تحمل لنا مواقع التّواصل الاجتماعي والمواقع الإليكترونيّة يوميّاً العشرات من التّقارير المنسوبة لدوائر ووسائل إِعلام وشخصيّات عالميّة، تتحدّث عن سيناريوهات منوّعة للعراق، وعند التّدقيق في مصادر هذه التّقارير أو بالعودةِ الى الأسماء المنسوبةِ لها نرى أَن اغلبها تقارير مُفبركة ولا أساس لها من الصّحّة، وبالتّدقيق أكثر يتبيّن لنا أَن وراءها مجموعات خاصّة مشبوهة تسعى من خلال فبركة ونشر مثل هذه التّقارير ما يلي؛

أولاً؛ إِشغال السّاحة بتداول مثل هذه التقارير المفبركة والكاذبة، وللأسف الشّديد فانّ ساحتنا تمتلك من القابليّة على تبنّي نشر مثل هذه التقارير ما يُثير الدّهشة، والادهى من النّشر والتّداول ان الكثير من الأكاديميّين والكتّاب والمحللّين وحتّى السّياسيّين والمسؤولين يصدّقون مثل هذه التّقارير فتراهم يبنون تصوّراتهم ورؤاهم وافكارهم عليها، والذي يعني، في حقيقة الامر، انّهم يبنونها على الرّمل او في الهواء، وتخيّل، وقتها، مدى الضّرر الذي سيلحق بطريقة تفكيرِنا عندما نعتمد في التّحليل وبناء الرُّؤية على معلوماتٍ مفبركةٍ وسيناريوهات لا أساس لها من الصّحة!.

ثانياً؛ كذلك يحاول مدوّنوها وناشروها تدجين السّاحة بسيناريوهات مُرعبة ومُخيفة، ما يعطّل قدرة التّفكير عند الكثير من النّاس، فضلاً عن انّ ذلك يشلُّ عندهم الحركة والقدرة على الفعل.

ثالثاً؛ اثارة الشّكوك في صفوف المجتمع، فَالَّذِينَ يُفبركون مثل هذه التقارير يتعمدون خلط الأوراق وتجميع المتناقضات واثارة الشّبهات، وبذلك يدخل المتلقّي في دوَّامة من عدم الثّقة وخلط الامور والاوراق والتّعميم والتّشكيك وغير ذلك، بما يصيبهُ بحالةٍ من اليأس والاحباط والهزيمة النّفسيّة.

وللأسباب الثّلاثة المجتمعة أعلاه غاب مشروعنا الوطني فلم يتحدّث او يتناقل احدٌ معالم سيناريو عراقي، وانّما كلّ الذي نتداولهُ هو سيناريوهات صهيونيّة وامريكيّة وروسيّة وصينيّة وإيرانيّة وخليجية وتركيّة ومتعدّد الجنسيّات، امّا السّيناريو العراقي فليس له وجود فيما نتداولهُ ابداً، وبذلك يكون أَصحاب التّقارير والسّيناريوهات المفبركة قد نجحوا في تدجينِنا والهائِنا واستدراجِنا لفِخاخِهم بامتياز، وللاسف الشّديد.

انا اتمنّى على الجميع ان لا يتداولوا مثل هذه التّقارير والسيناريوهات ابداً، الا بعد التثبُّت من صحّتها ودقّتها وكذلك بعد تحليلها وقراءة ما وراء سطورَها ليتسنّى لنا معرفة متى فائدة او ضرر نشرها وتداولها في مواقع التّواصل الاجتماعي، فحتّى الصّحيح منها ليس بالضّرورة تداولهُ.

لا ينبغي لنا ابداً ان نكون اداةً بيد هؤلاء يحققّون بِنَا اهدافهم المشبوهة، فنُساهم بتدجين ساحتنا والهائها وانتزاع قدرتها على التّفكير والتخطيط والتحدي السّليم.

يلزمنا الانتباه لانفسِنا فلا ننشغل بتداول سيناريوهات مفبركة هي أقرب ما تكون في صياغتها وتفاصيلها الى سيناريوهات الأفلام الهنديّة! وإذا اعترضَ أحدُنا وطلب من المُرسِل دليلاً على صحة ما ينشره ساقَ انتشارهُ في اكبرِ عددٍ من مواقع التواصل الاجتماعي كأفضل دليلٍ على صحَّتهِ!.

امّا الحديث عن سيناريوهات التّقسيم وما الى ذلك، فهي تخلط بين التّقسيم والاقلمة (الفيدراليّة) وكلّنا نعرف جيّداً سعة الفارق بين المشروعَين، فبينما يعني الاول قيام ثلاث دول منفصلة عن بعضها، يعني الثّاني صيغة اداريّة نصّ عليها الدستور العراقي وثبّتتها كل القرارات الدّولية التي صدرت عن مجلس الأمن الدّولي منذ التغيير ولحدّ الآن.

وانا أجزم انّها تصبّ في نفس الأهداف الثّلاثة المشار اليها، فضلاً عن ذلك فانا لا اعتقد بصحّة مثل هذه السيناريوهات ابداً، فالعراق لا يمكن تقسيمهُ لوحدهِ ومنفصلاً، وانّما هو جزءٌ من كلّ المنطقة، فاذا قرّر اللاعبون الكبار اعادة خارطة سايكس بيكو لكلّ المنطقة، كما حصل ذلك بُعيد الحرب العالمية الاولى عندما انهزمت (الدّولة العثمانية) المريضة فتمّ رسم الحدود الحاليّة بين دول المنطقة ولم يشذّ العراق وقتها عن ذلك، فانّ المنطقة كلّها سيُعاد رسم حدودِها وليس العراق وَحْدَهُ، اي بِما في ذلك ايران وتركيا وسوريا ودول الخليج ولبنان وبقيّة دول المنطقة، وهذا برأيي لم يحدُث على الأقل بالمستوى المنظور، خاصةً وان السيناريو الأكثر إثارةً الان في الولايات المتّحدة والغرب بشكلٍ عام هو إِدارة ظهورِهم عن الشّرق الأوسط برمّتهِ بعد ان فقدت المنطقة تلك المقوّمات والامتيازات والخصوصيّات التي كانت تتمتّع بها في السّابق، كالبترول وأهميتهِ ودورهُ في السّياسة الدّوليّة والموقع الاستراتيجي والمنافذ والممرّات البحريّة وغير ذلك.

للاسف الشّديد فانّ السّاسة العراقيّون فشلوا في شيئَين؛

الاوّل؛ التّعايش السّلمي فيما بينهم.

الثّاني؛ حماية العراق من التّدخّلات الخارجيّة، الإقليميّة تحديداً، بل انّهم تحوّلوا الى جسورٍ ممتدّة وعوامل مساعدة لهذه التّدخلات والنّفوذ الإقليمي سواءً الإيراني او التّركي او الخليجي او الاردني وغيرها.

بالاضافة الى ذلك، فإنّهم فشلوا في تحقيق مبدأ تداول السّلطة ببساطة وسهولة، فكلّ من وصلَ منهم الى السّلطة التصقت مؤخّرتهُ بالكُرسي، حصل هذا من السَّيّد المالكي ويحصل اليوم مع السَّيّد البارزاني!.

وبسبب ذلك فقدوا ثقة الشّارع فاندفعَ يتداول كلّ السيناريوهات مهما شكّلت من مخاطرٍ على طريقة تفكيره، وإِن كانت مُفبركة ولا أساس لها من الصّحة، ولهذا السّبب يتم تداولها ليل نهار بروحيّة الآيس، وللاسف الشّديد!.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1