التأهيل المهني في العراق قضية تنموية تتجاوز فكرة إقامة دورات متفرقة... فالاقتصاد لا يحتاج إلى شهادات كثيرة فقط، بل إلى أشخاص يعرفون كيف يحولون ما تعلموه إلى قيمة حقيقية. وعندما يصبح الإنسان مؤهلاً، لا يعود منتظراً للوظيفة فقط؛ بل يمتلك من المعرفة والمهارة والمرونة ما يجعله قادراً على صناعة مكانه بنفسه...

في العراق، قد تبدأ قصة العمل من مكان لا علاقة له كثيراً بقدرات الإنسان. شاب يتخرج من الجامعة ثم يبدأ البحث عن أي وظيفة متاحة، أو خريج يحمل شهادة في تخصص معين ويجد نفسه مضطراً للعمل في مجال مختلف تماماً، أو شاب يدخل مهنة لأنه وجد فيها فرصة أسرع للدخل، من دون أن يحصل على التدريب الذي يجعله قادراً على الاستمرار والتطور. 

وبعد سنوات قد يبدو الأمر وكأنه مشكلة فردية: هذا لم ينجح، وذاك ترك عمله، وآخر ما زال يبحث عن فرصة. لكن عندما تتكرر الحالات على نطاق واسع، يصبح السؤال أكبر من الفرد: هل المشكلة في الأشخاص، أم في الطريقة التي نهيئ بها الإنسان للحياة المهنية؟

هذه المسافة بين الإنسان والعمل واضحة في العراق. لدينا أعداد كبيرة من الشباب والخريجين، ولدينا في الوقت نفسه قطاعات اقتصادية تحتاج إلى مهارات متنوعة، من الصناعة والزراعة والطاقة والإنشاءات إلى الخدمات الصحية والسياحة والنقل والتقنيات الرقمية. ومع ذلك تبقى العلاقة بين ما يتعلمه الإنسان وما يحتاجه سوق العمل غير مستقرة. قد يحصل الشاب على شهادة، لكنه لا يمتلك المهارة العملية المطلوبة، وقد يمتلك مهارة جيدة، لكنه لا يجد قناة واضحة توصله إلى صاحب العمل. وفي الحالتين تضيع فرصة كان يمكن أن تتحول إلى إنتاج ودخل واستقرار.

لهذا يصبح التأهيل المهني في العراق قضية تنموية تتجاوز فكرة إقامة دورات تدريبية متفرقة. نحن أمام حاجة إلى إعادة التفكير في الطريق الذي يسلكه الإنسان من المدرسة إلى الجامعة، ومن الجامعة إلى المهنة، ثم من المهنة الأولى إلى التطور المستمر. فالاقتصاد لا يحتاج إلى شهادات كثيرة فقط، وإنما يحتاج إلى أشخاص يعرفون كيف يحولون ما تعلموه إلى قيمة حقيقية.

والشهادة، مهما كانت مهمة، لا تستطيع وحدها أن تضمن ذلك. الطبيب يحتاج إلى ممارسة، والمهندس يحتاج إلى موقع يتعلم فيه، والتقني يحتاج إلى مختبر ومعدات، والمبرمج يحتاج إلى مشروعات حقيقية، والعامل الصناعي يحتاج إلى تدريب داخل بيئة إنتاج، والمزارع يحتاج إلى معرفة حديثة بالسوق والتقنيات والإدارة. حتى الموظف الإداري يحتاج إلى مهارات تتغير مع التحول الرقمي. المسافة بين المعرفة والتطبيق هي إحدى المساحات التي ينبغي أن يعالجها التأهيل المهني بجدية.

وتزداد المشكلة عندما يصبح اختيار التخصص نفسه منفصلاً عن قراءة المستقبل. بعض الشباب يختارون تخصصاتهم وفق رغبة الأسرة أو المكانة الاجتماعية أو المعدلات المتاحة، ثم يكتشفون بعد التخرج أن سوق العمل لا يستطيع استيعاب الأعداد المتزايدة في ذلك المجال. في المقابل قد توجد مهن تحتاج إلى أيدٍ ماهرة وتقنيين وفنيين وحرفيين، لكنها لا تحظى دائماً بالمكانة الاجتماعية نفسها التي تحظى بها بعض الشهادات الجامعية.

