الدينار لا ينهار في نشرات الأخبار والتسريبات السياسية فقط، بل ينهار في التفاصيل الصغيرة يوميات المواطن. خفض العملة ليس عملية محايدة، بل مفارقة أخلاقية تحمل الطبقات المحدودة كلفة العجز الريعي وضغوط الملاحة الخارجية، فيما يغذي التمويل الربوي والمضاربة الجشعة أزمات السوق النقدية. الحل لا يكمن في تجميل الأرقام الإدارية، بل في إصلاح بنيوي...
في مثل هذه الأيام، لا يحتاج العراقي إلى نشرة اقتصادية ليعرف أن الدولار ارتفع. يكفي أن يمرّ على مخبز، أو يسأل عن سعر علبة الدواء، أو يسمع صاحب المحل يقول: «الأسعار تغيّرت اليوم». الدينار لا ينهار في نشرات الأخبار فقط؛ ينهار في التفاصيل الصغيرة: في كيس الطحين، في أجرة التاكسي، في قائمة مشتريات الأسبوع التي تتقلص بصمت.
البنك المركزي العراقي أعلن أخيرًا اعتماد سعر بيع الدولار النقدي للجمهور عند 1520 دينارًا، وسعر البيع للمصارف 1510 دنانير، وسعر الشراء من وزارة المالية 1500 دينار. وقبل أشهر قليلة، كان السعر الرسمي يقف عند 1320 دينارًا. الفرق ليس رقمًا مجردًا. إنه الفرق بين أن يشتري الموظف حاجاته كاملة، وأن يختار بين الدواء والكهرباء. وفي السوق الموازية، تجاوز السعر في بعض الأيام 1700 دينار، بينما تتحدث تقديرات غير رسمية عن أن الانخفاض الحقيقي قد يقارب 26% عند احتساب كلف الشحن وضغط السوق.
لماذا الآن؟
الجواب الرسمي يشير إلى مضيق هرمز. اضطراب فعلي هناك، وتعطّل جزء من صادرات النفط العراقية. والعراق، كما يعرف كل من دفع راتبه يومًا، يعتمد على عائدات النفط لتغطية ما يقارب 90% من نفقاته العامة. حين تنخفض الإيرادات الدولارية، تصبح الدولة أمام خيارين: أن تخفض الإنفاق، وهذا مستحيل سياسيًا واجتماعيًا، أو أن تخفض قيمة الدينار لتحصل على دنانير أكثر مقابل كل دولار. الخيار الثاني هو ما حدث.
لكن هناك طبقة أخرى من الحكاية لا تظهر في البيانات. تسريبات من داخل مجلس الوزراء، في جلسته الاعتيادية رقم (544) لسنة 2026، تتحدث عن أن المقترح الأول كان رفع السعر إلى 1900 دينار للدولار، قبل أن يتم التوافق على 1520 كحل وسط، بعد ضغوط من كتل سياسية تخشى انفجارًا اجتماعيًا. إذا صحّ هذا، فالقرار لم يكن مجرد إجراء نقدي تقني، بل كان نتيجة مساومة سياسية. وهذا ما يجعل الأزمة أخطر من مجرد رقم.
من يدفع الفاتورة؟
خفض العملة ليس عملية محايدة. الموظف الذي يتقاضى راتبه بالدينار سيخسر فورًا. المتقاعد الذي لا يملك حسابًا بالدولار سيخسر. العامل اليومي الذي يشتري بالدينار ويبيع جهده بالدينار سيخسر. أما التاجر الذي يحتفظ بمدخراته بالدولار، أو يبيع بضاعته بسعر الدولار، فسيخرج من الأزمة شبه معافى. هذه ليست مجرد مفارقة اقتصادية. إنها مفارقة أخلاقية تضعف الثقة بالسياسات النقدية، وتعمّق الشعور بالظلم.
