التقطت عدسات المصورين تلك الوقفة التي فيها مزيج من الدهشة وعدم التصديق امام اريكة بيضاء في مجلس النواب العراقي بعد اخراج المتظاهرين منه بعد اقتحامه..

وقد تشابهت وقفة رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء امام الاريكة، وهما ينقلان عيونهما فوق مساحات من اللون الأحمر اصطبغت بها الاريكة البيضاء..

تلك الاريكة وكما عرفنا لاحقا من ضمن اثاث رئيس مجلس النواب سليم الجبوري، وقد يكون مفهوما وقوفه امامها بهذا الشكل من الدهشة والاستغراب، لم لا؟ وهي بلونها وقماشها الناعم الملمس ربما تغري بأخذ قيلولة عليها بين استراحة وأخرى لجلسات المجلس الذي يمثل صوت الناس والجماهير..

وربما هي تغري بأشياء أخرى، من خلال لونها واتساعها وما يحيط بها من أجواء..

لكننا نتساءل لماذا وقف السيد حيدر العبادي امامها تلك الوقفة، وهو الذي لا يمكن اذا حضر الى مجلس النواب ان يأخذ قيلولة عليها او يستريح عليها؟

ربما راوده ماراود صاحبها، قيلولة مقتطعة او أشياء أخرى..

اذا استبعدنا "ربما" الأولى و"ربما" الثانية، ما الذي يمكن ان نتحدث عنه حول هذه الاريكة والتي يطلق عليها بالتسمية العراقية الدارجة (القنفة) وهي كلمة اصلها فرنسي، والتي لها حضور عزيز على القلب في اغلب المنازل العراقية، في غرف الصالون او الضيوف، وهي تختلف عن اريكة أخرى يطلق عليها العراقيون تسمية (الكرويتة) لكن هذه اكثر ما يكون موقعها في المطبخ او الحديقة كما أتذكر قبل سنوات، رغم ان الكثير من الأشياء قد اختلفت او اختفت تبعا لتغيرات كثيرة لم تقتصر على قطع الأثاث وتوزيعها في المنازل العراقية وتبعا لوظائفها..

اقترنت القنفة في مخيلاتنا بالكثير من الصور، فهي تحتضن اجسادنا في جلسات طويلة مسترخية امام التلفاز، وهي أيضا مكان لقيلولة قصيرة وقبل غداء غير جاهز، او بعده حين تصيبنا التخمة، وهي مكان جلوس عميد الاسرة او عميدتها، الابوان، وهي ترحب بالضيف القادم لزيارتنا في أمسية لم ينتشر بها (التكنيك) نسبة الى الاتصال بشكة الانترنت.. وهي المكان المفضل لجلوس الاب و"السيد" عند عقد قران احد أبنائه او بناته، وغير ذلك مما اقترن بمخيلتنا من وظائف لهذه القنفة..

غير ذلك، ربما ثالثة، تفصح عنها وقفة رئيس السلطة التشريعية العراقية ورئيس السلطة التنفيذية في وقتين مختلفين امام تلك القنفة الرئاسية، بصحبة ضباط ذوي رتب عالية.

هذه الثالثة، اخبرنا بها التيار الصدري عبر تصريح له قال فيه (ان ما موجود على الاريكة هو أحمر شفاه من فعل حماية رئيس الوزراء)، ومثل هذا التفسير للون الأحمر على القنفة وربطه باحمر الشفاه، يحيل الى اكثر من دلالة نحن في غنى عن ذكرها في سياق هذا الحديث، واتركها لمخيلة القاريء..

قد يكون الوقوف امام تلك القنفة والتحديق فيها بهذه الصورة من قبل رئيسي اكبر سلطتين في النظام الديمقراطي العراقي، قد يكون شيئا عابرا مثل الكثير من الأشياء التي عبرت في أيامنا العراقية السابقة، الا ان تلك الوقفة تزامنت تقريبا مع عدد من التفجيرات بسيارات مفخخة أطاحت بدماء واجساد الضحايا، وصبغت اسفلت الطريق وحجارة الأرصفة بلونها الأحمر الذي يشابه ذلك اللون على القنفة، الا انه لون له أصحاب معروفين وحيوات انتزعت من اجسادها، واناس لهم وجع الفقد برحيل أصحابها.

وهي وقفة اقل ما فيها انها تسخر من أولئك الراحلين ولا تقيم لهم وزنا او اعتبارا، انهم مجرد ارقام في سلسلة الخسائر العراقية المتواصلة، وهم اعداد زائدة ربما على ميزانية الدولة التي انهكها الفساد المستشري بأبطاله الميامين.

وهي أيضا وقفة فيها الكثير من الاستهانة بالجالسين في بيوتهم من العراقيين الذين ينتظرون حلولا لسلسلة من الانتكاسات والمصائب والاحزان التي اقترنت بجلوس هؤلاء على القنفات العديدة في المنطقة الخضراء، يتسامرون ويضحكون، ولا تهم صيحات الفقراء والمعوزين خارج تلك القصور والمكاتب المكيفة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1