هنا نحتاج إلى تغيير نظرتنا إلى التعليم المهني والتقني. فالفني المتمكن، والعامل الصناعي المدرب، والمتخصص في صيانة الأجهزة، وتقني الطاقة، وخبير الشبكات، والعامل في المهن الحديثة المرتبطة بالإنشاءات والزراعة والتصنيع، يمكن أن يكون جزءاً أساسياً من اقتصاد قوي. قيمة الإنسان المهنية لا تحددها صورة المهنة في المجتمع، وإنما مقدار ما يمتلكه من كفاءة وما يقدمه من قيمة وما يستطيع تطويره.

وفي العراق تحديداً، لا يمكن الحديث عن التأهيل من دون الحديث عن الاقتصاد غير الرسمي. أعداد من الشباب يدخلون أعمالاً صغيرة أو حرفاً أو مشاريع فردية من دون تدريب حقيقي في الإدارة أو التسويق أو السلامة المهنية أو استخدام التكنولوجيا أو الحسابات المالية. 

قد يمتلك الشاب مهارة يدوية جيدة، لكنه يخسر مشروعه لأنه لا يعرف كيف يسعّر عمله، أو يدير موارده، أو يصل إلى الزبائن، أو يحافظ على جودة ثابتة. هنا يصبح التأهيل أوسع من تعليم الحرفة؛ إنه تعليم الإنسان كيف يحول مهارته إلى مصدر دخل مستدام.

والأمر نفسه ينطبق على المؤسسات. أحياناً يُنظر إلى الموظف الجديد باعتباره شخصاً يجب أن يعرف كل شيء بمجرد تعيينه. ثم تبدأ الأخطاء، ويأتي اللوم، وتتشكل صورة سلبية عن الموظف، بينما كان يمكن معالجة جزء كبير من المشكلة ببرنامج إدماج وتدريب واضح منذ اليوم الأول. المؤسسة التي تريد إنتاجاً أفضل لا تنتظر الخطأ حتى تعلم العامل، وإنما تستثمر في تأهيله قبل أن يصبح الخطأ مكلفاً.

وفي القطاع الحكومي، تكتسب المسألة أهمية إضافية. فالوظيفة الحكومية ما زالت بالنسبة إلى كثير من العراقيين هدفاً للاستقرار، لكن الاقتصاد لا يستطيع أن يجعل التوظيف الحكومي الحل الدائم لمشكلة الشباب. لذلك فإن الاستثمار في المهارات القابلة للنقل بين القطاعات يصبح أكثر أهمية: مهارات تقنية، رقمية، إدارية، لغوية، مهنية وحرفية تستطيع أن تمنح الإنسان قدرة على الحركة داخل سوق العمل، بدلاً من أن تجعل مستقبله مرتبطاً بوظيفة واحدة أو مؤسسة واحدة.

وهنا يظهر مفهوم جديد للبطالة. قد يكون الإنسان بلا وظيفة، وهذه هي البطالة الواضحة. وقد يكون لديه عمل، لكنه يعمل في مجال لا يستخدم قدراته، أو في وظيفة أقل من تأهيله، أو في موقع لا يمكنه من التطور. هذه حالة أخرى من الهدر لا تظهر دائماً في الأرقام. شخص يقضي سنوات في عمل لا يناسبه يفقد جزءاً من طاقته، والمؤسسة تخسر إمكاناته، والاقتصاد يخسر الإنتاج الذي كان يمكن أن يقدمه في المكان المناسب.

لذلك فإن التأهيل المهني في العراق يجب أن يرتبط بمعلومات حقيقية عن سوق العمل. ما المهن التي يحتاج إليها العراق خلال السنوات المقبلة؟ ما المهارات المطلوبة في الصناعة؟ ماذا تحتاج مشاريع الطاقة؟ ما الذي يحتاجه القطاع الزراعي الحديث؟ كيف يمكن إعداد الشباب للعمل في السياحة والنقل والخدمات الرقمية؟ ما المهارات التي يحتاج إليها القطاع الخاص؟ وما المهن التي ستتأثر بالأتمتة والذكاء الاصطناعي؟

من دون هذه القراءة ستظل برامج التدريب معرضة لخطر إنتاج مهارات لا تجد مكاناً لها. أما عندما تبنى البرامج على بيانات سوق العمل واحتياجات الاقتصاد، يصبح التدريب جزءاً من التخطيط للمستقبل، وليس مجرد نشاط مؤقت.