الخبير الاقتصادي العراقي أحمد الشرماني حذّر من أن القرار «ستكون له انعكاسات مباشرة على أسعار السلع والخدمات والقوة الشرائية للمواطنين، ولا سيما أصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة». وخطيب جمعة بغداد، آية الله السيد ياسين الموسوي، قال في أيلول الماضي إن «انخفاض القوة الشرائية للناس أدى إلى ركود وإغلاق قطاعات واسعة من السوق، وأن سلعًا وخدمات كانت تُعدّ قبل سنوات من الاحتياجات العادية أصبحت اليوم غير قابلة للوصول لشريحة كبيرة من العراقيين». هذه ليست تحذيرات نظرية. إنها وصف دقيق لما يحدث في الأسواق.
الربا: الوجه الآخر للدولار
لا يمكن الحديث عن الأزمة الاقتصادية في العراق دون التوقف عند الربا. المدعي العام في محكمة استئناف الأنبار، صلاح مخلف، أوضح أن المادة 465 من قانون العقوبات العراقي تعاقب بالسجن أو الغرامة كل من يُقرض آخر بفائدة ظاهرة أو خفية تتجاوز الحد الأقصى المسموح به، وتُضاعف العقوبة إلى السجن المؤقت لمدة لا تزيد على عشر سنوات إذا ارتكب المُقرض جرمًا مماثلًا خلال ثلاث سنوات من صدور الحكم الأول. لكن العقوبة وحدها لم توقف الظاهرة. تحوّلت إلى ما يُعرف محليًا بـ«الفايز»، وهو نظام إقراض ربوي سري ينتشر في محافظات مثل ميسان وديالى وواسط، حيث تتحول قروض صغيرة إلى ديون ضخمة تتراكم عليها فوائد خيالية.
الآثار الاقتصادية للربا ليست فردية فقط. المدعي العام أكد أن هذه العمليات تترك «آثارًا اقتصادية تشمل التضخم وانخفاض قيمة العملة في السوق وارتفاع الأسعار نتيجة للمضاربات الوهمية». بمعنى آخر، الربا لا يضر فقط المقترض الذي يقع في فخ الديون، بل يغذي الأزمة النقدية نفسها، لأن رؤوس الأموال تتجه نحو المضاربة بدل الإنتاج، وتزداد الكتلة النقدية المتداولة دون مقابل إنتاجي حقيقي. وهذا يجد سنده الفقهي في النصوص الإسلامية التي حرمت الربا ليس فقط لكونه ظلمًا للمقترض، بل لأنه يُفسد بنية الاقتصاد عبر فصل المال عن العمل والإنتاج.
ماذا تقول المرجعية؟
المرجعية الدينية في العراق لم تكتفِ بالتحذير اللفظي. مكتب المرجع الأعلى السيد علي السيستاني، في بيان سابق، دعا «أهل الخير من المتمكنين ماليًا» إلى المساهمة في دعم الأسر المتضررة، مع إمكانية احتساب ما يدفعونه من الحقوق الشرعية في هذا المورد. هذا التوجيه يحمل دلالة عميقة: إن الحقوق الشرعية، ومنها الخمس والزكاة، ليست مجرد شعائر مالية، بل يمكن أن تُحوّل إلى أداة مواجهة للأزمات الاقتصادية إذا أُديرت وفق الضوابط المقررة.
في المقابل، برزت مبادرات مؤسسية أكثر جرأة. العتبة الحسينية أعلنت عن استقبال المرضى الفلسطينيين وتحمّل تكاليف علاجهم ونقلهم مجانًا، وهي خطوة وصفها خطيب جمعة النجف السيد صدر الدين القبانجي بأنها «ذات دلالات كبيرة في دور المرجعية وفي موقف شيعة أهل البيت تجاه سائر المسلمين». كما اقترح القبانجي نفسه أن تتجه الحكومة إلى توزيع رواتب الموظفين بالدولار الأمريكي لمواجهة تآكل قيمة الدينار، خاصةً مع تأكيده أن مضيق هرمز ما زال مفتوحًا أمام الناقلات العراقية العملاقة التي نقلت في الشهر الماضي أربعة ملايين برميل من النفط. هذا الاقتراح، وإن كان يحتاج إلى دراسة تقنية معمقة، إلا أنه يعكس إدراكًا بأن الحلول النقدية التقليدية لم تعد كافية.
