ما يمر به العراق حالياً من مشاكل سياسية وأمنية لم تكن وليدة اللحظة أو ردة فعل ناجمة من جراء الأزمة السياسية الأخيرة، بل هي رفيقة التغيير السياسي في مرحلة ما بعد 2003 والمبنية على كثرة الخلافات والاختلافات ما بين القوى والأحزاب السياسية الماسكة بخيوط العمل السياسي، وأكثر تلك المشاكل جاءت بسبب بناء النظام السياسي الجديد على أسس المحاصصة الطائفية والسياسية والتي كانت بذرتها الأولى منذ تشكيلة مجلس الحكم الانتقالي عام 2003 تحت سلطة الائتلاف المؤقت والحاكم المدني الأمريكي (بول بريمر) ، واستمر العمل بها في جميع الحكومات المتعاقبة سواء الانتقالية أم الدائمة إلى يومنا هذا، ووفقاً لذلك أُسندت المناصب والمواقع الحكومية بمختلف صنوفها حسب التمثيل الطائفي بعيداً عن المهنية، أي أن للكرد نسبة تمثيل حكومي بما يتلاءم مع حجمهم، والأمر ينطبق على الشيعة والسنة وباقي الأقليات.

شيئاً فشيئاً أخذت هذه الإدارة الخاطئة لمنظومة الدولة والتي يرافقها زيادة في الاصطفاف الطائفي بتبنّي بعض المواقف الرسمية وتكريس نظام المحاصصة في العمل الحكومي بالشكل الهرمي. كما ويصاحب ذلك فساد مالي وإداري وسياسي ينخر ويستنزف بمؤسسات الدولة، وكلها ناجمة من جراء وضع الأمور في غير نصابها، ولا سيما عندما يكون التعامل واختيار الأشخاص بدواع طائفية فئوية قومية عنصرية، يرافقها تغيب متعمد للجانب المهني والتكنوقراطي نتج عنه إخفاق وتراجع وتعطيل للعمل المؤسساتي، والذي بدوره أثر سلباً على تراكم معاناة المواطنين والتي من ضمنها تردي الواقع الخدمي وترهل الجانب الوظيفي وعجز في موازنة الدولة نتيجة الانخفاض الحاد في أسعار النفط، وهو ما يشكل قرابة الـ 98% من الناتج القومي. والجانب الآخر، سوء الإدارة والفساد السياسي.

أما المشكلة الكبرى طيلة الـ 13 عاماً الماضية، تكمن في كون أن صانع القرار في العراق لم يعمل على تنويع موارد الدولة ورفد الموازنة بمصادر بديلة أو العمل على تفعيل الجانب الاقتصادي والزراعي وزيادة الصادرات وتقنين الواردات ... إلخ.

أيضاً مما يؤشر من إخفاق سياسي، كثرة الخلافات المبنية على أسس شخصية ما بين أقطاب العملية السياسية، وغالباً ما يتم اللجوء إلى الحلول الترقيعية التي سرعان ما تعاود الظهور مجدداً، فضلا عن تعقد المشهد السياسي، كما هو حال الأزمة البرلمانية الأخيرة ما بين النواب المعترضين من جهة والنواب المحافظين من الجهة الأخرى والتي لم تحسم إلى الآن، مما أدى إلى تعطيل دور البرلمان الرقابي والتشريعي. يقابل ذلك خروج التظاهرات أسبوعياً، مما قاد إلى صدامات بعد أن اقتحم المتظاهرون للمنطقة الخضراء مطالبين بتنفيذ الإصلاح الشامل.

هذه التظاهرات التي هي في تزايد مستمر تقابلها ردود فعل متباينة، فالبعض يرى فيها منحازة لجهة سياسية معينة لها مصالحها الشخصية، والبعض الآخر يرى أن هناك صعوبة بتنفيذها، في الوقت الذي يطالب المتظاهرين بحكومة مهنية مستقلة، والسبب أن التركيبة الحكومية ناتجة من جراء استحقاقات انتخابية وتقاسم طائفي، ولذلك فإن الكتل الرئيسية لا تفرط بمكاسبها بهذه السهولة. والرأي الثالث يدعو إلى تأجيلها، ويبرر ذلك بأن الوقت غير مناسب، فالأولية الآن للجانب العسكري والأمني ودفع خطر "داعش" ولا سيما المعارك الأخيرة في الفلوجة والأنبار والاستعداد لمعركة الموصل.

