مع بدء العد التنازلي لحسم معركة الموصل تتجه الانظار صوب تحرير مدينة الحويجة في كركوك فيما شرعت القوات العراقية بعمليات عسكرية تمهيدية لتحرير مناطق غرب محافظة الانبار وتحديداً المناطق الحدودية مع الجانب السوري (عانة وراوة والقائم).

وبعد اتمام هذه العمليات الثلاث والمتوقع لها ان تكون سريعة لا سيما بعد انكسار التنظيم في الساحل الايسر لمدينة الموصل، تتوفر امكانية كبرى لإعلان تحرير جميع الاراضي العراقية بعد مخاض كبير لمدة ثلاث سنوات فقد العراق خلاله قرابة الـ34 مليار دولار اضافة الى الاف الشهداء والجرحى وقرابة الـ اربعة مليون نازح عن داخليا وغيرها من الأمور.

ولسنا هنا بصدد رصد من هو المتسبب في كل ذلك بقدر ما نهدف لتسليط الضوء على مخاطر ما بعد نهاية داعش وما هي العبر والدروس المستوحاة من تلك التجربة، لذلك نحاول بيان اهم مكامن الخطأ والتفكير المبني على مصلحة انية والعمل بمنطق القوة لوحدها دون البحث عن الجوانب الاخرى وضبابية التفكير المستقبلي والسير على وفق رؤية خاطئة والمشكلة الاصعب الزام الاخرين وإقناعهم بصحة تلك الخطوات.

لذلك فالجميع يتحمل ما الت اليه الاوضاع وبنسب متفاوتة لا سيما الطبقة السياسية وكثيراً من رجال الدين وعلى هذا النحو فان مرحلة ما بعد تنظيم داعش ستكون مليئة بالتركات وعلى مختلف الجوانب وربما اصعب في حالة لم يدرك صانع القرار خطورة الموقف واتخاذ اجراءات مناسبة واستباقية لتقليل تلك الاثار واهم تلك المشاكل هي :

1- المشاكل المجتمعية: اغلب المناطق التي سيطر عليها تنظيم داعش وفيما بعد استعادتها القوات الامنية هي ذات اغلبية سنية او هي مناطق مشتركة عربية كردية وبعضاً منها اقلية مسيحية او تركمانية، الملفت للنظر ان سكان هذه المناطق هم من أكبر المتضررين نتيجة لأخطاء قد يكونوا جزءاً منها لا سيما حركة الاعتصام وما أطلق عليها المحافظات المنتفضة وربما غفلوا عن نوايا من قاد تلك الحملة إلا بعد ان رأوا بأم اعينهم ان من كانوا يتبعوه قد أصبح لاجئا في فنادق كردستان او عمان او تركيا! فيما وقع الحيف عليهم من تهجير وتشريد وقتل وتفجير كما وان اضطهاد الاقليات في تلك المناطق قد ولد حالة من الانتقام والثأر لدى الكثير منهم وحتى من ابناء المذهب او المكون الواحد او العشيرة الواحدة حدثت حالات انتقام وقتل نتيجة انضمام البعض لتنظيم داعش ايام سيطرته وهذا سيجر ويلات وحالات انتقام.

2- المشاكل السياسية: ان من يمثل المناطق السنية او اغلب مناطق سيطرة داعش هم اليوم على اوج التنافس السياسي وحالات تسقيط متبادلة عبر صياغة تهم متبادلة تتركز على التهاون مع داعش او تسهيل دخوله او خذلان ناخبيهم في فترة النزوح والأصعب في الامر ظهور قيادات جديدة ربما ستحدث نوعاً من التنافس ما بين القيادات التقليدية والزعامات الجديدة وسيكون محور التنافس والصراع على حساب ابناء تلك المناطق وهذا النوع من المخاوف قد بدأت شرارته في بعض المناطق المحررة لا سيما الرمادي وصلاح الدين.

