لعب التدخل الروسي في سوريا دوراً كبيراً في تغيير موازين القوى في الأزمة السورية لصالح النظام السوري، ونجح التقارب الروسي التركي مؤخراً في تقريب وجهات النظر بشأن الأزمة السورية، لاسيما بعد تحرير حلب ونجاح الجهود الدولية في وقف إطلاق النار بين النظام وعناصر المعارضة السورية.

وقد عادت روسيا بتعاون تركي إلى احياء المحادثات السورية إلى الواجهة من خلال دعوتها الاطراف المعنية بالصراع السوري إلى محادثات العاصمة الكازاخستانية "الاستانة". وجاءت هذه التطورات بعد التقارب الثلاثي بين روسيا وتركيا وإيران من خلال "إعلان موسكو"، الذي عقد في العاصمة الروسية "موسكو" نهاية الشهر الماضي.

بنود اجتماع الاستانة

على ما يبدو بأن إعلان موسكو قد مهد الطريق بشكل مسبق لمحادثات الاستانة لاسيما مع التقارب الروسي التركي، ووضع بنود لهذا الاجتماع من أجل خلق ارضية مناسبة له، وهذه البنود هي:

• الدعوة إلى ضرورة عقد مفاوضات سياسية بين الاطراف السورية -السورية.

• وقف موسع لإطلاق النار في سوريا يمهد إلى عملية مفاوضات جديدة بعيده كلياً عن الحل العسكري بما يتوافق مع أطراف النزاع السوري وممثليهم الإقليميين والدوليين.

وتمثل عملية نقل المفاوضات من جنيف -التي رعتها الولايات المتحدة الأمريكية برعاية أممية-إلى العاصمة الكازاخستانية "الاستانة"، بمثابة خروج من الرعاية الأمريكية أو الأممية إلى الرعاية الروسية؛ وذلك لكون العاصمة الكازاخستانية مقربة من الروس أو دولة حليفة للروس بحكم العلاقات الروسية الكازاخستانية، وهو على ما يبدو تحدي روسي للمجتمع الدولي والجهود الأمريكية.

ركائز الاجتماع

بالإضافة إلى البنود التي خلقتها التقاربات السياسية بين الروس والاتراك والإيرانيين من أجل خلق الاجواء السليمة لمحادثات الاستانة، فقد ركزت المحادثات بين الاطراف المعنية على ثلاث نقاط مهمة، وهي:

• وقف شامل لإطلاق النار بين النظام والمعارضة باستثناء "داعش" وجبهة "فتح الشام" النصرة سابقاً.

• الاقرار أن لا حل عسكريا في سوريا، واللجوء إلى الحل السلمي والتوصل إلى تفاهمات بين الاطراف المعنية في الأزمة السورية.

• وضع مسودة لتنفيذ قرار (2254).

الجديد في اجتماع الاستانة

يبدو بأن الجديد في محادثات الاستانة هو الرعاية أو الضمانة الروسية التركية لها، بعيداً عن الدور الأمريكي، الذي -ولربما-سيُشرك فيما بعد، وبعيداً ايضاً عن جهود الأمم المتحدة ومحادثات جنيف التي دعا إليها المبعوث الأممي "دي مستورا" في شباط/ فبراير المقبل، فضلاً عن الاعتراف الروسي بشرعية بعض فصائل المعارضة السورية التي كانت تصنفها موسكو كفصائل إرهابية من بينها "احرار الشام وجيش الإسلام والجيش الحر".