ما العمل؟
على مستوى الفرد والأسرة، أول نصيحة عملية هي تجنب الاحتفاظ بالمدخرات نقدًا بالدينار لفترات طويلة، لأن القوة الشرائية للعملة المحلية تآكلت بشكل ملموس. لكن هذا لا يعني الاندفاع نحو الدولار، خاصةً لأصحاب الدخول المحدودة، لأن فروقات الشراء والبيع في السوق الموازية قد تلتهم أي مكسب محتمل. البديل الأكثر استقرارًا هو تحويل جزء من المدخرات إلى أصول حقيقية كالذهب أو العقار الصغير، أو إلى صناديق استثمار إسلامية تعمل بعيدًا عن الفائدة الربوية.
على مستوى التجار وأصحاب الأعمال، المرجعية دعت التجار الذين يمتلكون المواد الغذائية إلى «عرضها للبيع وعدم رفع أسعارها، بل ينبغي أن تكون مدعومة». هذا التوجيه ليس مجرد نداء أخلاقي، بل هو استثمار في الاستقرار الاجتماعي، لأن رفع الأسعار في لحظة انخفاض العملة يُفقد السوق ثقة المستهلك ويزيد الكساد. التاجر الذي يحتفظ بمخزونه ويبيعه بسعر عادل خلال الأزمة يكسب ولاء العملاء على المدى الطويل، بينما الذي يستغل الأزمة لرفع الأسعار يخسر سوقه بعد انتهاء الموجة.
على مستوى الدولة والمؤسسات، التجربة تشير إلى أن الحلول الفردية غير كافية. هناك حاجة إلى تعزيز المصارف الإسلامية كبديل حقيقي للتمويل الربوي. المدعي العام نفسه أوصى بـ«إنشاء مصارف إسلامية تقدم قروضًا للمواطنين بشروط واضحة، إما بدون فائدة أو بفائدة مشروعة»، مطالبًا بتشديد الرقابة على المصارف والمؤسسات المالية التي جعلت الإقراض نشاطًا أساسيًا في تعاملاتها. العراق لديه قانون المصارف الإسلامية رقم 43 لسنة 2015 الذي يوفّر الإطار القانوني لهذا التوسع، لكن التنفيذ ما زال محدودًا.
خاتمة
ما يجري في العراق اليوم ليس مجرد أزمة سعر صرف عابرة. إنه اختبار حقيقي لمفهوم العدالة الاقتصادية في دولة يُفترض أنها تقوم على مبادئ إسلامية دستورية. حين يخسر الدينار 13% من قيمته بين ليلة وضحاها، فإن الخسارة لا تُوزع بالتساوي. الفقير الذي لا يملك حسابًا بالدولار يتحمل العبء كاملًا، بينما من يملك مدخرات دولارية يخرج شبه معافى. هذه المفارقة هي بالضبط ما حذّر منه القرآن الكريم حين قال: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ (الحشر: 7).
الحل ليس في العودة إلى سعر صرف وهمي غير قابل للاستدامة، ولا في إلقاء اللوم على الخارج فقط. الحل يبدأ من إصلاح نظام التمويل، وتفعيل أدوات إسلامية مثل الزكاة والخمس والمضاربة والمشاركة، والانتقال من اقتصاد ريعي يعتمد على النفط إلى اقتصاد إنتاجي متنوع. حتى ذلك الحين، سيبقى الدينار العراقي رهينة لمضيق هرمز، ولمزاج السوق الموازية، وللربا الذي ينهش جسد المجتمع من الداخل.



اضف تعليق