يناقش المقال فلسفة تعاقب الأجيال بوصفها أساسًا لتراكم الخبرة وبناء الأمم، ويعرض ثلاث حقائق تتصل بوحدة الماضي والحاضر والمستقبل، وضرورة أن يكمل كل جيل ما بناه السابقون، وأهمية التعلم من التجارب والعبر. كما يربط استمرار الأخطاء بتوارث السلوكيات، ويؤكد أن فهم السنن الاجتماعية يحمي المجتمعات من تكرار الانتكاسات...

﴿قُرُونًا آخَرِينَ﴾.

إنَّ الحديثَ عن الأجيالِ حديثٌ عن [٣] حقائق أساسيَّة:

الحقيقةُ الأولى: أنَّ الأُمَّةَ تعيشُ الماضي والحاضر والمستقبل بأجيالٍ متعاقبةٍ، وليس بجيلٍ واحدٍ، ولذلك لا يمكن الفصل بين الحُقب الزمنيَّة الثلاث، ويُخطئ من يتصوَّر أنَّها منفصلةٌ عن بعضها.

يقولُ أميرُ المؤمنين (ع): «يَذْهَبُ الْيَوْمُ بِمَا فِيهِ، وَيَجِيءُ الْغَدُ لَاحِقًا بِهِ».

الحقيقةُ الثانية: أنَّ النتائجَ تراكماتٌ، شريطة أن يكمِّل بعضها بعضًا، وإلَّا فالأُمَّةُ التي لا يكمِّل كلُّ جيلٍ فيها ما بناهُ الجيلُ الذي سبقهُ ستمرُّ بانهياراتٍ وانتكاساتٍ بعد كلِّ نهوضٍ، فما بالك إذا كان كلُّ جيلٍ يهدمُ ما بناهُ الجيلُ الذي سبقهُ، جهلًا أو حسدًا أو بسبب التنازع على البقاء وإظهار القدرات، لا فرق؟!

وقديمًا قال الشاعر:

متى يبلغُ البنيانُ يومًا تمامَهُ --- إذا كنتَ تبنيهِ وغيرُكَ يهدمُ

فلو ألفُ بانٍ خلفهم هادمٌ كفى --- فكيف ببانٍ خلفهُ ألفُ هادمِ

الحقيقةُ الثالثة: إنَّ أمام كلِّ جيلٍ من الأجيال طريقين:

- فإمَّا أن يتعلَّم من الجيل الذي سبقهُ، فيصحِّح الأخطاء ويكرِّس النجاحات، وبالتالي يوفِّر على نفسه الوقت والجهد.

يقولُ أميرُ المؤمنين (ع): «فَإِنَّمَا الْبَصِيرُ مَنْ سَمِعَ فَتَفَكَّرَ، وَنَظَرَ فَأَبْصَرَ، وَانْتَفَعَ بِالْعِبَرِ»، وقولهُ (ع): «فَاتَّعِظُوا عِبَادَ اللَّهِ بِالْعِبَرِ النَّوَافِعِ، وَاعْتَبِرُوا بِالآيِ السَّوَاطِعِ، وَازْدَجِرُوا بِالنُّذُرِ الْبَوَالِغِ، وَانْتَفِعُوا بِالذِّكْرِ وَالْمَوَاعِظِ»، كون كلِّ عبرةٍ إنذارًا، كما يقولُ (ع): «الاتِّعاظُ بِالْعِبَرِ إِنْذَارٌ»، و«رَحِمَ اللهُ عَبْدًا تَفَكَّرَ وَاعْتَبَرَ، فَأَبْصَرَ إِدْبَارَ مَا قَدْ أَدْبَرَ، وَحُضُورَ مَا قَدْ حَضَرَ»، كما يقولُ (ع).

ولقد أوصى (ع) ولدهُ الحسنَ السبطَ (ع) بقولهِ: «أَيْ بُنَيَّ، إِنِّي وَإِنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَفَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ، وَسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ، حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ، بَلْ كَأَنِّي بِمَا انْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أُمُورِهِمْ قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ، فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِهِ، وَنَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ».

- أو أن يدير ظهرهُ للجيل الذي سبقهُ، ويتنكَّر لقرنهِ، فلا يستفيد من انتكاساتهِ، ولا يتعلَّم من كبواتهِ، ولا يبني على نجاحاتهِ، وهو بهذه الحالة يضيِّع جهدًا ووقتًا، وبالتالي تراهُ يسبح عكس حركة التاريخ التي تقوم على أساس التراكم، بغضِّ النظر عن طبيعتهِ، إن كانت صحيحةً أو خطأً.

يقولُ أميرُ المؤمنين (ع): «وَإِنَّمَا يُؤْتَى خَرَابُ الْأَرْضِ مِنْ إِعْوَازِ أَهْلِهَا، وَإِنَّمَا يُعْوِزُ أَهْلُهَا لِإِشْرَافِ أَنْفُسِ الْوُلَاةِ عَلَى الْجَمْعِ، وَسُوءِ ظَنِّهِمْ بِالْبَقَاءِ، وَقِلَّةِ انْتِفَاعِهِمْ بِالْعِبَرِ».

