يتناول المقال الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية المتشابكة في العراق، والضغوط التي تواجه حكومة علي الزيدي وسط تعدد مراكز النفوذ والتدخلات الخارجية. ويسلط الضوء على حصر السلاح، وتراجع الصادرات النفطية، وتعديل سعر الصرف، وتفاقم الأعباء المعيشية، وتراجع الثقة بالمؤسسات. ويؤكد ضرورة مكافحة الفساد، وتنويع الاقتصاد، واستعادة السيادة، وتعزيز المواطنة، وتوجيه...

لم يعد ممكنًا النظر إلى الأوضاع العراقية الراهنة باعتبارها مجموعة أزمات منفصلة، أو التعامل معها بوصفها نتائج مؤقتة لظروف سياسية واقتصادية وأمنية طارئة. فالعراق يواجه اليوم أزمة مركبة تتداخل فيها طبيعة النظام السياسي، وصراعات القوى المتنفذة على السلطة والموارد، والتدخلات الإقليمية والدولية، مع اختلالات اقتصادية عميقة تنعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين ومستقبل المجتمع. وفي قلب هذه المعادلة تقف حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي أمام اختبار بالغ التعقيد، يتمثل في قدرتها على إدارة الدولة وسط ضغوط داخلية وخارجية تتجاوز في كثير من الأحيان حدود صلاحياتها التنفيذية.

إن اكتمال تشكيل حكومة الزيدي في منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بعد أشهر من المفاوضات والخلافات السياسية، لم يكن نهاية لأزمة تشكيل السلطة بقدر ما كان انتقالًا إلى مرحلة جديدة من الصراع على طبيعة القرار الحكومي واتجاهاته. فالقوى التي ساهمت في وصوله إلى رئاسة الوزراء، وفي مقدمتها أحزاب الإطار التنسيقي، ليست كتلة متجانسة في رؤيتها لمستقبل الدولة، ولا في مصالحها السياسية والاقتصادية، ولا في علاقاتها الإقليمية. ومن هنا تبرز المعضلة الأساسية: رئيس الوزراء مطالب بإدارة مؤسسات الدولة وتنفيذ برنامجه الحكومي، لكنه يعمل ضمن منظومة سياسية تتعدد فيها مراكز النفوذ، وتتشابك فيها المصالح الحزبية مع المواقع الحكومية والاقتصادية والأمنية.

وهذا التناقض يضع الزيدي أمام مسؤولية مزدوجة؛ فهو مطالب من جهة بتحقيق وعود مكافحة الفساد وإصلاح الاقتصاد وحصر السلاح بيد الدولة، ومن جهة أخرى يواجه ضغوط القوى التي لا ترغب جميعها في أن تمتد إجراءات الإصلاح إلى مواقع نفوذها ومصالحها. وبذلك لا تصبح المشكلة مرتبطة فقط بقدرة رئيس الوزراء على اتخاذ القرارات، بل بمدى استعداد القوى السياسية لاحترام استقلال القرار التنفيذي، وعدم تحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات لتسوية الخلافات أو حماية المصالح الخاصة.

وقد كشفت الخلافات التي رافقت استكمال التشكيلة الوزارية عن استمرار منطق المحاصصة والتوازنات الحزبية، كما أثار اختيار بعض الشخصيات لمواقع حكومية رفيعة، ومن بينها أحد القياديين المرتبطين بحركة عصائب أهل الحق، تساؤلات بشأن حدود التوفيق بين متطلبات بناء مؤسسات الدولة ومراكز النفوذ السياسي والمسلح. فالمشكلة لا تكمن في أسماء المسؤولين وحدها، وإنما في طبيعة النظام الذي يسمح بتداخل المسؤوليات الحكومية مع الولاءات الحزبية ومراكز القوة خارج المؤسسات الرسمية.

ولعل أكثر الملفات تعبيرًا عن هذا التناقض هو ملف حصر السلاح بيد الدولة. فقد أعلنت الحكومة توجهها نحو إنهاء وجود السلاح خارج المؤسسات الرسمية، وحددت الثلاثين من يونيو/حزيران 2027 موعدًا مستهدفًا لاستكمال هذا المسار، بعد تمديد المهلة السابقة. لكن المسألة لا تتعلق بإعلان موعد أو إصدار قرارات إدارية، وإنما بمواجهة واقع سياسي وأمني معقد، حيث تمتلك بعض الفصائل المسلحة حضورًا برلمانيًا وسياسيًا واقتصاديًا، فضلًا عن علاقات إقليمية تتجاوز أحيانًا حدود القرار العراقي.

