لعوامل ثقافية واجتماعية وسياسية عديدة، ثمة خطر حقيقي تعيشه سورية في محنتها الحالية.. وهذا الخطر يتجسد في أن يتحول هذا البلد العربي إلى مجموعة دويلات، لكل دولة علم وسياسة مختلفة ومتناقضة مع الدويلة الأخرى..

فالمجتمع السوري فسيفسائي ومتنوع، ولا يمكن لخيار الاستبداد السياسي وتعطيل حركة الإصلاح السياسي أن يضمنا وحدة أو يعززا خيار التضامن الداخلي من أجل الوطن الذي يجمع كل السوريين..

ويبدو أنه ثمة مشروعات ومخططات دولية عديدة، تستهدف إنهاء الخطر السوري بكل عناوينه، عبر تشجيع تقسيمه، لإخراجه نهائيا من معادلة المشرق العربي..

فسورية لن تعود بعد الأزمة كما كانت قبل الأزمة.. وهي بحاجة إلى عقلية سياسية وإدارية جديدة، للتعامل مع حقائق المشهد السوري الجديدة..

لم يعد متاحا وممكنا، أن تستمر سياسات التغييب والاستئصال لبعض الفئات والمكونات، لأن هذه السياسات أضحت بشكل مباشر مؤدية إلى خيار التقسيم للشعب السوري..

والعقلية السياسية الجديدة والقادرة على إفشال كل مخططات ومشروعات التجزئة والتقسيم في سورية تتجسد في النقاط التالية:

الاحترام القانوني لكل التعدديات والتنوعات، التي تشكل بمجموعها حقائق المجتمع السوري..

وإن حقائق التنوع في سورية ليست عيباً يجب إخفاؤه، وإنما هي من الحقائق التي لو أحسنا التعامل معها، فإنها تكون من مصادر الثراء والحيوية في المجتمع السوري..

تبقى الديمقراطية التي تتعامل مع كل مواطن بوصفه مواطناً، بصرف النظر عن انتماءاته التقليدية، هي الخيار الذي يجنب الشعب السوري خطر التقسيم..

إدراك خطر التقسيم.. لأننا نعتقد أن جميع مكونات الشعب السوري خاسرة من التقسيم..

صحيح أنه ثمة شعور عميق لدى بعض فئات الشعب السوري بالمظلومية، ولكن هذا الشعور لن يرفع بالتقسيم.. بل إننا نعتقد أن خيار التقسيم سيزيد كل المحن والابتلاءات على الشعب السوري.. وأي مكون يعتقد أن في التقسيم نجاته وخلاصه من الظلم السياسي فهو واهم.. لأن التقسيم سيؤسس لوضع نفسي واجتماعي وسياسي إلى أن يكون الجميع ضد الجميع، ما يسقط الشعب السوري في أتون الاحتراب الأهلي الذي لا خلاص منه إلا بتدمير كل إمكانات ومكاسب الشعب السوري..

ولن يتمكن السوريون من إفشال خطر التقسيم، إلا بوعي السوريين، وإصرارهم الدائم على وحدة وطنهم وشعبهم. ووجود مشكلات سياسية وتنموية واقتصادية، ينبغي أن تعالج بعيداً عن خيار تمزيق سورية إلى دويلات بمقاس الانتماءات الفرعية للشعب السوري..

صحيح أن الأزمة الحالية للشعب السوري مؤلمة وذات أثمان باهظة دفعها وما زال يدفعها الشعب السوري بكل أطيافه ومكوناته، ولكن رهان أو خيار التقسيم الذي تروج إليه بعض المؤسسات الرسمية، يعد أكثر خطراً وصعوبةً على الشعب السوري من خطر وصعوبة الأزمة الحالية التي دمرت الأخضر واليابس في سورية.

على كل الدول العربية أن تدرك مهما كان موقفها من الأزمة السورية الحالية، أن خطر التقسيم موجه بالأساس إلى الشعب السوري بكل أطيافه ومكوناته، وأن إنجاز هذه المؤامرة على الشعب السوري، سيهدد كل المنطقة العربية.. لأن هذا سيفتح الباب واسعاً لهذا الخيار التقسيمي في كل الدول العربية..

وإن الذي دعم تقسيم سورية، هو ذاته الذي سيدعم تقسيم أية دولة عربية أخرى.. فالتقسيم ليس حلاً لأحد، وصعوبة الواقع، ينبغي ألا تدفع أحدا من السوريين إلى الانتحار بالقبول بخيار تفتيت سورية.

على السوريين جميعاً، موالاة ومعارضة، أن يرفضوا خيار التقسيم. صحيح أنهم مختلفون سياسياً وأيدلوجياً مع بعضهم، ولكن الانخراط في مشروع التقسيم، سينهي سورية الحالية من الوجود، وسيجعل من وحدة القرية الواحدة والحي الواحد والمدينة الواحدة، من الأحلام التي يسعى إليها كل مواطن سوري شريف..

لأن منطق التقسيم لا يقف عند حد، ولا يتورع هذا المنطق عن تنمية كل الفروقات البينية بين السوريين التي تؤدي إلى المزيد من التمزيق..

والاختلاف السياسي مهما كانت درجته في سورية، إلا أنه لا يشرع لأي طرف العبث بوحدة سورية جغرافيةً وشعباً.. لأن السماح بالعبث بوحدة الأرض والشعب السوري، يعني السماح بالعبث بمستقبل سورية.. ومن يعبث بمستقبل سورية، هو يعبث بكل أمن واستقرار منطقة المشرق العربي..

فسورية ليست وطناً هامشياً في المشرق العربي، والعبث بالوطن السوري، هو عبث بكل الخريطة السياسية والجغرافية لكل المشرق العربي..

ندرك صعوبة الواقع ومآسيه وصعوبة الحلول المقدمة للخروج من مآسي الواقع، ولكن من الضروري أن يدرك جميع السوريين أن تقسيم سورية، هو خطر حقيقي ومباشر على كل السوريين، سواء أكانوا من الموالاة أم المعارضة..

ومن يعتقد من السوريين أن في تقسيم سورية تحقيقا لتطلعاته السياسية، نقول له وبعمق إنه واهم مهما كانت المسوغات التي يسوقها ويبرر بها موقفه..

من يحب سورية عليه أن يقف ضد خيار تفتيتها، ومن يحب الشعب السوري عليه أن يقف ضد خيار تقسيمه وتمزيقه..

لأن تقسيم سورية هو تدمير ممنهج لكل السوريين.. ولا أحد يريد لسورية أن تنتقل من أزمتها الدموية الحالية إلى المزيد من الأزمات التي ستدمر كل شيء فيها..

وعلى جميع السوريين أن يقفوا ضد هذا الخيار، ويتمسكوا بوحدة شعبهم ووطنهم مهما كانت الصعوبات والمآسي..

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0