في وقت يتصاعد فيه الاستياء الشعبي من تردي الخدمات وتراجع الثقة بالأداء الحكومي، يبرز التساؤل عن جدوى جلسة البرلمان المخصصة لاستكمال الكابينة واستحداث مناصب جديدة كنواب لرئيس مجلس الوزراء. العراقي الذي يعاني من أزمات الكهرباء والماء والصحة لا ينتظر توسعاً هيكلياً يرضي القوى السياسية، بل حلولاً ملموسة...

في وقت يتصاعد فيه الاستياء الشعبي من تردي الخدمات وتراجع الثقة بالأداء الحكومي، تبرز تساؤلات مهمة بشأن جلسة البرلمان المخصصة لاستكمال الكابينة الحكومية واستحداث مناصب جديدة، من بينها نواب لرئيس مجلس الوزراء ومواقع وزارية أخرى، فهل الأولوية اليوم لاستكمال متطلبات إدارة الدولة، أم لاستكمال التفاهمات السياسية وإرضاء القوى المشاركة في السلطة؟

لا أحد ينكر أهمية اكتمال التشكيلة الحكومية لضمان انتظام عمل المؤسسات، غير أن اكتمال المناصب لا يعني بالضرورة اكتمال الأداء، كما أن الاتفاق السياسي لا يمثل إنجازا حقيقيا ما لم ينعكس إيجابا على حياة المواطنين، فالعراقي الذي يعاني من ضعف الخدمات وملفات الكهرباء والماء والصحة والبطالة، ينتظر حلولا ملموسة، لا توسعا في الهيكل الحكومي يثير تساؤلات عن جدواه وكلفته.

المشكلة ليست في عدد المناصب، وإنما في أسباب استحداثها، فإضافة نواب لرئيس مجلس الوزراء أو استحداث مواقع وزارية جديدة ينبغي أن يستند إلى حاجة فعلية، وصلاحيات محددة، ومهام واضحة تسهم في تسريع القرارات وتحسين الأداء، أما إذا كانت الغاية تلبية مطالب سياسية أو إعادة توزيع النفوذ بين الأطراف، فإن هذه الخطوات ستعزز الشكوك بشأن استمرار المحاصصة على حساب الكفاءة والمصلحة العامة.

فالمحاصصة حين تتحول إلى معيار لتوزيع المسؤوليات، تضعف فرص اختيار الشخص المناسب في الموقع المناسب، وتجعل بعض المؤسسات أقرب إلى حصص سياسية منها إلى أدوات لخدمة المجتمع، والمواطن اليوم لا يعنيه كثيرا عدد المناصب أو الجهات التي حصلت عليها، بقدر ما يعنيه أن يجد مستشفى يقدم خدمة لائقة، ومدرسة تتوافر فيها مستلزمات التعليم، وكهرباء مستقرة، ومؤسسات تنجز معاملاته من دون تعقيد.

ونتيجة لما سبق تقع على عاتق مجلس النواب مسؤولية تتجاوز التصويت على الأسماء والمناصب، فمن واجبه أن يناقش مبررات التوسع الحكومي وكلفته المالية، وحدود الصلاحيات الجديدة، وأن يطالب بخطط عمل قابلة للقياس، تتضمن أهدافا واضحة ومواعيد زمنية ومؤشرات لتقييم الأداء، فالرقابة البرلمانية الحقيقية لا تقتصر على منح الثقة، وإنما تشمل متابعة النتائج ومحاسبة المقصرين.

كما أن القوى السياسية مطالبة بإعادة النظر في أولوياتها، لأن التوافق الذي لا ينتج خدمات أفضل ولا يعالج أزمات المواطنين يفقد قيمته تدريجيا في نظر الشارع، فالاستقرار السياسي لا يتحقق بمجرد توزيع المناصب وإرضاء الأطراف، لكن ببناء ثقة حقيقية بين الدولة والمجتمع، أساسها الإنجاز والشفافية والعدالة في إدارة الموارد.

الجلسة البرلمانية التي تم فيها التصويت على إكمال الكابينة الوزارية تمثل اختبارا لمدى قدرة القوى السياسية على تقديم المصلحة العامة على حساباتها الخاصة، فإذا كانت المناصب المستحدثة ضرورة إدارية، فلتُعلن مهامها ومبرراتها وكلفتها، وليُربط أداؤها بنتائج واضحة، أما إذا كانت جزءا من تسويات سياسية، فإن المواطن من حقه أن يسأل عن العائد الذي سيحصل عليه مقابل الأعباء المالية والإدارية المترتبة عليها.

ويبقى العراق لا يحتاج إلى مناصب أكثر بقدر حاجته إلى مسؤولين أكثر كفاءة، ولا إلى تفاهمات جديدة بقدر حاجته إلى حلول فعلية لأزماته الخدمية، فالرضى الشعبي لا يُصنع داخل قاعة البرلمان، ولا يتحقق بمجرد اكتمال الكابينة، وإنما يُبنى عندما يشعر المواطن بأن صوته الانتخابي أحدث فرقا في حياته، وأن المسؤولية تكليف لخدمة الناس وليست امتيازا لتقاسم السلطة.

اضف تعليق