إن الدولة التي لا تحتكر قرار الحرب والسلم، ولا تستطيع ضمان خضوع جميع التشكيلات المسلحة لسلطتها الدستورية، تواجه مشكلة في ممارسة سيادتها بصورة كاملة. كما أن استمرار ازدواجية القرار الأمني والعسكري يضع العراق أمام مخاطر الانجرار إلى صراعات إقليمية لا يملك المواطنون قرار المشاركة فيها أو تحديد نتائجها. ولذلك فإن حصر السلاح ليس مجرد ملف أمني، بل قضية تتعلق بمفهوم الدولة والمواطنة والسيادة، وبحق المجتمع في أن تكون قرارات السلم والحرب مسؤولية مؤسساته الدستورية وحدها.

ولا يمكن فهم هذه المعضلة بعيدًا عن طبيعة العلاقات العراقية الأمريكية الإيرانية. فالعراق ما زال يشكل مساحة مهمة في حسابات الطرفين، سواء من الناحية الأمنية والسياسية أم الاقتصادية والاستراتيجية. فالولايات المتحدة تمتلك أدوات ضغط مؤثرة في النظام المالي العراقي والعلاقات المصرفية والتعاون الأمني، بينما تمتلك إيران شبكة واسعة من العلاقات السياسية والاقتصادية مع قوى عراقية فاعلة، إلى جانب مصالح جغرافية وتجارية وأمنية متشابكة.

وقد زادت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية من تعقيد هذه المعادلة، إذ وجد العراق نفسه أمام احتمالات أمنية واقتصادية شديدة الحساسية، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى الحد من النفوذ الإيراني، بينما تعمل طهران على المحافظة على مواقع تأثيرها في العراق والمنطقة. وبين هذين الاتجاهين تحاول بغداد المحافظة على علاقاتها مع الطرفين، وتجنب تحول أراضيها ومؤسساتها ومواردها إلى أدوات في الصراع الدائر.

لكن التوازن الحقيقي لا يتحقق بمجرد إعلان الحياد أو إطلاق المواقف الدبلوماسية، وإنما بامتلاك قرار وطني مستقل، ومؤسسات قادرة على منع استخدام الأراضي العراقية في استهداف دول أخرى أو مصالحها. فالعراق ليس مضطرًا لأن يكون طرفًا في صراعات الآخرين، ولا يجوز أن يدفع مواطنوه ثمن حسابات إقليمية لا تخدم مصالحهم الوطنية.

ولا تقتصر التدخلات والتأثيرات الخارجية على واشنطن وطهران. فتركيا تمتلك مصالح أمنية واقتصادية ومائية في العراق، ودول الخليج تتابع بقلق تطورات النشاط المسلح والتهديدات التي قد تطال أمنها ومنشآتها النفطية، فيما تسعى دول عربية إلى توسيع حضورها الاقتصادي والسياسي في بغداد. وقد أظهرت التوترات التي رافقت الهجمات المتبادلة والاتهامات المتعلقة باستهداف الأراضي والمنشآت العراقية والخليجية مدى سهولة تحول نشاط الفصائل المسلحة إلى أزمات دبلوماسية وأمنية بين الدول.

وهذا الواقع يضع الحكومة أمام مسؤولية حماية العلاقات الإقليمية من الانزلاق إلى مواجهات جديدة، من دون التفريط بسيادة العراق أو السماح بتحويل حاجاته الاقتصادية والأمنية إلى أوراق ضغط في صراعات الآخرين.

وإذا كانت الأزمات السياسية والأمنية تشكل الوجه الظاهر للمشهد العراقي، فإن الأزمة الاقتصادية تمثل أحد أكثر وجوهه تأثيرًا في حياة المواطنين. فالعراق، على الرغم من امتلاكه ثروات نفطية هائلة، ما زال يعتمد بصورة شبه مطلقة على صادرات النفط في تمويل الموازنة العامة، حيث تشكل عائداته قرابة 90 بالمئة من الإيرادات الحكومية. وهذا الاعتماد يجعل الاقتصاد العراقي شديد التأثر بأي اضطراب في الإنتاج أو التصدير أو طرق النقل، كما حدث خلال الحرب الإقليمية واضطراب الملاحة في مضيق هرمز.

وقد انعكست هذه التطورات على الصادرات النفطية العراقية بصورة ملموسة، إذ تراجعت إلى نحو 2.34 مليون برميل يوميًا في أغسطس/آب، مقارنة بأكثر من 3.6 مليون برميل يوميًا قبل الحرب، وفق البيانات التي نقلتها رويترز. ولم يكن هذا التراجع مجرد خسارة في حجم الصادرات، بل تحول إلى ضغط مباشر على الإيرادات الحكومية والاحتياطيات المالية وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.

