العقوق لا يبدأ فجأة عند الكبر، بل قد تصنعه أخطاء تربوية في الصغر، كالإهمال العاطفي، والقسوة، والتحقير، والمقارنة، والتدليل المفرط، وفرض رغبات الآباء على الأبناء. التربية الصحيحة تقوم على الأدب والرحمة والاعتدال، وتعين الأبناء على بر والديهم، لأن سوء المعاملة قد يدفعهم إلى الجفاء والتمرد، بينما العدل والرفق يفتحان...

أمر الله سبحانه وتعالى بالبر والإحسان إلى الوالدين والرحمة بهما، ونهى أشد النهي عن عقوقهما، والإساءة إليهما، والقسوة في التعامل معهما، بل قرن عبادته بطاعتهما كما في قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾[1]، في بيان قرآني للتأكيد على وجوب الإحسان إلى الوالدين والبر بهما.

وضد البر بالوالدين عقوقهما، وضد الإحسان إليهما الإساءة لهما؛ وحتى يكون الأولاد من أهل البر والتقدير للوالدين، ينبغي الاهتمام بتنشئتهم تنشئة تربوية صحيحة ترتكز على احترام الوالدين والإحسان إليهما، والابتعاد عن كل ما يخدش ذلك، ولو بكلمة غير لائقة أو نظرة حادة أو تأفف عند طلب الوالدين منهم شيئًا معينًا.

ويشير معنى التربية على العقوق إلى الممارسات التربوية الخاطئة التي ينتهجها بعض الآباء والأمهات في تنشئة أولادهم، سواء كان ذلك عن قصد أم عن جهل، وهذا المسلك يدفع بهم إلى عقوق الوالدين، والجفاء في معاملتهما، ونكران جميلهما، والتمرد على طاعتهما، وربما الإساءة إليهما.

ويبدأ العقوق بالتشكل منذ الصغر عندما يهمل الوالدان حقوق أولادهما، كالأدب، والتربية السويّة، أو يتعاملان معهم بصورة سيئة، كاستخدام الضرب والتهديد والتخويف، وهو ما ينتهي بهم عند الكبر إلى اقتراف العقوق والجحود تجاه الوالدين.

وتوجد أخطاء تربوية تؤدي إلى تربية الأبناء على العقوق لآبائهم، والإساءة إليهم، ومن هذه الأخطاء ما أشار إليه الإمام العسكري (عليه السلام) بقوله: «جُرأَةُ الوَلَدِ عَلى‏ والِدِهِ في صِغَرِهِ تَدعو إلَى العُقوقِ في كِبَرِهِ»[2]، وهي لفتة مهمة في عالم التربية، فمن الخطأ ترك الولد، وإن كان صغيرًا، يتجرأ على والده أو أمه، سواء بالأقوال أم بالأفعال، بل يجب تنبيهه إلى خطأ سلوكه حتى يتربى على احترام الوالدين وتقديرهما؛ فالتربية على احترام الوالدين والبر بهما تبدأ من الصغر، وعلى الوالدين كلما لاحظا أخطاء في سلوكيات أولادهما أن ينبّهاهم إليها حتى لا يتعودوا عليها عند الكبر.

ومن أسباب العقوق أيضًا تدليع الأولاد أكثر من المعتاد، مما يجعلهم يتجرأون على آبائهم وأمهاتهم عند كبرهم، ولا يتعاملون معهم باحترام أو تقدير أو إحسان. ومن مصاديقه السماح للأولاد بالجرأة على آبائهم برفع الصوت، أو مد اليد، أو عمل حركات غير لائقة، وما أشبه ذلك من سلوكيات خاطئة، بحجة أنهم لا يزالون صغارًا، فيكبرون وتكبر معهم تلك السلوكيات، ويتحول الأمر إلى عقوق للوالدين.

أدِّبوا أولادكم

أكدت النصوص الدينية أهمية تربية الأولاد على الآداب العامة والأخلاق الفاضلة حتى يتربوا عليها، ويتحلوا بها، ومنها أدب احترام الوالدين وتقديرهما. ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أكرِمُوا أولادَكُم وأحْسِنوا آدابَهُم يُغْفَرْ لَكُم»[3]، وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما نَحَلَ والِدٌ وَلدَهُ أفضَلَ مِن أدَبٍ حَسَنٍ»[4].

والاهتمام بتأديب الأولاد حق من حقوقهم التي ينبغي للآباء أن يقوموا بها خير قيام، فلا شيء كالأدب يورث صاحبه الخير والصلاح والخُلُق الحسن.

وتأديب الأولاد وتنبيههم إلى الأخطاء وبيان السلوكيات الخاطئة لهم أمر في غاية الأهمية في صياغة شخصياتهم وبناء ذواتهم بناءً سويًا، وأي تقصير في هذا الجانب التربوي يؤدي إلى تنشئتهم على العقوق وعدم الإحسان إلى الوالدين.

عقوق الآباء لأولادهم

عندما نسمع كلمة «عقوق» يتبادر إلى أذهاننا عقوق الأبناء لآبائهم، وهي مشكلة شائعة في هذه العلاقة، ولكن يوجد أيضًا عقوق الآباء لأبنائهم؛ فمن لا يحسن تربية أولاده تربية سليمة، ويرتكب أخطاء تربوية فاحشة في التعامل معهم، يدفعهم نحو العقوق وإن لم يكن يقصد ذلك.

وقد أشارت بعض النصوص الدينية إلى ذلك، فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «يَلزَمُ الوالِدَينِ مِن عُقوقِ‏ الوَلَدِ ما يَلزَمُ الوَلَدَ لَهُما مِن العُقوقِ»[5]، وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): «يَلزَمُ الوالِدَينِ مِن العُقوقِ لِوَلَدِهما - إذا كانَ الوَلَدُ صالِحًا - ما يَلزَمُ الوَلَدَ لَهُما»[6].

وحتى لا يُبتلى الأولاد باقتراف العقوق، على الآباء أن يُحسنوا تأديبهم، وأن يعينوهم على برّهم، فقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «رَحِمَ اللهُ والِدًا أعانَ وَلَدَهُ على‏ بِرِّهِ»[7]، وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): «رَحِمَ اللهُ مَن أعانَ وَلَدَهُ عَلى‏ بِرِّهِ، وهُوَ أن يَعفُوَ عَن سَيِّئَتِهِ، ويَدعُوَ لَهُ فيما بَينَهُ وبَينَ اللَّهِ»[8]. فالتعامل الصحيح مع الأولاد يدفع بهم نحو البر بالوالدين، بينما سوء المعاملة يدفع بهم نحو العقوق؛ وحتى لا يقعوا في ذلك، على الآباء أن يعفوا عن زلات أولادهم، ويدعوا لهم بالتوفيق والسداد في ظهر الغيب، فدعاء الوالد لأولاده مستجاب.

وعن الإمام الباقر (عليه السلام): «شَرُّ الآباءِ مَن دَعاهُ البِرُّ إلَى الإِفراطِ، وشَرُّ الأَبناءِ مَن دَعاهُ التَّقصيرُ إلَى العُقوقِ»[9]. فالتربية إذا لم ترتكز على التوازن والاعتدال تُحدث خللًا قويًا في بناء شخصية الأولاد؛ فعندما يفرط الأب في تأديب ولده، أو يدلله تدليلًا مفرطًا يلبي فيه كل رغباته وإن كانت خاطئة، ويتغاضى عن أخطائه وإن كانت فاحشة، فإن هذا السلوك يؤدي إلى تربية الأولاد على العقوق والتمرد على القيم، ويكون الأب بذلك قد أساء التربية وأخطأ العمل، وإن كان يظن أنه يحسن صنعًا.

وكذلك فإن شرّ الأولاد من يقصّرون في أداء واجباتهم والتزاماتهم الأخلاقية تجاه آبائهم وأمهاتهم، مما يجرهم تدريجيًا إلى الوقوع في كبيرة عقوق الوالدين.

وقال الإمام الصادق (عليه السلام) لرجل سأله: مَن أبَرُّ؟ قال: «والِدَيكَ»، قال: قَد مَضَيا، قالَ: «بَرَّ وُلدَكَ»[10].

ومعنى بر الآباء لأولادهم تأديبهم بأحسن الأدب، وحسن معاملتهم، والتعامل بلطف ورحمة ورفق وعدل معهم، واجتناب القسوة والشدة والغلظة والتحقير والإهمال. وهذا ما يؤدي إلى تسهيل طريق البر والإحسان إلى الوالدين من قبل الأولاد، ويعينهم على البر والطاعة والمعروف والصلاح.

مما يوجب العقوق

توجد مجموعة أخرى من الأخطاء التربوية، بالإضافة إلى ما مرَّ الحديث عنه، التي يقع فيها بعض الآباء والأمهات، مما يدخل ضمن دائرة التربية على العقوق؛ لأنهم بهذا المسلك يدفعون أولادهم نحو عقوقهم ونكران جميلهم، ومنها:

1- الإهمال العاطفي: يُعد عدم إشباع الأولاد بالحب والحنان والعطف والاهتمام من أبرز صور الإهمال العاطفي. ومن أمثلة ذلك: عندما ينجز أحد الأولاد شيئًا يفتخر به، فلا يجد من والديه كلمة تشجيع أو تحفيز أو اهتمام، فهذا التجاهل العاطفي يشعر الولد بعدم اهتمام الوالدين به، وهو ما يؤدي إلى العقوق مستقبلًا.

2- القسوة في التأديب: عندما يمارس الأب القسوة الشديدة في التربية، ويتعامل مع أولاده بالصراخ والضرب والتهديد والوعيد، فإنه يخلق في أنفسهم الخوف منه والكره له، وهو ما ينعكس في الكبر تمردًا وعقوقًا تجاه والديهم.

3- التحقير المستمر: التعامل مع الأولاد بالتحقير والنقد اللاذع باستمرار، وجرح مشاعر الولد بكلمات نابية، كالقول له: "أنت فاشل"، "لا تفهم شيئًا"، "ولد غبي"، "ما فيك فائدة"، فمثل هذه الكلمات التي تُقال يوميًا من قبل بعض الآباء تهشّم شخصية الولد وبناءه الداخلي بقوة.

4- المقارنة القاتلة مع الآخرين: سلوك يقتل الثقة عند الأولاد، ويزرع الغيرة، ويورث الكراهية، كالقول: "انظر إلى ابن عمك كيف هو متفوق في الدراسة وأنت بالكاد تنجح"، "لماذا لا تكون مثل ابن خالك أو ابن خالتك أو ابن عمتك؟". وهذا المسلك يؤدي إلى انكسار داخلي عند الولد، والأصح أن تُعطى جرعات تحفيزية للنجاح والتميز في دراسته، سواء عبر الكلمات التشجيعية، أو الاهتمام بمتابعة مسيرته التعليمية، أو تحفيزه بهدايا قيمة إذا حقق نتائج باهرة، وما أشبه ذلك.

5- فرض الأماني الشخصية على الأولاد: قد تجد طالبًا موهوبًا في التقنية مثلًا، ويرغب في التخصص في هذا الحقل، لكن والده يُجبره على دراسة الطب رغبةً في تحقيق أمنيته الخاصة، مما قد يدفع الطالب إلى عدم إكمال دراسته بسبب مصادرة ميوله ورغباته الذاتية.

هذه الأخطاء التربوية وغيرها، مما يورث العقوق عند الأولاد، ناشئة عن عدم إحسان الآباء والأمهات للتربية، وجهلهم بكيفية التأديب، الأمر الذي يؤدي إلى نتائج عكسية، كعقوق الأولاد لآبائهم.

والمطلوب هو التوازن والاعتدال في تربية الأولاد، فلا إفراط يُفسد أخلاقهم، ولا تفريط يضيع حقوقهم!

............................................

الهوامش

[1] سورة الإسراء: 23.

[2] تحف العقول: ص 489.

[3] بحار الأنوار: 101/ 95/ 44.

[4] كنز العمّال: 45411.

[5] بحار الأنوار: 101/ 93/ 22.

[6] بحار الأنوار: 71/ 70/ 45.

[7] كنز العمّال: 45417.

[8] بحار الأنوار: ج 101 ص 98 ح 70.

[9] تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 320.

[10] بحار الأنوار: 101/ 98/ 69.

اضف تعليق