‎لا نخال أن عقداً وثلاث سنين من الزمن حقق الفاسدون منجزا راسخا بقانونهم الثابت وهو (البقاء للأفسد)، مما ادخل اليأس في النُّفوسَ، لكن ماحصل في اقالة وزير الدفاع السابق خالد العبيدي ووزير المالية المسحوب عنه الثقة هوشيار زيباري، يرسخ ان المكتوون بنار الفساد والافساد اخذوا يتطلعون إلى النصر عليه، لكن هذه المرة سنشهد عدة دلالات ومؤشرات لإقالة وزير المالية، رغم اني اتوقع ان مسألة الاطاحة به لن تكون انعكاساتها كبيرة على العملية السياسية او علاقة الكرد ببغداد بسبب تراجع النفوذ الكردي ضمن معادلة الصراع الاقليمي أولا، وسياسات الاضعاف الداخلية التي تمر بها القوى الكردية العراقية ثانيا.

الحديث الان عن قيام الدولة الكردية سواء شكّلت امتداداً لحكم ذاتي، أم انبثقت كياناً مستقلاً يمثل إجتهاداً يبدو نظرياً وافتراضياً، باعتبار ان المحاذير التي تعترض هذا كثيرة وصعبة لأن سكاكينها ستذبح أربعة خرائط اقليمية: سوريا والعراق وتركيا وحتى ايران فعندما حرر البيشمركة إقليم سنجار أعلن بارزاني ضمه، بعدما كان قد أعلن من واشنطن أن قيام الدولة الكردية مسألة محسومة، هذا الامر اصبح مشكوكا فيه بعد الانقلاب التركي وبعد التفكك وعدم الانسجام الكردي في اقليم كردستان، لم يعد بارزاني الحليف المعتمد عليه للولايات المتحدة الامريكية لفقدانه الشرعية السياسية كرئيس لإقليم كردستان واصبح محط نزاع كردي-كردي، لقد تم توظيف دور الورقة الكردية دوما في النزاعات والإقليمية، من قبل الغرب، والان سيتم تجميد دور الكرد وقضيتهم من أجل تجميع كل طرف لأوراقه بانتظار لحظة المساومة على إعادة تركيب الإقليم كخلاصة لحروب الارادات والأدوار.

‎وفي ظل انقسام الأكراد في العراق بين تيارين رئيسيين: تيار البارزاني، وتيار الطالباني-نيشروان، وفي ظل تشظيهم وصراع القوى الإقليمية والدولية حول أدوار الكرد وأماكن تواجدهم، لا يمكن تصور إقامة دولة كردية في العراق تربك حدود أربعة دول، بالطبع يمكن لهم ان يصلوا الى حد المطالبة بالانفصال، لكن هذه المطالبات محدودة التأثير.

وفي المقابل لا يمكن إهمال عناصر القوة عند الكرد في العراق لكن من دون دولة، بدلالة كواليس اقالة زيباري اذ سجلت مؤشرات على رغبة بعض الاطراف الكردية لإقالة وزير المالية بعدما كان يشكل منذ أمد طويل صلة الوصل بين بغداد والإقليم، غير أن اقالته قد تشير الى مزيد من التباعد بين الجانبين، وفعلا وفي أول ردّ فعل على إقالة زيباري، صرح رئيس كتلة الحزب الديموقراطي الكردستاني النائب خسرو كوران أن سحب الثقة من وزير المالية (مخالف للدستور)، قائلا: "أن استجواب الوزير استهداف سياسي ويحمل في طياته نيات ضد جهة سياسية معينة". من جانب اخر دخل اسامة النجيفي على خط الازمة اعتبر أن سحب الثقة عن وزير المالية (ترتيب لإطاحة الحكومة)، وهنالك الكثير من التفسيرات تقع في هذا السياق اذ الإقالات تعد ممهدات لإقالة العبادي ليس الا، كما نوه البعض ومنهم النجيفي، إلا أنه يشكّل خرقاً للنظام الداخلي للبرلمان.

اما رئيس الوزراء فيعتقد بتصوري أن قرار الإقالة سيهزّ الثقة بين بغداد وصندوق النقد الدولي، الذي فاوضه زيباري للحصول على قرض بقيمة 5.34 مليار دولار في مقابل خطة للإصلاح الاقتصادي، اذ ان الاقالة بتهم الفساد تهدد بمزيد من الاضطراب في الاقتصاد الهش، في وقت يواجه العراق العضو بمنظمة اوبك عجزا هائلا في الموازنة. كما سيعقد المشهد مع الاقليم بعد ان حقق العبادي اختراقا ايجابيا بتوحيد الخطاب الاعلامي مع البيشمرگه فيما يخص معركة الموصل ووضع اطر لاتفاق نفطي جديد يعبر بالخلافات الى بر الاستقرار، اضافة الى مخاوفه المتعلقة بجره للاستجواب وسحب الثقة عنه نتيجة تأليب الكتل السياسية الفاقدة لوزرائها بطريقة جارحة دون ان يكون له اي دور وثقل لمنع ذلك رغم قناعته بالوزراء الذين سحبت منهم الثقة.

‎اما دلالات سحب الثقة من زيباري فيمكن ان يكون بصفقة للإطاحة به من داخل التحالف الكردستاني مع أطراف من التحالف الوطني بل لانستبعد ان الحزب الديمقراطي الكردستاني قد رضخ لسحب الثقة مقابل الاطاحة بوزير شيعي بنفس الطريقة، وبقاء وزارة المالية حصة للحزب وقد يرشح روژ نوري شاويس لهذا المنصب والاتفاق على عدم ملاحقة زيباري قضائيا لكن ‎هذه الخطوة أكدت الهوة الكبيرة بين القوى الكردية ووصولها الى مرحلة كسر العظم ما يعني ان القادم اكبر وان مسعود بارزاني سيفقد نفوذه تدريجيا الامر الذي سيجعله اكثر عدوانية.

اما الدلالة التي تحدث عنها المراقبون والمحللون بفرز جبهتين عراقيتين كل منهما تضم نوابا شيعة وسنة واكرادا لأول مرة لان عددا من النواب الأكراد صوت للإقالة فيما هناك شيعة صوتوا لعدمها، اظن انه وهم ويوتوبيا، منطق ثنائية الصفقة-التسوية لا يمكن ان تغادرها القوى السياسية وفي اول امتحان انتخابي سنشهده سيعاد الفرز الطائفي، والتموضع القومي والقبلي العائلي، سيتكرس من جديد.

خلاصة يمكن القول:

1- ان النفوذ الكردي في العراق والمنطقة قد تم تجميده بعدما تم تضخيمه سابقا لكن بأي لحظة من الممكن ان توظف الورقة الكردية ضد بغداد وتركيا وسوريا.

2- ان الشارع العراقي هو الدافع الرئيس لتنشيط اداء مجلس النواب بالمحاسبة والرقابة والتشريع ضمن علاقة طردية ولا دليل على اي صحوة نيابية او سياسية تجاه مكافحة الفساد وعزل الفاسدين.

3- منطق الصفقات والتسويات سياسيا لازال قائما وانتقل من العلن الى القنوات الخلفية والسرية مع متغير ضاغط وهو وجود رعاة خارجيين لهذه الصفقات والمقايضات المُرة.

4- ازاحة نوري المالكي عن السلطة لا يعني اختفاءه عن التأثير المباشر وغير المباشر.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية
http://mcsr.net

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0