بعد التنصيب من قضية المهاجرين والمسلمين. وبين الموقف الأول (علاقته مع أوروبا) والثاني (موقفه من موسكو) يتساءل كثيرون عن كيفية العلاقة بين الإدارة الأمريكية الجديدة وبين المؤسسات السياسية والأمنية العريقة في واشنطن؟ وبالمجمل ستكون القضايا الثلاثة (العلاقة مع أوروبا وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط وعلاقة ترامب بالمؤسسات الرسمية الأمريكية) محط اهتمام الجميع.

ربما لا تكون خطوات ترامب واضحة في الأيام الأولى له في البيت الأبيض، إلا أنها ستنجلي خلال المئة يوم الأولى، إذ تعد المئة يوم الأولى مبدأ مهم في تاريخ الرئاسة الأمريكية وتحظى باهتمام الجميع على المستوى العالمي؛ لأن هذه الفترة تعتبر معياراً لفعالية الرئيس الجديد. ويعتبر "فرانكلين روزفلت" رائد مبدأ المئة يوم الأولى الذي تولى الرئاسة عام 1933م في وجه الكساد الكبير وأصدر (15) قانوناً عرفت باسم (الصفقة الجديدة) في فترة زمنية قياسية ساهمت في انقاذ البلاد. ومنذ ذلك الوقت اكتسبت فترة المئة يوم اهتماما كبيرا لدى الرؤساء الأمريكان، وهي دليل للدعاية الانتخابية التي رفعها الرؤساء أثناء حملتهم الانتخابية، وهي الفترة التي تعهد بها الرئيس الجديد بأن تكون الأولوية لأميركا، وهو مبدأ تكلم به ترامب في خطابه الأخير من خلال تأكيده على طرد ملايين المهاجرين غير الشرعيين من الولايات المتحدة وأنه سينتهي من اتفاقية المحيط الهادي التجارية وسيعيد الوظائف إلى الولايات المتحدة وسيوجه وزارة الدفاع إلى وضع خطة لحماية البلاد من الهجمات الكترونية.

وفيما يخص علاقة الولايات المتحدة مع القارة الأوروبية، فان هناك ذهول في أوروبا عقب خطاب ترامب في الاسبوع الماضي الذي وصف فيه "حلف النيتو" بأنه حلف عفا عليه الزمن، وأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي خطوة جديدة لبناء المملكة -وفق ما أدلى به ترامب-، وقد انتقد سياسة الاتحاد، وعلى وجه التحديد سياسة المستشارة الألمانية ميركل فيما يخص أزمة اللاجئين ووصف سياستها بالخطأ الكبير. وفي هذا الجانب يمكن القول، أن خطوات ترامب في فض الشراكة الأوروبية لا تتضح في أيامها الأولى، وربما يكون الرئيس الأمريكي الجديد بانتظار افرازات الانتخابات الأوروبية المقبلة في فرنسا وايطاليا، لاسيما إذا ما افرزت تلك الانتخابات اليمين المتطرف وتصاعد حراك التيارات الشعبوية الأوروبية المناهضة للسياسات الأوروبية وعولمتها.

أما بالنسبة للعلاقة مع موسكو، فان العاصمة الروسية تدرك جيداً وبواقعية سياسية بأن رسم السياسات الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية لا تعتمد فقط على وزير الخارجية أو توجهات الرئيس فقط بقدر ما هي خليط من مؤسسات أخرى فهناك إدارة وكونغرس ومؤسسات أخرى، إلا أن النخبة السياسية الروسية تدرك أيضاً بأن تولي ترامب قد يخلق خطوة كبير في استئناف التعاون الروسي الأمريكي، وهناك آمال كبيرة على أن ينفذ ترامب وعوده الخاصة به في تخفيف أو رفع العقوبات عن موسكو، التي تكلم عنها أيضاً في الاسبوع الماضي بأنه على استعداد أن يلغي العقوبات المفروضة على موسكو مقابل الاتفاق على تخفيف الاسلحة النووية.

هذه التوجهات التي تزيد من غموض العالم اتجاه سياسة أمريكا بعد تولي ترامب الرئاسة قد يكون فيها الفيصل للمؤسسات السياسية الأخرى مثل الكونغرس ووكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) وغيرها من المؤسسات، فضلاً عن التغيرات السياسية المستقبلية في أوروبا، لاسيما في حال صعود الاحزاب اليمنية المتطرفة إلى سدة الحكم وإصرارها على تفكيك الاتحاد الأوروبي والتقارب مع الدب الروسي وإدارة ترامب الخارجية. حينها ستكون التطورات السياسية العالمية قد كشفت عن معالمها الداخلية حيال كل الغموض الذي ينتاب الساحة العالمية الحالية، ووقتها قد يبدي ترامب توجهاته بشأن طروحاته الخارجية.

* مركز الدراسات الاستراتيجية/قسم الدراسات الدولية-جامعة كربلاء

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0