3- المشاكل الامنية : ليس بالضرورة نهاية وجود تنظيم داعش في العراق يرافقها امن وأمان او القضاء النهائي على التنظيم ما لم يتم القضاء على جذوره ولا فائدة من نهايته جزئياً وهذا الامر يحتاج لعلاج دائم لأسباب سيطرة التنظيم اضافة الى تجفيف منابعه وطرق تمويله، كذلك مشكلة الخلايا النائمة والتي تعد ابرز اسلحة داعش التكتيكية والتي يلجأ لإيقاظ تلك الخلايا المنتشرة كلما شعر بالحاجة لذلك او عندما يتجه للسيطرة على منطقة معينة فيكون الدور الاكبر لتلك الخلايا بعد تلقيها اسناد ودعم عبر هجوم عسكري وهذه الخلايا ستكون خطر كبير يهدد السلم المجتمعي، ايضاَ من المشاكل الامنية ما بعد التنظيم الجماعات المسلحة خارج القانون والتي تستغل الاوضاع الراهنة لامتلاك العجلات والأسلحة وبعضها تحت عباءة رجال في الدولة وهؤلاء هم الاخطر نتيجة لصعوبة تميزهم وخطورة الصدام معهم كما وان بعضاً منهم يستغل اسم الحشد الشعبي لتنفيذ اجنداته وهذا الامر يحتاج لمعالجات انية.

كما وان هناك مشاكل اجتماعية واقتصادية وغيرها والتي اشار اليها السيد رئيس الوزراء في مؤتمر حوار بغداد مؤخراً والذي عقد بحضور الرئاسات الثلاث اضافة الى نخب سياسية وأكاديمية فضلاً عن مشاركة دول الجوار تحت عنوان (خيارات ما بعد الانتصار).

وهنا نود ان نطرح اهم المعالجات التي طرحها السيد العبادي لما بعد التحرير وباعتقادنا لو حصل اتفاق عليها ربما تلك المخاوف تتبدد بنسبة كبيرة، اما عن تلك المعالجات بحسب السيد العبادي فهي:

اولا: اعادة الأمن والاستقرار والخدمات الاساسية (بما اسميناه اعادة الاستقرار) وتمكين النازحين من العودة الى ديارهم ومشاركتهم في بناء وأعمار ما دمرته داعش ورعاية عوائل الشهداء والجرحى والمقاتلين الذين ضحوا بدمائهم دفاعا عن الوطن، وكذلك المتضررين من الارهاب وتأهيل المجتمع لمحو مخلفات داعش وثقافة العنف والكراهية وتحشيد كل الجهود الوطنية من اجل تحقيق هذا الاهداف الوطنية والإنسانية.

ثانيا: الالتزام باحترام الآخر والتعايش السلمي مع جميع الشركاء في الوطن المختلفين دينيا ومذهبيا وفكريا واحترام مقدساتهم، وحماية الاقليات وقدسية دور العبادة لجميع الاديان والمذاهب (المصالحة المجتمعية).

ثالثا: عدم السماح بعودة الحالات والمظاهر الشاذة التي كانت سائدة في العراق في مرحلة ما قبل احتلال داعش للمدن، وهي حالة التحريض والتوتر والتخندق الطائفي والقومي البغيض على حساب المصالح العليا للبلاد، وهذا ما ساهم في تمكين داعش من اسقاط المدن والمحافظات وعليه يجب الالتزام بالخطاب الذي يكرس روح المواطنة ويحث على الوحدة والتعاون، وعدم السماح لداعش وأي تنظيم ارهابي وإجرامي بالعودة من جديد والتغطية عليه في المدن المحررة او السماح بنمو خلايا ارهابية جديدة.

رابعا: اقامة علاقات حسن جوار مبنية على المصالح المشتركة مع دول الجوار الإقليمي، والعمل بإرادتنا الوطنية وقرارنا العراقي المستقل وعدم رهن ارادتنا ومواقفنا بالخارج فيما يخص قضايانا ومصلحتنا الوطنية.

خامسا: حصر السلاح بيد الدولة وإلغاء المظاهر المسلحة بشكل نهائي، واحترام احكام القضاء وسيادة القانون في جميع مفاصل الدولة والمجتمع.

سادسا: الاستمرار بكل قوة وعزيمة وبتعاون الجميع بمحاربة الفساد بجميع اشكاله وصوره لأنه أكبر حاضنة للإرهاب والجريمة.

سابعا: ابعاد مؤسسات ودوائر الدولة عن التدخلات السياسية والمحاصصة وعدم الاستئثار بمواقع المسؤولية والوظائف العامة، من اجل تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص والاعتماد على العناصر الكفوءة والمتخصصة القادرة على ادارة العمل باستقلالية ومهنية.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2017
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0