الموازنة العامة ليست قائمة مفتوحة للإنفاق، والإدارة الناجحة لا تعني التقشف بل تقوم على الإنفاق الذكي... فكل دينار يُصرف ينبغي أن يحقق منفعة عامة واضحة وأن يخضع للتقييم والمساءلة؛ لأن المال العام يمثل حقوق المواطنين جميعاً، وليس مورداً متاحاً للصرف دون ضوابط. والنجاح يتحقق عندما تُبنى القرارات على الأولويات...
الكثير من الأسر تمتلك دخلا محدودا وتعيش باستقرار، في حين تتعثر أسر أخرى رغم وفرة مواردها، السر يكمن في حسن الإدارة وترتيب الأولويات، والقدرة على التمييز بين الحاجة والرغبة، هذه القاعدة نفسها تنطبق على الدول عند إعداد موازناتها السنوية.
ربة المنزل تبدأ بتقدير دخل الأسرة، ثم توزع المصروفات وفق الضرورات، الغذاء والسكن والتعليم والعلاج تأتي في مقدمة الاهتمامات، ثم تنتقل إلى النفقات الأقل أهمية، وعندما تواجه انخفاضا في الدخل، تؤجل شراء الكماليات، وتبحث عن بدائل أقل كلفة، وتحرص على عدم تجاوز ما تملكه من مال، هذا السلوك البسيط يمثل نموذجا عمليا للإدارة المالية الرشيدة.
الدولة مطالبة باتباع المنهج ذاته، فالموازنة العامة ليست قائمة مفتوحة للإنفاق، فهي تمثل خطة لتحديد كيفية توزيع الموارد المحدودة على احتياجات المجتمع، فإذا ارتفعت الإيرادات أمكن توسيع المشاريع الاستثمارية وتحسين الخدمات، وإذا تراجعت الموارد يصبح من الضروري مراجعة أوجه الصرف وتأجيل المشاريع غير العاجلة، مع المحافظة على الخدمات الأساسية التي تمس حياة المواطنين.
ويشبه الاقتصاديون هذه العملية بمن يحاول خياطة ثوب من قطعة قماش محددة المساحة، الخياط الماهر يقيس القماش أولا، ثم يرسم التصميم الذي يناسب الكمية المتوافرة، ويتجنب الهدر في القص، ويعرف أن أي خطأ قد يجعله عاجزا عن إكمال الثوب، والدولة تواجه التحدي نفسه عند توزيع مواردها بين الصحة والتعليم والأمن والبنية التحتية والرواتب والاستثمارات.
تكمن المشكلة عندما تتوسع الحكومات في الإنفاق دون وجود موارد حقيقية تغطي تلك الالتزامات، عندها تبدأ بالاقتراض أو السحب من الاحتياطيات أو تأجيل المستحقات، فتتراكم الأعباء المالية عاماً بعد آخر، هذا السلوك يشبه أسرة تنفق أكثر من دخلها الشهري اعتمادا على الديون، فتجد نفسها عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها مع مرور الوقت.
الإدارة المالية الناجحة لا تعني التقشف في كل الأحوال، فهي تقوم على الإنفاق الذكي، فهناك مصروفات تستهلك الأموال دون مردود اقتصادي أو اجتماعي، في مقابل نفقات تمثل استثمارا للمستقبل، مثل بناء المدارس والمستشفيات وشبكات النقل ودعم المشاريع المنتجة، هذه المجالات ترفع قدرة الاقتصاد على النمو وتوفر فرص عمل، وتزيد الإيرادات مستقبلا.
كما تحتاج الموازنة إلى قدر من المرونة لمواجهة الظروف الطارئة، الأسرة الحكيمة تحتفظ بجزء من دخلها لمواجهة المرض أو فقدان العمل أو أي ظرف غير متوقع، والدولة تحتاج إلى احتياطيات مالية تساعدها على التعامل مع الأزمات الاقتصادية والكوارث الطبيعية وتقلبات أسعار الموارد الرئيسة.
ولا تكتمل الإدارة السليمة دون رقابة دقيقة على الإنفاق، فكل دينار يصرف ينبغي أن يحقق منفعة عامة واضحة، وأن يخضع للتقييم والمساءلة، لأن المال العام يمثل حقوق المواطنين جميعا، وليس موردا متاحا للصرف دون ضوابط.
لا تختلف قواعد الإدارة المالية بين منزل صغير ودولة كبيرة، فالموارد مهما بلغت تبقى محدودة أمام تعدد الاحتياجات، والنجاح يتحقق عندما تُبنى القرارات على الأولويات، ويُوقف الإنفاق الذي يتجاوز الإمكانات، وتُحاك الموازنة بحكمة تماما كما تحيك الأسرة كسوتها بما لديها من قماش، فتخرج بثوب متقن يخدم الغاية دون إسراف أو عجز.



اضف تعليق