إن الاستقرار النفسي للمجتمع يعد أحد أهم المؤشرات على نجاح الإدارة العامة، فالمواطن يمكن أن يصبر على إجراءات صعبة أو إصلاحات مؤلمة عندما يقتنع بأنها جزء من مشروع حقيقي لبناء مستقبل أفضل، أما القرارات المفاجئة والمتناقضة فإنها تستهلك رصيد الثقة وتدفع المجتمع نحو حالة من الإحباط وعدم اليقين...

منذ نشأة الدولة الحديثة، ارتبط وجود الحكومة بفكرة أساسية تتمثل في توفير الأمن والاستقرار للمواطنين، فالفرد يتنازل عن جزء من حريته لصالح الدولة مقابل الحصول على الحماية والخدمات وضمان الحقوق، ولهذا السبب فإن نجاح أي حكومة يمكن ان يُقاس بعدد المشاريع التي تنفذها أو القوانين التي تصدرها، وكذلك بقدرتها على منح الناس شعورا دائما بالأمان والثقة بالمستقبل.

غير أن هذا الشعور قد يتعرض للاهتزاز عندما تتحول القرارات الحكومية إلى مصدر للقلق بدلا من أن تكون أداة لمعالجة المشكلات، فالمواطن الذي يستيقظ كل يوم على تعليمات متغيرة أو قرارات متسرعة، أو إجراءات غير مدروسة، يجد نفسه في حالة من الترقب والخوف من المجهول، وهو أمر ينعكس بصورة مباشرة على حياته الاقتصادية والاجتماعية والنفسية.

وبذلك فإن المشكلة لا تكمن في اتخاذ القرارات بحد ذاتها، لا سيما وان الحكومات وجدت أصلا لاتخاذ القرارات وإدارة شؤون الدولة، وإنما في الطريقة التي تُتخذ بها تلك القرارات، فعندما تغيب الدراسات الحقيقية، ويحل الارتجال محل التخطيط، تصبح النتائج عبئا على المجتمع، فالقرار المستعجل قد يخلق أزمة أكبر من الأزمة التي جاء لمعالجتها، وقد يفتح أبوابا جديدة من المشكلات التي لم تكن موجودة من قبل.

ونتيجة لهذه المشكلات يشعر المواطن بالقلق فضلا عن حالة الفوضى التي ترافقها، فالتناقض في التصريحات الرسمية، وعدم وضوح الرؤية، وتبدل المواقف خلال فترات قصيرة، كلها عوامل تضعف الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وعندما تفقد الثقة، يصبح الناس أكثر ميلا إلى التشاؤم وأقل استعدادا للتعاون مع البرامج الحكومية مهما كانت أهدافها إيجابية.

ومن أبرز أسباب القلق أيضاً سوء ترتيب الأولويات، فالمواطن يتوقع من حكومته أن تضع احتياجاته الأساسية في مقدمة اهتماماتها، كتحسين الخدمات وتوفير فرص العمل وتطوير التعليم والصحة، وتعزيز البنية التحتية، لكن عندما يشعر بأن الجهد الحكومي يتجه نحو ملفات ثانوية أو قضايا لا تمثل أولوية ملحة، تتولد لديه قناعة بأن هناك فجوة بين ما يريده الناس وما تنشغل به مؤسسات الدولة.

بينما الحكومات الناجحة هي تلك التي تمتلك القدرة على قراءة الواقع بدقة، وتحديد الأولويات وفقا لحاجات المجتمع الحقيقية، لا وفقا للضغوط السياسية أو الحسابات الآنية، فالمواطن لا يطالب بالمستحيل، وجل ما يريده هو أن يرى خطة واضحة، وأهدافا محددة، ونتائج ملموسة يمكن قياسها ومتابعتها.

كما أن الاستقرار النفسي للمجتمع يعد أحد أهم المؤشرات على نجاح الإدارة العامة، فحين يشعر المواطن أن القرارات مدروسة، وأن المؤسسات تعمل وفق رؤية متكاملة، وأن المسؤولين يملكون تصوراً واضحاً للمستقبل، يزداد شعوره بالطمأنينة حتى في الظروف الصعبة، أما عندما تسود العشوائية، فإن القلق يتحول إلى حالة عامة تؤثر في الاقتصاد والاستثمار والإنتاج والعلاقات الاجتماعية.

وقد تتعكز الحكومة على سرعة الخدمات التي تريد للمواطن ان يستفاد منها، ولهذا الغرض تسرع في اتخاذ قرارات وتُصدر أوامر غير واقعية في بعض الأحيان، في المقابل يمكن للمواطن أن يصبر على إجراءات صعبة أو إصلاحات مؤلمة عندما يقتنع بأنها جزء من مشروع حقيقي لبناء مستقبل أفضل، أما القرارات المفاجئة والمتناقضة فإنها تستهلك رصيد الثقة وتدفع المجتمع نحو حالة من الإحباط وعدم اليقين.

يبقى المعيار الأهم لأي حكومة هو مقدار الأمان الذي يشعر به المواطن في ظلها، فالدولة التي تمنح أبناءها الثقة بالمستقبل، وتدير شؤونهم بحكمة وتخطيط، تضع أسس التنمية الحقيقية، أما الدولة التي تتحول قراراتها إلى مصدر قلق يومي، فإنها تفتح المجال أمام الشكوك والتوتر وفقدان الثقة، ومن هنا فإن الحاجة تظل قائمة إلى إدارة رشيدة تجعل من الحكومة مظلة أمان للمواطن، لا سببا إضافيا من أسباب القلق التي تثقل حياته.

اضف تعليق