فالأُممُ الناجحةُ هي التي تتراكمُ عندها إنجازاتُ الأجيال، فلا تبدأ من الصفر في كلِّ مرَّةٍ، أمَّا الأُممُ الفاشلةُ فهي التي تبدأ من المربَّع الأول مع بداية كلِّ جيلٍ، وكأنَّهُ خُلق للتوِّ، أو نزل من السماء، أو ظهر من أعماق المحيطات! ولذلك يتكرَّر عندها التاريخ، وأكثر من هذا عندما [يستمرُّ التاريخُ] عندها، وكأنَّ عقارب الساعة ودوران الفلك متوقِّفان عندها!

نصيحتي لكلِّ جيلٍ هي: أنَّك إذا عجزتَ عن إضافة لبنةٍ على بناء الأجيال السابقة، فلا تهدم منهُ شيئًا! حافظ عليهِ كما هوَ على الأقلِّ!

في الآية الكريمة: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ حديثٌ عن جوهر فلسفة الأجيال في الحياة.

الآيةُ تتحدَّث عن جيلٍ وعد الله تعالى فأخلف وعدهُ ولم يفِ بهِ، فأصابهُ مرض النفاق، وهي النتيجة الطبيعيَّة لخُلف الوعد وعدم البرِّ بالقسم والنذر، ولكن ما علاقة الأجيال المتعاقبة لتتحمَّل وزر الجيل الأول، فتُصاب بنفس المرض [النفاق] إلى يوم يُبعثون؟!

بمعنى آخر: ما علاقة الأجيال المتعاقبة في أُمَّةٍ من الأُمم بجريمةٍ ارتكبها جيلٌ مضى، لتتحمَّل وزرهُ فتُصاب الأُمَّة بمرض النفاق على مرِّ الأجيال وإلى أن تلقى الله تعالى؟!

هل تعتقدُ أنَّ في الحالة عدالةً ليتحمَّل جيلٌ جديدٌ وزر خطأ جيلٍ مضى، والله تعالى يقولُ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾؟!

الجوابُ: كان على الجيل الجديد أن يتعلَّم من جريمة الجيل الذي سبقهُ درسًا، فيصحِّح ويبدِّل ويُصلح ليتجنَّب النتيجة السيئة نفسها، ولكنَّهُ بدلًا من ذلك توارث الجريمة، فظلَّ يعد ولا يفي، ويتعاهد ولا يلتزم، وكأنَّهُ توارث المقدمات والنهايات من جيلٍ لآخر، وهكذا يستمرُّ عندهُ الحال إلى يوم يُبعثون! أمَّا الجيلُ الذي يتعلَّم فيفلتُ، لا محالة، من العاقبة السيئة.

أرأيتم أنَّ ظاهرةً سيئةً في أُمَّةٍ [كالخذلان بعد الوعد بالنصرة] تظلُّ تتوارثها الأجيال قرونًا قد تستمرُّ [١٤٠٠] سنةٍ، كالظاهرة المعروفة بـ[الظاهرة الكوفية]؟! من دون أن يصحِّحها جيلٌ من الأجيال؟!

النقطةُ الجوهريَّةُ التي نستنبطها من فلسفة [تعاقب الأجيال]، والتي يجب ألَّا نغفل عنها لحظةً، هي أنَّها ترسم وترسِّخ على أرض الواقع معالم السنن الإلهيَّة الاجتماعيَّة في عبادهِ. فكما أنَّ التجارب العلميَّة، وفي مختلف العلوم الطبيعيَّة، تكشف لنا عن السنن الطبيعيَّة في الحياة، كنظريَّة الجاذبيَّة الأرضيَّة مثلًا، والتي يبني عليها الإنسان تقدُّمهُ واكتشافاتهُ العلميَّة من دون التفكير أبدًا في تجاهلها أو تجاوزها، كذلك فإنَّ [تعاقب الأجيال] يكشف لنا السنن الاجتماعيَّة ويؤكِّدها بالتجربة كثوابت لا ينبغي تجاهلها، وإلَّا فستكون العاقبة: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾.

إنَّ التجارب العلميَّة لا تخلق لنا السنن الطبيعيَّة، وإنَّما تكشف عنها، فهي موجودةٌ يوم أن خلق الله تعالى الخلق، كقولهِ تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. كذلك فإنَّ تعاقب الأجيال لا يخلق السنن الاجتماعيَّة، وإنَّما يكشف عنها، كقولهِ تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾.

إنَّ الجيلَ الذي يتغافل عن هذه السنن، أو يتجاهلها، أو يحاول أن يتحدَّاها بشكلٍ من الأشكال، سيلقى مصيرًا أسودَ في الدنيا قبل الآخرة، وبمرورٍ سريعٍ على تجارب الأُمم في القرن الأخير سنتأكَّد ممَّا أذهبُ إليهِ.


اضف تعليق