حينما اجتمعت قيادة التحالف الوطني للبحث في التظاهرات الشعبية الواسعة التي انطلقت في آب من العام الماضي بحضور كافة القوى السياسية المنضوية فيه ورئيس مجلس الوزراء، كان التحالف في وقتها يمارس دوره الدستوري باعتباره الكتلة البرلمانية الاكبر والاكثر تأثيرا ومن شكلت الحكومة ورشحت رئيسها وفق استحقاقات انتخابية وضعتها في المقدمة، فقد كانت تبدو آنذاك منسجمة وموحدة سياسيا في المواقف والرؤى والتصريحات وقادرة على مواجهة الأزمات والتحديات... لكن شتان ما بين الأمس واليوم؛ فالتحالف الوطني لم يستطع ايجاد حل للازمة البرلمانية وازمة الإصلاحات التي سبقتها وذلك يرجع الى انه:

1. ابتدأ على شكل تحالف انتخابي اجتمع ليحصد اصوات الاغلبية المظلومة بوعود الرفاهية والبناء والعيش الكريم.

2. تحول الى تجمع سياسي داخل البرلمان ليتمكن من تشكيل الحكومة، لكنه افتقد الى البرنامج اللازم لإدارة الدولة، وعجز عن تقديم الخدمات لناخبيه او تحقيق آمالهم وتطلعاتهم او جزء يسير مما وعدهم به.

3. شكل الكتلة البرلمانية الاكبر التي كانت قائمة اصلا على المحاصصة وتقاسم الغنائم (المناصب)، فقد دخلت الارقام الانتخابية في طريقة توزيع الوزارات والمناصب العامة فأصبحت الحكومة الجديدة برئاسة العبادي؛ حكومة محاصصة واحزاب وليست حكومة شعب وتكنوقراط.

هذه التحولات المرحلية التي جاءت رد فعل لمواقف سياسية ومصالح ضيقة افقدت التحالف الوطني قدرته على المناورة بل وصل الامر به الى انه لم يتمكن من صياغة نظام داخلي، ولم يتمكن اصلا من انتخاب رئيس له.. فكيف به الحال ان يجد حلا لازمات البلد التي اصبح هو سببا فيها، خصوصا حينما تشظت مكوناته بين نواب معتصمون ضد الرئاسات ونواب موالون للسلطة والرئاسات.. ليتحول باختصار الى سبب رئيسي للازمة السياسية في البلاد في حين يفترض ان تكون الغاية من تشكيله قيادة البلد الى بر الامان وحل الازمات التي تواجهه لا ايجادها وتعميقها.

واذا كانت مكونات التحالف الوطني هي اطراف الازمة الحالية، فان ذلك لا يخلي مسؤولية القوى السياسية الاخرى من خارجه وبالذات تحالف القوى والكردستاني لانهما بدلا من ان يكونا شريكين سياسيين دخلا في ائتلاف حكومة العبادي المحاصصاتية، الا انهما كانا غير محايدين بتاتا تجاه سقف المطالب العالي للمشاركة في تشكيل الحكومة اولا؛ والوقوف الى جانب العبادي في الازمات التي واجهته ثانيا؛ وثالثا تغليب المصالح الفرعية طائفية وقومية على المصالح الوطنية وفي اكثر من ازمة.. مما جعلهما سببا آخر يعمق من مستوى الازمات ويعقدها.. ووفق هذا المنظور ليس هناك بريء من المسؤولية؛ فالكتل السياسية جميعها تتحمل ما آلت اليه الاوضاع اليوم، مثلما يتحملها رئيس مجلس الوزراء.

لكن المشهد السياسي ما زال بسيطا غير معقد مثلما يتصور الكثيرون، انه بسيط وواضح الى درجة نشبهه بتعبير مجازي للرئيس المصري الاسبق مبارك في اول خطاب له بعد التظاهرات الكبيرة في المدن المصرية التي صدمته وسبقت اسقاطه بأسبوعين حينما وصفها بالقول:

ان هناك خيط رفيع بين الديمقراطية والفوضى، وصف نفسه ونظامه بالديمقراطية؛ والشعب ومطالبه بالفوضى.. ونحن على ثقة بان هذا الخيط الرفيع موجود في العراق وواضح لدى المرجعية والشعب، لكنه غامق عند السياسيين الذين يشبهون مبارك حينما يجدون في التئام البرلمان او انعقاد مجلس الوزراء بنصابه القانوني هو نهاية المطاف وحل الازمة.. ويجافون الحقيقة بالانقسام الى فريقين "اصلاح وشرعية"، بينما المطالب بالإصلاحات والقضاء على المحاصصة التي اوصلت البلد الى حافة الهاوية وتوفير الخدمات للمواطن والقضاء على الفساد واضحة وبارزة ولا يختلف عليها احد، وجميعها مطالب منطقية لا تحتاج الى انقسام على شخص رئيس البرلمان او فريقين سياسيين؛ فلماذا !! وعلى ماذا الاختلاف إذن؟.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0