تسود في أحاديثنا عادة توجيه لعناتنا الى الحاضر، حتى ايجابياته، وحنين الى الماضي حتى سلبياته، ولا يوجد في هذه المنطقة حديث عن مستقبل، فهو في حكم المجهول ولا نعرف كيف نخطط له او نرسم خطواته المتوقعة.

ومأزقنا الوجودي كعرب ومسلمين هو هذا الانشغال بالماضي والعودة اليه حنينا وصبابة، كعاشق لا تفارقه لحظة التعرف على من احب، حتى على الرغم من عيشه في حاضره معها..

ولا يقتصر تعلقنا بالماضي على مجرد التذكر والاسترجاع، بل نعمد الى توظيف هذا الماضي بكل خيباته وانكساراته واحقاده وكراهياته المنفلتة، وإذا بنا في حاضرنا نقاتل بعضنا البعض على مدونات هذا الماضي بعد ان نسحبها الى حاضرنا الملعون.

ما الذي يدعو الانسان الى ان ينصرف الى الاشتغال بماضيه، ويحاول توظيف هذا الماضي، خاصة في ظل مقولات عديدة وتجارب انسانية عامة، ان النسيان هو الاصل والتذكر هو الفرع. ويكفي مثلا على صحة مثل هذه المقولة حدثا كالموت الذي يبدأ كبيرا ومفجعا وشديد الالم على محبي الراحل، لكن كل هذه المشاعر تبدأ بالانحسار التدريجي والتلاشي، ليصبح هذا الحدث ذكرى عابرة لا تقيم كثيرا في حياتنا.

ويذهب نيتشة في هذا السياق الى ان الاشارات والعلامات التابعة لجهاز التكوين الطبيعي للإنسان اشارات تتجه نحو النسيان اكثر من اتجاهها نحو التذكر.

بين النسيان والتذكر وما يحدث في مجتمعاتنا، يقسم كلود ليفي شتراوس المجتمعات الى "مجتمعات باردة" و"مجتمعات ساخنة"، فالباردة هي تلك المجتمعات التي تسعى عن طريق انشاء مؤسسات واليات معينة في داخلها الى محو والغاء كل التأثيرات الخارجية والداخلية التي يمكن للعوامل التاريخية ان تؤثر بها على توازنها واستمراريتها، ويتم التصدي لهذه التأثيرات بصورة الية عفوية. اما المجتمعات الساخنة فهي على العكس من ذلك، اذ تتميز بوجود حاجة جامحة للتغيير في داخلها، فهي قد تشربت تاريخها وصيرورتها التاريخية، واصّلتهما في ذاتها، لكي يكونا بمثابة القوة المحركة لتطورها.

بهذا تكون المجتمعات الباردة قد اكتسبت على ما يبدو حكمة خاصة، او احتفظت لنفسها بنوع من هذه الحكمة التي تدفعها الى المقاومة المستميتة لكل تغيير يطرأ على بنيتها، ويكون من شانه ان يمكن من تسرب التاريخ الى اوصالها.

والفرق الجوهري بين هذين المجتمعين كما ترى يان اسمن في كتابها "الذاكرة الحضارية.. الكتابة والذكرى والهوية السياسية" ان الحضارات الباردة لا تعيش في ظل نسيان شيء تتذكره الحضارات الساخنة، وانما تعيش في ذكرى اخرى مختلفة عن ذكرى المجتمعات الساخنة. ومن اجل هذه الذكرى، ومن اجل الاحتفاظ بها، كان لابد من منع التاريخ من التسرب الى هذه المجتمعات، ولتحقيق هذا الغرض وجدت تقنيات وادوات خاصة بالذكرى الباردة.

ما علاقة الذاكرة بالسلطة، وخصوصا في مجتمعاتنا المنشدّة دوما الى تاريخها وماضيها السحيق؟

هناك نوع من التحالف بين السلطة والتذكر، كما تخبرنا يان اسمن في كتابها المذكور سابقا، وهذه العلاقة لها جانب مستقبلي ايضا، فالحكام لا يغتصبون الماضي فحسب، وانما يغتصبون المستقبل ايضا، فهم يريدون ان يتذكرهم الاخرون، ولهذا يشيدون لأنفسهم في اعمالهم انصابا وتماثيل، ويسعون الى جعل اعمالهم مادة ترويها الاجيال وتتغنى بها، وتخلدها في اثار وتماثيل او على الاقل توثقها في الاراشيف والمحفوظات. فالسلطة تبحث عن الشرعية لنفسها بالاتجاه نحو الماضي، وتبحث ايضا عن الخلود بالاتجاه نحو المستقبل.

هل يمكننا ان نتخلص يوما من توظيف هذا الماضي وذاكرتنا القاتلة والمدمرة لحاضرنا ومستقبلنا؟

ربما هناك امل واعد يقدمه لنا العلم الحديث، فقد نجح باحثون من مؤسسات بحثية وعلمية متعددة، في تشخيص جينات إذا ما تم سحقها بشكل فعال تفقد ذاكرتها، ويمكن برمجتها من جديد بشكل أسرع وبفعالية أكبر.

وينطلق هذا الطموح العلمي من حقيقة إن كل خلية في جسم الانسان لديها مخطط الحمض النووي نفسه، وعادة ما يتم تشغيل هذه الجينات أو وقف عملها خلال التطور الذي يحدد ما ستكون عليه كل خلية لاحقًا، ومن خلال التحكم بهذه الجينات وادخال عناصر جديدة عليها، يمكن للعلماء إعادة تشغيل الاجزاء النائمة في جينوم الخلايا الناضجة وإعادة برمجتها لتصبح خلية من نوع آخر.

خلال انقسام الخلايا، تحتفظ الخلايا الجديدة بذاكرتها في الحمض النووي، وعندما يتم تغيير هذه الذاكرة من خلال اضافة مكونات جديدة تفقد الخلايا قدرتها على الاحتفاظ بالذاكرة، وتفقد كل المعلومات وتتحول الى اوراق بيض فارغة، وعندها يمكن التحكم بها بسهولة أكبر".

وحين تفقد الخلايا هويتها ولا تعود تعرف من هي، يسهل خداعها وتحويلها الى خلايا من نوع آخر.

هل من الافضل ان يعيش الانسان بلا ماض، ام ان عليه عدم توظيف هذا الماضي بكل مراراته في الحاضر ومصادرة مستقبله؟

لايمكن ان يعيش الانسان دون ماض، ولا يمكن محو ذاكرته، تلك الذاكرة التي تجعله يعود الى احبته والى من يهتم بإسعادهم، لكن العلم ووفقا لما يطمح اليه عبر هذا الاكتشاف يمكن ان يلطّف من فعل الذاكرة التي تئن تحت وطأتها مجتمعاتنا العربية والاسلامية، ويجعلنا نغادر من خانة المجتمعات الساخنة الى المجتمعات الباردة.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1