مؤتمرات سياسية تم عقدها لأهل غزة في مصر وأخرى في مجالات متعددة قادمة، مصر تعلن عن تسهيلات في معبر رفح وحديث عن منطقة اقتصاد حر، تنفجر مخيمات الضفة الغربية في وجه السلطة وأجهزتها، والانقسام يتعزز وتتسع الهوة من بين غزة والضفة سياسيا واجتماعيا وثقافيا وفي داخل كل منطقة بين المواطنين واللاجئين، والسلطة تزداد ضعفا ويتم تفريغها من مضمونها ودورها الوطني، المفاوضات متوقفة والاستيطان يتعاظم، والفوضى تعم في مناطق السلطة في غزة والضفة، وعلاقات الرئيس تتوتر مع دول عربية ذات وزن وتأثير ويلتجئ لدول أخرى باحثا عن مخرج أو معادلة توازن لعلاقاته العربية وهو في ذلك كالهارب من النار إلى الرمضاء، وحركة فتح العمود الفقري لمنظمة التحرير وللمشروع الوطني تزاد ضعفا وتصبح كالهرة التي تأكل أولادها.

وحركة حماس الحاكمة في قطاع غزة وبسبب أخطاء السلطة ونهجها تجاه غزة وبسبب الخلافات داخل حركة فتح والمنظمة، وبسبب الأجندة العربية والإقليمية، ولأن حركة حماس الإخوانية تعلمت خلال عشر سنوات من السلطة في غزة البراغماتية السياسية، لكل ذلك أصبحت رقما صعبا في كل المعادلات السياسية، بل إن حركة حماس وبعد أن كانت تعيش مأزقا خطيرا بعد سقوط حكم مرسي في مصر باتت اليوم تتدلل على الجميع والكل يريد أن يكسب ودها....

فهل يمكن اختزال كل ذلك بالقول بأن ما يجري له علاقة بخلافة الرئيس أبو مازن ؟ إن الذين يختزلون ما يجري بمسألة الرئاسة و خلافة الرئيس أبو مازن جانبهم الصواب. المشكلة لا تكمن في الرئيس والرئاسة فقط بل في مجمل النظام السياسي : شخوصه وسياساته وشبكة تحالفاته، ومجرد إحلال شخص محل آخر على سدة الرئاسة لن يغير في الأمر شيئا بل قد يزيد الأزمة، وما يجري يتجاوز خلافة الرئيس.

من حق كل وطني فلسطيني أن ينتقد الرئيس ونهجه لأنه عندما يُجمع الكل على وجود أزمة واستعصاء في النظام السياسي في علاقاته الداخلية البينية وفي علاقاته الخارجية، فلا يمكن إسقاط المسؤولية عن الرئيس، ليس لأنه يقف وراء كل ما يجري بل لأنه على رأس حركة فتح ورئيس السلطة الوطنية ورئيس منظمة التحرير ورئيس الدولة والمسئول عن الأجهزة الأمنية. ومن حق أي مواطن فلسطيني أن يطمح بالرئاسة ويطلبها ولكن حسب القانون الاساسي وفي إطار المؤسسات الشرعية. مؤسسة الرئاسة في مستوياتها الثلاثة تحتاج لاستنهاض وتجديد، ولكن السؤال كيف يتم الأمر ؟ انتقاد الرئيس وسلوكياته، وطرح دول عربية وأجنبية لشخص ما ليكون رئيسا لفلسطين حتى وإن كان هذا الشخص مؤهلا للمنصب وله حضور شعبي بدرجة أو أخرى، لا يكفي للقول بحل مشكلة الرئاسة، هذا إذا افترضنا أن المشكلة تكمن في الرئيس والرئاسة.

الرئاسة تعني رئاسة حركة فتح ورئاسة السلطة الوطنية ورئاسة منظمة التحرير، وكل من هذه الرئاسات لها قانون ينظمها وآلية للوصول لها، فرئاسة فتح يجب أن تأتي من خلال انتخابات تجري في المؤتمر العام -المؤتمر السابع-، ورئاسة السلطة تتأتى بنص القانون الأساسي من خلال انتخابات تشريعية في الضفة وقطاع غزة والقدس وبالمسطرة التي يحددها قانون الانتخابات، ورئاسة منظمة التحرير تكون من خلال مجلس وطني أو المجلس المركزي. ومحاولة البعض فرض أو تنصيب رئيس خارج هذه المؤسسات والآليات يعني تجاوزا للمؤسسات الرسمية وانقلابا على منظمة التحرير والسلطة وحركة فتح.

أيضا لا يكفي أن تقتصر ميزة ومؤهل الرئيس الجديد أنه جديد، أو أن يكون مبرر ترشيحه للرئاسة أن الرئيس أبو مازن متقدم في العمر وله اخطاء كثيرة وأن النظام السياسي في عهده بات ضعيفا الخ، بل على طالب الرئاسة أن يقدم برنامجا سياسيا وطنيا حول كيفية مواجهة الاحتلال، وإن كان معارضا للتسوية السياسية وللسلطة وبرنامج أوسلو فعليه أن يطرح الاستراتيجية البديلة، كما عليه أن يقدم حلا قابلا للتطبيق فيما يخص الانقسام وكيفية استنهاض منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح إن كان طالب الرئاسة فتحاويا.