وتحتاج هذه الرؤية أيضاً إلى شراكة حقيقية بين الجامعات والمعاهد وأصحاب العمل. لا يكفي أن يتخرج الطالب ثم يبدأ البحث عن مؤسسة تقبله. الأفضل أن يدخل سوق العمل وهو يحمل جزءاً من خبرته العملية معه. التدريب الميداني، المشاريع المشتركة، المختبرات التطبيقية، التدريب الصيفي، برامج التلمذة المهنية، واستضافة العاملين من القطاعات المختلفة داخل المؤسسات التعليمية؛ كلها يمكن أن تقلل المسافة بين الدراسة والعمل.

أما الأشخاص ذوو الإعاقة، فإن التأهيل المهني يمكن أن يتحول بالنسبة إليهم إلى قضية كرامة واستقلال اقتصادي. العراق لا يحتاج إلى التعامل معهم باعتبارهم فئة تحتاج إلى الرعاية فقط، وإنما باعتبارهم طاقات يمكن أن تشارك في الإنتاج إذا توفرت المهنة المناسبة والبيئة الملائمة والتقنيات المساعدة. الوظيفة المناسبة قد تغير علاقة الإنسان بنفسه وبأسرته وبالمجتمع كله.

كما أن التأهيل يجب ألا يتوقف عند الشباب. العامل الذي قضى عشرين عاماً في مهنة معينة قد يجد نفسه أمام أدوات وتقنيات جديدة، والموظف القديم قد يحتاج إلى مهارات رقمية، والحرفي قد يحتاج إلى تعلم أساليب حديثة في الإدارة والتسويق. الاقتصاد الذي يتغير بسرعة لا يستطيع أن يتعامل مع الخبرة القديمة باعتبارها ضماناً دائماً للكفاءة. الخبرة تحتاج إلى تحديث حتى تبقى منتجة.

وفي العراق، ربما تكون إحدى أهم مشكلات التأهيل أننا كثيراً ما نفكر في الوظيفة قبل أن نفكر في المهارة. نسأل: أين توجد الوظائف؟ كم درجة وظيفية ستعلن؟ كم شخصاً يمكن تعيينه؟ وهي أسئلة مفهومة في مجتمع يعاني من ضغوط اقتصادية واجتماعية، لكنها لا تكفي لبناء اقتصاد قادر على خلق فرص مستدامة. السؤال الذي يجب أن يرافقها هو: ما المهارات التي يحتاج إليها اقتصادنا حتى يستطيع أن يخلق فرصاً جديدة أصلاً؟

عندما يصبح الإنسان مؤهلاً، لا يعود منتظراً للوظيفة فقط. يمكنه أن يعمل، أو ينشئ مشروعاً، أو يطور حرفة، أو ينتقل إلى قطاع آخر، أو يتعلم مهنة جديدة، أو يدخل مجالاً رقمياً لم يكن موجوداً عندما بدأ دراسته. هذه المرونة هي أحد أهم أشكال الحماية المهنية في المستقبل.

ولهذا فإن التأهيل المهني ليس معالجة للبطالة وحدها، وإنما جزء من بناء الإنسان الاقتصادي. إنه يساعد الشاب على ألا يبدأ حياته المهنية من الصفر كل مرة، ويساعد المؤسسة على اختيار الشخص المناسب، ويساعد الدولة على تقليل الهدر في التعليم والتوظيف، ويساعد الاقتصاد على تحويل الطاقات البشرية إلى إنتاج حقيقي. وربما يحتاج العراق اليوم إلى أن يغيّر السؤال من «كيف نوفر وظيفة لكل شخص؟» إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف نمنح كل شخص فرصة حقيقية ليصبح قادراً على العمل والإنتاج والتطور؟

فحين يعرف الإنسان قدرته، ويتعلم المهنة التي تناسبه، ويدخل بيئة عمل تمنحه فرصة للتعلم، ثم يجد مساراً واضحاً للتطور، يصبح العمل أكثر من مصدر للدخل. يصبح طريقاً إلى الاستقلال والثقة والكرامة. وهنا يمكن أن يبدأ التأهيل المهني الحقيقي: من إنسان لا ينتظر أن يجد مكاناً في الاقتصاد، وإنما يمتلك من المعرفة والمهارة والمرونة ما يجعله قادراً على صناعة مكانه داخله.

اضف تعليق