وفي السابع من أكتوبر/تشرين الأول، اتخذت الحكومة قرارًا بتعديل سعر صرف الدينار ليصل السعر الرسمي الجديد إلى 1520 دينارًا مقابل الدولار، في خطوة ارتبطت بالضغوط المالية وتراجع الإيرادات النفطية. ورغم أن هذا الإجراء يوفر للدولة إيرادات محلية أكبر مقابل الدولار النفطي، فإنه يرفع في المقابل تكاليف الاستيراد ويضعف القوة الشرائية للمواطنين، خصوصًا أصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة الذين يعتمدون على الرواتب والأجور الثابتة في مواجهة ارتفاع الأسعار.

وهنا تظهر المفارقة التي يعيشها العراق منذ سنوات: ثروة نفطية كبيرة، في مقابل اقتصاد إنتاجي محدود، وقطاعات صناعية وزراعية لم تحصل على ما يكفي من الاستثمار والتطوير، وسوق عمل لا تستطيع استيعاب الأعداد المتزايدة من الشباب الباحثين عن فرص العمل. فبدلًا من أن تكون الموارد النفطية قاعدة لبناء اقتصاد متنوع ومستقر، بقيت الموازنة رهينة تقلبات السوق العالمية، وأصبحت قدرة الحكومة على الإنفاق مرتبطة إلى حد كبير باستمرار تدفق العائدات النفطية.

والأكثر إيلامًا أن هذه الاختلالات لا تبقى محصورة في الأرقام والتقارير الاقتصادية، بل تنتقل إلى تفاصيل الحياة اليومية. فالمواطن يواجه ارتفاع تكاليف السكن والغذاء والنقل والخدمات، ويعاني من عدم انتظام الكهرباء وشح المياه في مناطق عديدة، فضلًا عن ضعف الخدمات الصحية والتعليمية وقلة فرص العمل. كما أن اتساع الفجوة بين الدخول وتكاليف المعيشة يضع شرائح اجتماعية واسعة أمام صعوبات متزايدة في تأمين احتياجاتها الأساسية.

ولا يمكن معالجة هذه المشكلات من خلال زيادة الإنفاق الحكومي وحدها، ما دامت آليات توزيع الموارد وإدارة المشاريع والعقود خاضعة لمظاهر الفساد والمحسوبية وضعف الرقابة. فالإصلاح الاقتصادي الحقيقي يتطلب إعادة النظر في بنية الاقتصاد، وتنشيط القطاعات الإنتاجية، وتوفير بيئة استثمارية مستقرة، وتطوير الزراعة والصناعة، والحد من الاعتماد على الاستيراد، فضلًا عن مراجعة الإنفاق العام بما يضمن توجيه الموارد نحو احتياجات المجتمع الفعلية.

لكن الأزمة الاقتصادية تحمل أيضًا أبعادًا اجتماعية وسياسية لا تقل خطورة عن نتائجها المادية. فعندما يشعر المواطن بأن ثروة بلاده لا تنعكس على حياته، وأن فرص العمل والخدمات والامتيازات تتوزع وفق الولاءات والعلاقات الحزبية، فإن الثقة بين المجتمع ومؤسسات الحكم تتراجع. ومع استمرار هذا الشعور تتسع حالة الإحباط، ويزداد ابتعاد قطاعات من الشباب عن المشاركة السياسية، فيما تتعاظم الرغبة في الهجرة بحثًا عن فرص وحياة أكثر استقرارًا.

ومن هنا تبرز أهمية استحضار انتفاضة تشرين 2019، التي لم تكن مجرد حركة احتجاجية ضد حكومة بعينها، بل تعبيرًا عن رفض اجتماعي واسع لمنظومة المحاصصة والفساد، ومطالبة بدولة المواطنة والعدالة وتكافؤ الفرص والحقوق والحريات. لقد حملت تلك الانتفاضة تطلعات جيل أراد أن يرى بلاده دولة مؤسسات وقانون، وأن تكون الثروة الوطنية في خدمة المجتمع لا في خدمة القوى المتنفذة.

غير أن الحكومات المتعاقبة بعد الانتفاضة لم تنجح في تحقيق التحول الذي انتظره المحتجون، ولم تستطع تغيير جوهر العلاقة بين السلطة والمواطن. وبقيت كثير من المطالب معلقة، فيما استمرت الاختلالات السياسية والاقتصادية والأمنية بأشكال مختلفة. وهذا ما يجعل الأزمة الحالية أكثر عمقًا من مجرد تراجع في الخدمات أو خلافات بين الأحزاب؛ إنها أزمة ثقة بمستقبل الدولة وقدرتها على الاستجابة لتطلعات المجتمع.