بينما يرد المطالبون بالإصلاح على ذلك بقولهم: إن العلاقة ما بين الإصلاح السياسي وتحديات مكافحة الإرهاب إنما تعود للإصلاح قبل كل شيء، ويرون أن جذور المشكلة الأمنية هي سياسية بالأصل، إذ إن تصاعد وتيرة المشاكل السياسية يتسبب بظهور الإخفاقات الأمنية فضلاً عن وجود غطاء سياسي لبعض المجاميع الإرهابية تحت مسميات عدة. أيضاً تسييس المنظومة العسكرية والأمنية والتدخل بشؤونها، وهذا يظهر جلياً عند أي عملية عسكرية، إذ تتعالى أصوات بعض الساسة قبل وبعد التنفيذ، وكل يجيرها بما تخدم مصالحه، وهذا واضح ببعض الحملات العسكرية. ففي الوقت الذي يواجه الشعب أخطر موجات الإرهاب العالمي، تظهر مواقف سياسية تدعو إلى إيقاف بعضها، أو يتم فضح الخطط العسكرية قبيل انطلاقها عبر التصريح عنها بصورة علنية، ناهيك عن شبهات فساد ببعض مرافق المنظومة العسكرية، وأقرب شاهد على ذلك سقوط مدينة الموصل ومحافظات عدة، والتي أدخلت البلد بدوامة عنف لا تعرف نهايتها، ومع كل هذا الانهيار لم يحاسب أو يحاكم أي مسؤول سواء أكان أمنياً أم سياسياً.

أيضاً من ضمن مؤشرات الإخفاق السياسي، يوجد تداخل وغموض في الصلاحيات. فعلى سبيل المثال، بعد أي تفجير يضرب العاصمة بغداد تتصاعد وتيرة التهم ما بين الأجهزة الأمنية، فوزارة الداخلية تقول إن مسؤولية أمن بعض مناطق العاصمة ليس ضمن نطاق مهامها، ووزارة الدفاع نفس المبرر، ويعللان ذلك بأن المسؤولية تقع على عاتق قيادة عمليات بغداد والتي تدار بصورة مباشرة من رئاسة الوزراء "وهذا نموذج بسيط للإرباك والتعقيد في نطاق جهات حكومية تعمل للهدف ذاته" إذاً كيف هو حال بقية الدوائر؟.

التساؤل المطروح هنا: في ظل التأزم السياسي و مخاطر تنظيم "داعش" لمن تكون الأولوية؟، هل هي للجانب السياسي أم للجانب العسكري أم للاثنين معاً؟.

المتابعون والمختصون تكمن وجهة نظرهم بضرورة أن يرافق الجهد العسكري جهد سياسي، وأن يسير الاثنان بخطين متوازيين وبنفس الوتيرة. وعلى هذا الأساس، لا يمكن إهمال جانب الإصلاح السياسي بدواعي محاربة الإرهاب، وفي الوق تنفسه لا يمكن التوقف عن جهود مكافحة الإرهاب، بل ينبغي المضي قدماً نحو تحرير بقية المناطق وتكثيف جهود إعادة النازحين إلى مناطق سكناهم، وإعادة النظر بالوضعين السياسي والأمني. أما السياسي، فيتطلب تكثيف الجهود ما بين الأطراف المتصدرة للعملية السياسية للخروج باتفاق ينهي حالة الانقسام ومعالجة الأخطاء السياسية وتلبية مطالب المتظاهرين ولا سيما المشروعة منها والمضي قدماً بمشروع حكومة التكنوقراط المستقلة على أن تكون بداية للإصلاح يرافقها إنهاء إدارة المناصب بالوكالة وتقليص بعضها وإصلاح الجانب الاقتصادي والعمل على اجتياز الأزمة المالية وتحسين واقع الخدمات بكافة جوانبه، يقابل ذلك تكثيف الجهود العسكرية ومحاربة التنظيمات الإرهابية وأن لا تتأثر بالأزمات السياسية.

* مركز الدراسات الاستراتيجية/جامعة كربلاء
http://kerbalacss.uokerbala.edu.iq

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0