نعم، ندافع عن مبدأ وجود سلطة وطنية ولكن من حقنا وواجب علينا أن ننتقد سلوكها إن اعوج سواء تجاه غزة أو سلوك الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية، ندافع عن الرئيس ونحترمه لأنه منتَخب من الشعب ولكن لا نمنحه صك على بياض ومن حقنا أن ننتقد بعض سياساته وتصرفاته وخصوصا التي تورطه فيها بطانته، ويجب أن نقول للرئيس إن الشقة تتباعد بينك وبين شعبك، وبطانتك توغر قلبك على شعبك وقواه الوطنية الحية من كان منهم داخل حركة فتح أو داخل المنظمة أو خارجهما، كما نقول للرئيس إن تباعد الشقة بينك وبين الشعوب والدول العربية والإسلامية أمر خطير على مستقبل القضية الوطنية.

ولكن، إثارة مسألة خلافة الرئيس هي كلمة حق يراد بها باطل، وخلافة أبو مازن أو تغييره لا تحتاج لكل ما يجري من تدمير للمجتمع والنظام السياسي وخلف فتنة في المخيمات وبين المواطنين واللاجئين والارتماء بأحضان هذا النظام العربي أو ذاك، أليس هناك شبه أيضا بين ما يجري في فلسطين وما يجري في دول عربية كسوريا واليمن وليبيا وقبلهم العراق، حيث تتم عملية تدمير الدولة والمجتمع وتسبيق قتال (العدو القريب) على قتال (العدو البعيد) تحت عنوان تغيير النظام و الرئيس ؟.

إن أخشى ما نخشاه أن كل ما يجري من أحداث وما يتم التخطيط له بالسر يخفي أهدافا أخرى أكثر خطورة، كالتخطيط لانقلاب على النظام السياسي القائم وتشكيل نظام سياسي جديد وبمرجعية جديدة تمهيدا لتسوية جدية بسقف سياسي أقل حتى من أوسلو، تسوية تقتصر على قطاع غزة ومغلفة بالاعتبارات الإنسانية ورفع الحصار، وكل ذلك لا يخرج عن مخطط صناعة دولة غزة، والرئيس القادم سيكون رئيسا فعليا لقطاع غزة فقط، ورئسا شكليا أو نظريا للسلطة الفلسطينية، ونعتقد أن حركة حماس وحلفاءها غير بعيدين عن الموضوع بل مشاركين ولو بطريقة غير مباشرة.

هناك وجه آخر وخطير فيما يجري من حراك سياسي فلسطيني وعربي ودولي يتعلق بخلافة الرئيس، وهو التقاطع ما بين الصراع الداخلي حول الرئاسة وتجديد الشرعيات كما يسميها البعض من جانب والحملة الإسرائيلية ضد الرئيس والتي تشارك فيها واشنطن معتبرين أن الرئيس أصبح ضعيفا وعقبة في طريق السلام بل ويتهمونه بأنه يحرض على الإرهاب. هذا التقاطع، وقد يعتبره البعض تلاقيا، يذكرنا بما جرى مع الرئيس أبو عمار بعد لقاء كامب ديفيد 2 ووقف المفاوضات لرفضه الخضوع للشروط الإسرائيلية والأمريكية للعودة لطاولة المفاوضات.

آنذاك تحدثت إسرائيل عن عدم وجود شريك للسلام وأن أبو عمار عقبة أمام السلام، أيضا ارتفعت أصوات داخلية وخارجية تتحدث عن فساد السلطة وحالة الفوضى وعن ضرورة إصلاح النظام السياسي الفلسطيني والحد من صلاحيات الرئيس وضرورة تشبيب القيادة، وكل ذلك أدى لحصار الرئيس في المقاطعة مع موقف عربي مشين عندما رفض الزعماء العرب في القمة العربية في بيروت 2002 السماح للرئيس أبو عمار التحدث للمؤتمرين مما يعني مشاركتهم في حصاره. وكانت نتيجة ذلك حصار الرئيس وتصفيته سياسيا ثم اغتياله وتمرير خطة خارطة الطريق ثم الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة 2005 تمهيدا لسيطرة حماس عليه في يونيو 2007.

من يراقب المشهد اليوم سيلاحظ وكأن التاريخ يُعيد نفسه بنفس الأطراف تقريبا ولنفس الأهداف ولكن بصورة أكثر مأساوية، والمتطلعون لخلافة الرئيس كثيرون، والأخطر من كل ذلك أن لا أحد يقدم رؤية لاستنهاض المشروع الوطني كحركة تحرر أو فرض قيام دولة في الضفة وغزة، ويبدو أن كل ما يجري صراع على السلطة و في إطار استكمال مشروع دولة غزة وتصفية الحالة الوطنية في الضفة والقدس.

ولكن وفي المقابل لا يمكن ترهيب الشعب وأن يُفرض عليه الصمت عما وصلت إليه أوضاع الشعب الفلسطيني من ترد على كافة المستويات بتخويفه من مؤامرة على المشروع الوطني، هذا مع افتراض أن المشروع الوطني موجود ومعافى، ولا يجوز اتهام كل من ينتقد الرئيس والسلطة أو يطالب بالتغيير وبمحاسبة الفاسدين بأنه مشارك في المؤامرة.

نتمنى اليوم قبل غد أن يتم تجديد الشرعيات والأشخاص على مستوى الرئاسات بكل مستوياتها، لأن هؤلاء قدموا أقصى ما يستطيعون وأصبحوا أسرى مصالحهم وثقافتهم وتاريخهم، بل أصبحوا عقبة أمام استنهاض المشروع الوطني حتى وإن كانت نوايا بعضهم صادقة... ولكن الحالة الفلسطينية لا تقبل لا الدخول في مغامرات غير مضمونة النتائج من أجل طموح البعض بالسلطة أو خدمة لأجندة خارجية، ولا تدمير كل شيء من أجل التمسك بالسلطة.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق