كل حدث في العراق يلغي ماقبله في تطويق اثاره او في معالجته.. سواء ماتعلق منها بالحدث السياسي او الأمني طيلة السنوات السابقة بعد العام 2003، او الحدث الاقتصادي الان وما يتعلق به من اثار ونتائج لا تقتصر على اللحظة الراهنة وحدها بل تمتد الى ابعد من ذلك في مستقبل الأجيال العراقية القادمة.

تبدأ التظاهرات العراقية قبل عام تقريبا تحت شعار محاربة الفساد المالي، الذي ظهرت نتائجه الكارثية في تردي الخدمات وخاصة منظومة الكهرباء الوطنية، لترتفع الى سقف اخر جديد هو تغيير السلطة القضائية التي ساهمت بشكل كبير في تمكين الفساد والفاسدين..

في محاولة لتقييم التظاهرات وتوقيتها، يمكننا القول انها جاءت متأخرة في استجابة الجماهير للأحداث الوطنية التي هي الأهم في القياس والحجم بالمقارنة مع ما خرجت من اجله تلك التظاهرات..

فقد سبقها قبل عام تقريبا احتلال ثلث العراق من قبل داعش، مع التنكيل بالمؤسسة العسكرية الوليدة (قتلى – غنائم) ثم مجزرة سبايكر وشهداؤها المغدورين، ومثل تلك الاحداث لم تشكل وقتها اجماعا وطنيا رافضا يستدعي الخروج بتظاهرات ومحاسبة المتسببين بها..

قد يقال ان حدثا مثل احتلال داعش لثلث العراق قد شكل صدمة غير متوقعة للعراقيين، ولم يستطيعوا بالتالي ان يستوعبوا تلك الصدمة وان يكون لهم تجاهها رد الفعل المناسب، وقد يقال ان مجزرة سبايكر هي تحصيل حاصل للحادثة الأولى، وان ما حدث هو الحاق بتلك الصدمة مع ما يتبعها من ذهول وعدم قدرة على التصرف وقتها، الا ان ذلك لا يكفي باعتقاد الكاتب لتفسير ما حدث وقتها وما حدث بعدها..

اشرت تلك الحوادث الى غياب نقطة جوهرية ستظل حاكمة على المشاهد القادمة بعدها خلف تلك الاحداث.

ما اشرت اليه هو غياب الأولويات للجماهير الغاضبة والمتظاهرة، وبالتالي غياب رأي عام موحد يحمل قضية محددة الملامح للمطالبة بها والدفاع عنها.. وهو ما استثمره الساسة أصحاب البلاء..

لامتصاص غضب الجماهير يتم البدء بالتحقيقات في سقوط الموصل (لاحظ سقوط الموصل وحدها) ويصدر التقرير موزعا الاتهامات على كباش فداء يمكن تحميلها المسؤولية وتبقى الرؤوس الكبيرة بعيدا عن المساءلة. كان التقرير زوبعة في فنجان..

الجماهير المتظاهرة تواصل التظاهر، وتظهر شعارات الضرب بيد من حديد ثم الإصلاح بعد أن كان الشعار هو التغيير، تغيير الطبقة السياسية الفاسدة والسلطة القضائية.

في كل الشهور السابقة اشترك الجميع في تقديم الحلول واقتراحها على الطبقة السياسية، واشترك في مهرجان الحلول كتاب وباحثون ومحللون سياسيون واستراتيجيون (التسمية العراقية للمحلل السياسي الذي لا يمكن فهم ما يتحدث عنه) وتوزعت تلك الحلول من حيث أهميتها بين السطحية الى العميقة، بين العامة والخاصة، الا ان أي حل لم يجد طريقه الى التنفيذ لحل مشكلة قائمة قبل ان تولد مشكلة أخرى.

بعد عام تقريبا نجد أنفسنا ابتعدنا عن الشعار الأول للتظاهرات، وأصبح الوضع العراقي على مفترق طرق، وكل الحراك السياسي الذي يجري من رئاسة الجمهورية الى رئاسة الوزراء او رئاسة البرلمان هو هل يمكن عقد جلسة برلمانية يتم فيها التصويت على القائمة التي احتواها الظرف المغلق الذي قدمه رئيس الوزراء العراقي الى البرلمان للتصويت عليها؟ سبق ذلك اقالة رئيس البرلمان وتعيين رئاسة جديدة قدمت بسببها طعون وطعون مضادة الى المحكمة الاتحادية، والتي يطالب رئيس الجمهورية منها سرعة البت بهذه الطعون..

كل مشاكل العراق وازماته انتهت الى ما وصلت اليه في المرحلة الأخيرة، توفير الأجواء المناسبة لعقد جلسة برلمانية للتصويت على قائمة الوزراء المقترحين للتغيير، والذين يعتقد انهم جزء من عملية الإصلاح.

منذ ذهاب سكرة التخلص من النظام السابق والعراق يدخل في متاهة من المشاكل والأزمات، والجميع يقدموا الحلول وخرائط الطريق للخروج مما دخل اليه من متاهات، لكن شيئا لم يتغير.

السبب باعتقاد الكاتب يعود بالدرجة الأساس ليس الى غياب الحلول بل غياب الإرادة السياسية لتنفيذ تلك الحلول، إضافة الى غياب الإرادة المجتمعية التي يمكن لها ان تدفع بعملية تنفيذ الحلول تنفيذا سريعا.

كيف ذلك؟

لازال العقل السياسي العراقي الحالي، وهو وريث تشكل فكرة الدولة العراقية منذ عقد العشرينات لا يؤمن بمبدأ رئيسي في العملية الديمقراطية، وهو مبدأ المشاركة في القرار السياسي، عمّق غياب هذا المبدأ أحزاب لا تفقه من العمل الحزبي غير كونه جزءا من ممتلكات رئيسه، تختزل مصالح الوطن في ما يريد رئيس الحزب وشلة المنتفعين منه.. وفر النظام البرلماني الذي تم اختياره لشكل الحكم في العراق ساحة مناسبة للصراع بين تلك الارادات والاطماع الشخصية، عبر شعار الحفاظ على استحقاقاتها الانتخابية، وهي استحقاقات فرضها قانون انتخابي لا يسمح بالفوز لغير تلك الأحزاب.

الإرادة المجتمعية بدورها لم تتحقق لأنها لم تتوفر على شروط تحققها، واقصد به الوعي بما تريده تحديدا، والشعارات التي رفعتها التظاهرات طيلة الشهور السابقة تكشف عن عدم التحق وعدم المعرفة.. لهذا أيضا كثيرا ما نجد هذا الارباك والارتباك الحاصل بين شعاري الإصلاح والتغيير.. فالشعار الأول يرفعه أصحاب السلطة ومن بيدهم الامر، او بمعنى اخر تغيير قواعد اللعبة من الأعلى، والشعار الثاني الذي بدأ به المتظاهرون قبل ان يتراجعوا عنه يستهدف التغيير من الأسفل، وهو ما يقابل الثورة، وهو ماطمحت الى فعله تلك الاقتحامات للمنطقة الخضراء وللرئاستين، مجلس النواب ومجلس الوزراء، وهو ربما ما حرض عليه شعار (الشلع قلع)..

الاستعصاء العراقي ليس في غياب الحلول وعدم وجودها، انها في غياب الارادات لتنفيذ تلك الحلول..

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
4