وفي خضم هذه الأوضاع، تبدو التحركات الخارجية والزيارات الإقليمية التي يقوم بها الزيدي محاولة لتوسيع خيارات العراق الاقتصادية والسياسية، والبحث عن منافذ بديلة لتصدير النفط، وتعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية مع دول الجوار. وهي خطوات يمكن أن تفتح آفاقًا مهمة إذا تحولت إلى مشاريع عملية، لكنها لا تكفي وحدها لمعالجة الاختلالات الداخلية. فالاتفاقيات الاقتصادية لا تحقق نتائجها ما لم تتوفر بيئة سياسية وأمنية وقانونية مستقرة، ومؤسسات قادرة على تنفيذها بعيدًا عن التجاذبات الحزبية.

إن الاختبار الحقيقي أمام حكومة الزيدي لا يتعلق بقدرتها على تجاوز أزمة سياسية مؤقتة أو تأمين توافقات جديدة مع القوى المشاركة في السلطة، بل بمدى استعدادها لإحداث تغيير في قواعد إدارة الدولة. فمكافحة الفساد لا ينبغي أن تقتصر على ملاحقة بعض المسؤولين، وإنما يجب أن تصل إلى شبكات المصالح التي تستنزف المال العام. وحصر السلاح لا ينبغي أن يتحول إلى تفاهمات مرحلية تعيد توزيع النفوذ، بل يجب أن يؤسس لمرجعية أمنية وعسكرية واحدة. والإصلاح الاقتصادي لا يمكن أن يبقى عنوانًا في البرنامج الحكومي، بل ينبغي أن ينعكس على فرص العمل والدخل والخدمات ومستوى معيشة المواطنين.

وفي المقابل، لا يمكن تحميل رئيس الوزراء وحده مسؤولية جميع الأزمات المتراكمة، أو اعتبار الضغوط الخارجية تفسيرًا كافيًا لكل الإخفاقات. فالقوى السياسية التي شاركت في إدارة الدولة تتحمل مسؤولية تاريخية عن استمرار مظاهر الفساد والمحاصصة وضعف المؤسسات. كما أن المجتمع المدني والقوى الديمقراطية والنقابات والمنظمات المهنية والإعلام المستقل مطالبة بدور أكثر فاعلية في الدفاع عن المواطنة وسيادة القانون ومراقبة الأداء الحكومي.

إن العراق لا تنقصه الثروات ولا الكفاءات ولا الإمكانات البشرية، وإنما يحتاج إلى إرادة سياسية تجعل هذه الإمكانات في خدمة المجتمع، وتعيد الاعتبار إلى مفهوم الدولة باعتبارها مؤسسة وطنية جامعة، لا مجالًا لتقاسم النفوذ والمصالح. فاستعادة السيادة لا تتحقق فقط برفض التدخلات الخارجية، بل تبدأ أيضًا بإنهاء ازدواجية القرار داخل البلاد، وإخضاع الجميع للقانون، وتحرير المؤسسات من هيمنة الولاءات الحزبية والفئوية.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجه به العراقيون سلطتهم السياسية: هل تستطيع حكومة علي الزيدي أن تجعل من هذه المرحلة بداية لتغيير حقيقي في طبيعة الحكم وإدارة الدولة، أم أنها ستجد نفسها، مثل الحكومات التي سبقتها، مضطرة إلى إدارة الأزمات وتسويات القوى المتنفذة بدلًا من معالجة جذورها؟

إن مستقبل العراق لن يتحدد فقط بنتائج الصراع الإقليمي أو بمصير الحكومة الحالية، بل بقدرة المجتمع وقواه الوطنية على فرض أولوية الدولة والمواطنة والحقوق، وإعادة توجيه السياسة والاقتصاد نحو الإنسان العراقي. فالمواطن الذي انتظر طويلًا دولة تحمي حقوقه وتوفر له حياة كريمة، لم يعد معنيًا بتبادل الاتهامات والوعود بقدر ما يريد أن يرى تغييرًا ملموسًا في واقعه ومستقبل أبنائه.

فالدولة التي لا يشعر المواطن بوجودها في حياته اليومية، ولا تحمي قراره وحقوقه ومستقبله، تظل دولة ناقصة السيادة، مهما امتلكت من ثروات وإمكانات.

اضف تعليق