عقبات الاجتماع

هناك الكثير من العقبات التي تعترض طريق الاستانة والمحادثات الجارية بين روسيا وتركيا وكذلك الإيرانيين، أهمها: تلك المتعلقة بهوية المشاركين في المحادثات المزمع عقدها نهاية كانون الثاني/يناير الجاري. فروسيا تريد مشاركة الأكراد المتمثل في حزب الاتحاد الديمقراطي وشخصيات من النظام ومنصات محسوبة على القاهرة وموسكو دون أن توجه دعوة إلى الهيئة العليا للمفاوضات وهو ما رفضته أنقرة التي تصر على دعوة الهيئة العليا للمفاوضات وترفض دعوة الأكراد، كذلك هناك بعض التحديات أو العقبات التي تتعلق بالشرعية الدولية وموقف الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، والخروقات التي تتعرض لها عملية وقف اطلاق النار، لاسيما وأن فصائل المعارضة اعلنت شروطها للمشاركة في مفاوضات الأستانة، وأهمها نشر مراقبين لوقف اطلاق النار وشموليته.

وعلى الرغم من الأرضية المناسبة التي يحاول الروس والاتراك خلقها من اجل نجاح مفاوضات الأستانة، إلا أن تجاهل مقررات جنيف الأممية ودورها في عملية السلام السورية في هذه المحادثات، فضلا عن الغياب المحتمل للولايات المتحدة، التي من المقرر ان يصادف وقت انعقاد اجتماع الأستانة تنصيب الرئيس الأمريكي الجديد "دونالد ترامب". فضلاً عن الاختلاف في وجهات النظر بين المعنيين في إدارة هذا الاجتماع على هوية المشاركين، وخلو الاجتماع من التطرق إلى مستقبل الرئيس السوري بشار الأسد بشأن عملية الانتقال السياسي أو في المفاوضات بشكل عام، كل قد يجهض أو يعيق هذه المحادثات ويعرقل سبل نجاحها. وقد تحاول أنقرة -وفقاَ لبعض المصادر-الطلب من المسلحين تنفيذ هجمات متنوعة في أماكن مختلفة للضغط على روسيا من أجل الحصول على تنازلات من الروس، وهذا قد يعيق عملية المفاوضات الجارية. هذه التحولات التي تشهدها الأزمة السورية لا تؤشر على نجاح مجريات الاحداث السياسية والعسكرية في الأزمة السورية بقدر ما هي ضمان لمصالح الدول المعنية بهذه الاحداث، لاسيما تركيا وروسيا وبدرجة أقل إيران.

فتركيا التي كانت رافضة لأي عملية تفاوضية لا تحدد مصير بشار الأسد، بدأت تتضامن مع مصالحها السياسية والاقتصادية بالتوافق مع موسكو وتغض النظر عن بعض أولوياتها التفاوضية السابقة. وهذا مؤشر على التعاطي البراغماتي التركي مع الأزمة السورية البعيد عن مصالح الشعب السوري والمعارضة السورية، لاسيما وأن تركيا بدت عاجزة في عملية درع الفرات وانتزاع مدينة "الباب" بعدما طلبت مؤخراً مساعدة حلف الناتو في العملية المذكورة، فضلاً عن المصالح الروسية والإيرانية من التحولات التي تشهدها عملية السلام في سوريا.

وهي مواقف وتحولات تعبر عن رغبة الاطراف الدولية والإقليمية البعيدة عن مصالح الشعب السوري بشكل عام سواء النظام أو المعارضة، وربما قد يكون تولي الرئيس الأمريكي الجديد مهامه في 20/كانون الثاني/يناير له أثر كبير على مجريات الاحداث في سوريا بغض النظر عن مواقفه مع أي طرف لصالح النظام أم لصالح المعارضة؟ ولهذا قد يكون تحديد موعد اجتماع الاستانة بعد يومين أو ثلاثة من تولي ترامب كرسي الرئاسة الأمريكية له مآرب سياسية من قبل الروس والاتراك.

إذا ستبقى الازمة السورية متأرجحة بين العواصم لحين التوصل إلى توافقات سياسية خارجية مقنعة بين الاطراف الدولية والإقليمية المعنية بها وليس إلى حلول داخلية تضمن مصالح وحقوق الشعب السوري.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2017
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0