بما أن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إحدى سُبل التغيير في المجتمع، لنا أن نتساءل عن الدلالات الحقيقية لهذه الفريضة؛ فهل هي الدعوة الى أداء الفرائض مثل الصلاة والصيام، والتحلّي بالصفات الحميدة والالتزام بالقيم والاحكام فقط؟ وهل هي النهي عن ارتكاب المحرمات وفعل السيئات فقط؟.

سماحة الامام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي – قدس سره- في حديث له، يؤكد وجود هذه المعاني الظاهرية وغيرها، بيد أنه يدعو الى فقرة أخرى لتحقيق النجاح لهذه الفريضة، بأن يكون، الى جانب الأمر والنهي؛ التفاعل مع المجتمع لحثّه على التوجه نحو الفضيلة والخير.

وهناك فرق كبير – يقول سماحته- بين أن أكون انساناً آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، واعترض على الظواهر السيئة في المجتمع، وبين أن أكون متفاعلاً مع هذا المجتمع لتحقيق الاهداف المنشودة، والتفاعل يعني إيجاد البديل والتحرك السريع لتغيير الواقع.

وهذا ما كانت عليه سيرة الانبياء والأئمة المعصومون، عليهم السلام، حيث كانوا يؤدون الامر بالمعروف والنهي عن المنكر تفاعلياً، عندما ترجموا هذه الفريضة عملياً في حياتهم.

ويشير سماحته في محاضرة ألقاها في سني السبعينات بدولة الكويت تحت عنوان (الشرط الثالث لإقامة حكم الله في الأرض، بناء المؤسسات)، الى إن انتشار محال بيع الخمور – مثلاً- في البلاد الاسلامية، وايضاً ازدياد اعداد شاربي الخمر يوماً، رغم النهي المتكرر عنه منذ تلك الفترة الطويلة، مصداق لفقدان تلك الحالة التفاعلية من فريضة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

أزمة فهم المجتمع

كيف يكون التفاعل مع المجتمع في مسيرة التغيير والإصلاح، اذا لم يكن ثمة فهم وإدراك للحالة التي يعيشها هذا المجتمع؛ فاذا كان الحديث عن الدعوة الى الفضيلة والنهي عن الرذيلة، لابد من معرفة كاملة للأرضية النفسية لافراد المجتمع، وطبيعة الميول والدوافع الى هذه الظاهرة او تلك التي يُراد تغييرها او الدعوة اليها.

وكما أثبتت التجارب وأكد العلماء على حقيقة أن وراء الظواهر السلبية، عوامل عديدة تدفع لارتكاب الخطأ مع علم صاحبها بسوء ما يصنع، لذا نجد التبرير جاهزاً من هذا الصنف في المجتمع، بأن الضغوط الاقتصادية هي التي دفعته الى هذا الربا والاحتكار والغش وغيرها، او أن الضغوط الاجتماعية هي التي دفعته الى شرب الخمر والزنا وغيرها، وربما حتى التحرَش بأعراض الناس، مثل هكذا ظواهر سلبية، هل تُعالج بالكلام البسيط؛ نهياً او أمراً؟ .

تجارب المصلحين وايضاً الباحثين في الشأن الاجتماعي، يؤكدون أن توفير البديل هو سيد الموقف، وهو الذي يعالج المشكلة من جذورها وليس من الظواهر السطحية، ولذا نجد أن سماحة الامام الشيرازي، ومنذ ذلك الحين، يحذر من انتشار تعاطي الخمور رغم كثرة الحديث عن النهي والردع والمنع، والامر ينسحب على سائر الانحرافات.

ولا أدلّ على ذلك؛ من مشاريع حفل الزواج الجماعي، بما تتضمنه من تخصيص هدايا ومعونات للشباب من ذوي الدخل المحدود، للتحفيز على الزواج، وهذا ما يترك أثره الكبير على تراجع الميول نحو الانحرافات الاخلاقية، وإن كان الامر بحاجة الى عناصر تربوية وأخلاقية لمزيد من التحصين أمام مرديات الهوى.

وكذا الحال بالنسبة للظواهر السلبية التي يتجه نحوها بعض الشباب، فالمشكلة في عدم وجود الاماكن النظيفة لتكون بديلاً عن الاماكن المشبوهة، ولطالما تسائل الكثير من الشباب عن عدم وجود مشاريع لبناء أندية رياضية او مسابح او ورش عمل فنية، وتكون للجنسين؛ الشباب والشابات؟.

الاجتماع على الفضيلة

في الوقت الحاضر، عدم وجود البدائل مع سوء الفهم المتفشي بين النخبة المثقفة والجماهير، يشكل عاملاً آخراً يُضاف على عوامل أخرى لتشتيت أواصر المجتمع وتمزيقه الى شرائح متنافرة، بين ملتزم ومتحرر ومحافظ ولا أبالي، وربما تشكل هذه التصنيفات نوعاً من الأطر يتحرك ضمنها اصحابها وتكون لهم عناوين للانتماء يبررون بها مواقفهم، حتى وإن كانت المسألة تتعلق بالصالح العام.

لنأخذ مثلاً على ذلك؛ ظاهرتين من جملة ظواهر سلبية في مجتمعاتنا؛ كثرة الطلاق وانتشار التحرّش الجنسي، ثم لنلاحظ نداءات الاستغاثة من القضاة والناشطين المدنيين والمؤسسات المعنية بضرورة التعبئة الاجتماعية والثقافية لمواجهة هاتين الظاهرتين، ونظراً لوجود الاسباب والعلل خلف ذلك، من الصعب تلمّس حلول جذرية للتخلص من هكذا ظواهر.

في المقابل؛ فان وجود الاجواء السليمة التي يتنفس فيها الشباب تحديداً، يكون بالامكان الحصول على سلوك وآداب وتصرفات قائمة على ثوابت من القيم الاخلاقية تجتمع عليها شريحة كبيرة من المجتمع، كما هي التجربة الناجحة في العراق عندما قيّض الله –تعالى- شخصية قيادية مثل الشهيد محمد محمد صادق الصدر – قدس سره- وحقق النجاح الكبير في جمع شمل المجتمع على القيم الاخلاقية والالتزامات الدينية، وكان التأثير المشهود على نمط التعامل فيما بين الناس، ويؤكد الكثير في الوقت الحاضر على أن نسبة كبيرة من الثقافة الدينية لدى شريحة واسعة من المجتمع، يعود الفضل فيها الى تلك الفترة التي خاض فيها الشهيد الصدر تجربته الاجتماعية الرائدة بين اوساط المجتمع، فتأثر به المتعلّم والأميّ والمثقف والكبير والصغير، والتزم نواهيه وأخذ بتوجيهاته.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0